د.بنكيران: إلى المجلس العلمي الأعلى.. مناقشة في سَوْق البهائم إلى الأضرحة

هوية بريس – د.رشيد بن كيران إلى المجلس العلمي الأعلى.. مناقشة في سَوْق البهائم إلى الأضرحة “من تغيير معالم الشريعة” إلى تحقيق المناط كنت قد كتبت تدوينة مختصرة مركزة، وجهتها إلى المجلس العلمي الأعلى، طالبته فيها ببيان حكم المذهب المالكي في حكم سوق بهيمة الأنعام إلى الأضرحة وهي مميزة مُقلّدة، مستحضرا في ذلك ما نقل عن الإمام مالك رحمه الله من قوله: “وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال”. فانبرى أحدهم ويسمى محمد كرماط للتعقيب على تدوينتي ونشرها على صفحتي، غير أن تعقيبه -مع ما حشده فيه من نقول- لم يكن في نظري موفقا في تحرير محل النزاع ولا في تنزيل تلك النقول على الواقعة التي تحدثت عنها. وزاد الأمر سوءا أنه شحن كلامه بأوصاف قدحية وألفاظ لا تليق بمقام البحث العلمي، من قبيل وصفي بـ”النابتي؟!” واتهامي بـ”الفهم السقيم!؟” و”الانحراف عن الجادة!؟” و”العقائد الفاسدة!؟”، إلى غير ذلك من لغة كان الأولى أن ينزه عنها نقاش يراد له أن يكون فقهيا علميا. ◆ ولذلك آثرت أول الأمر ألا أشتغل بتعقيبه؛ إذ لا أرى أن طالب العلم ملزم بتتبع كل كلام جمع صاحبه فيه بين المناقشة العلمية والطعن الشخصي وسوء الخلق، ولا أن يترك أصل المسألة لينشغل بما لا أثر له في صحة الدليل وفساده. غير أن أحد الإخوة يسمى Hassan Azough أعاد نشر ذلك التعقيب على صفحتي، ودعاني إلى قراءته والاستفادة منه، قائلا: “أنصحك أستاذ رشيد بقراءة هذا المقال، فهو مفيد لك رغم ما فيه من أوصاف قد تعتبرها قادحة‼️ لكن خذ ما صفا ودع ما كدر؛ لتتبين أن الفقه صنعة وعلم ودربة وحكمة، وليس مجرد كلمات ترمى”. طيب يا حسن ؛ فلنأخذ ما صفا وندع ما كدر، ولنضع الأوصاف الشخصية وسوء الخلق جانبا، ولننظر في الصنعة الفقهية التي دعوتني إلى الاستفادة منها؛ لأن الفقه بالفعل صنعة وعلم ودربة، وليس مجرد استحضار للنقول، وإنما من صميم صناعته: تحرير محل النزاع، وحسن تصور الواقعة، وجمع كلام الفقيه وعدم اجتزائه، والتمييز بين محل ورود الحكم ومناطه، وفهم علل الأحكام، وتحقيق المناط، ومراعاة الفروق المؤثرة بين الصور قبل تخريج بعضها على بعض. ومن هنا رأيت أن من المفيد أن أقف مع هذا التعقيب وقفة علمية مفصلة، لا انتصارا للنفس، ولا مجاراة للغة التجريح وسوء الخلق التي وردت فيه، وإنما بيانا لمحل النزاع، وإظهارا لما تدل عليه نصوص المذهب التي استند إليها المعترض نفسه، واختبارا لما قُدِّم إلينا على أنه مقتضى الصناعة الفقهية بميزان هذه الصناعة ذاتها. ◆ وسأعرض كلام محمد كرماط كما هو، ثم أناقشه من داخل النصوص التي احتج بها، حتى يتبين: هل أخطأتُ فعلا في فهم كلام الإمام مالك وتنزيله على الواقعة، أم أن الخلل وقع لـه في تصور محل كلامي، ثم في تنزيله لنصوص فقهية وردت في صور أخرى عليه؟ والتحقيق يقتضي الوقوف مع كلامه في مسائل: √ الأولى: لا بد من تحرير صورة الواقعة قبل تنزيل النصوص عليها √ من المقرر أن من أهم أصول النظر الفقهي عند الاختلاف تحرير محل النزاع وتصور الواقعة تصورا صحيحا قبل استدعاء النصوص وتنزيل الأحكام عليها. وأنا لم أقل إن مجرد استصحاب بقرة أو خروف عند زيارة مكان فيه ضريح داخل فيما وصفه الإمام مالك بالضلال، حتى يُعترض عليَّ بقول الدسوقي أو غيره من ففهاء المذهب المالكي في جواز استصحاب شيء من الحيوان عند زيارة الولي بقصد التوسعة على النفس والفقراء. فهذه صورة لم أتكلم عنها، ولا هي محل إنكاري. وإنما قلت بنص عبارتي: “حكم سوق بهيمة الأنعام إلى الأضرحة وهي مُقَلَّدَة“. وقيدي بقولي: “وهي مقلدة” مقصود، يراد به ما تكون عليه البهيمة من تمييزها بعلامة ظاهرة عند سَوْقها؛ إذ تكسى بثوب أخضر مخصوص، ثم تساق بهذه الهيئة في موكب معلن إلى الضريح، مع الاحتفاء بها وتصويرها أثناء السوْق، فلفظ “مقلدة” ليس لفظا زائدا أو وصفا عارضا يمكن إهداره عند تصور الواقعة وتحقيق مناطها، وهو في الواقعة التي أتحدث عنها قرينة ظاهرة تخرجها عن مجرد اصطحاب البهيمة للأكل والتوسعة. فالبهيمة هنا لا يحملها أصحابها عرضا، ولا تساق إلى مكان عادي لمجرد الانتفاع بلحمها، وإنما تُمَيَّز بهذه الكسوة، ثم تساق إلى ضريح بعينه، في موسم معلوم يتكرر في زمن مخصوص، وضمن موكب معلن مرتبط بذلك الضريح وموسمه وطقوسه. فكيف يصح بعد ذلك تسوية هذه الصورة بصورة من قصد زيارة ولي، فاستصحب معه حيوانا ليأكل منه هو ورفقته ويوسع بلحمه على فقراء المحل!!؟ وأين البهيمة المقلدة المسوقة إلى ضريح مخصوص في موكب موسمي معلوم من مجرد استصحاب حيوان للتوسعة والإطعام!!؟ إن بين الصورتين فرقا واضحا في الهيئة والقصد والعرف والتخصيص، وهي أوصاف مؤثرة لا يجوز إلغاؤها عند النظر الفقهي السليم وتحقيق المناط. √ وعليه، فقبل أن يستدل هذا المعترض بما جاء في الشرح الكبير على هذه الواقعة، لا بد له من إثبات اتحاد الصورتين أو اتحادهما في المناط؛ لأن صاحب الشرح الكبير إنما أجاز استصحاب الحيوان بقصد التوسعة على النفس والفقراء، من غير نذر ولا تعيين، ونص كلامه: “ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب شيء من الحيوان معهم ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء أهل المحل من غير نذر ولا تعيين فيما يظهر”، أما محل كلامي فهو بهيمة مقلدة، تساق إلى ضريح معين، في موسم معين، وضمن هيئة معلومة مرتبطة به. فإلحاق الصورة الثانية بالأولى، مع قيام هذه الفوارق المؤثرة، ليس تخريجا صحيحا على نص الدسوقي، بل هو تغيير لصورة محل النزاع ثم تنزيل حكم الصورة البديلة على الواقعة الأصلية. √ ومن أراد الاحتجاج عليَّ بنص الذي في الشرح الكبير فعليه أولا أن يثبت أن هذه البهيمة المقلدة، المسوقة في موكب معلوم إلى الضريح في موسمه المعهود، ليست إلا طعاما اصطحبه أصحابه للتوسعة على أنفسهم وإطعام الفقراء؛ فإن أثبت ذلك صح النظر في إلحاقها بالصورة المذكورة، وأما مع بقاء التقليد، وتخصيص الضريح، والموسم، والموكب، والهيئة العرفية المصاحبة لذلك، فلا يصح القفز على هذه الأوصاف جميعا وإلحاق الواقعة بصورة مغايرة لها. ودون إثبات اتحاد الصورتين في مناط الحكم، يبقى نص الدردير المستدل به واردا في غير محل النزاع، ولا يصلح معارضا لما استدللت به من كلام الإمام مالك. √ الثانية: القول بأن كلام الإمام مالك ورد في “كتاب النذور” لا يحسم النزاع ■ جعل المعترض عمدته أن قول الإمام مالك: “وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال” ورد في مسألة النذر، ثم بنى على ذلك أن الاستدلال به على الصورة الواقعة اليوم مخالف لما سماه “المنهج الفقهي”. ولا نزاع في أن كلام الإمام مالك ورد في سياق النذر، وأن شراح المذهب تناولوه في هذا السياق؛ فقد نقل الحطاب في مواهب الجليل قول المدونة: “وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال”، وذكره فيمن التزم ذلك على سبيل النذر. لكن السؤال الفقهي المحرر ليس مجرد: في أي باب من أبواب الفقه ورد النص؟ وإنما السؤال الذي يتوقف عليه الحكم هو: ▪︎ ما مناط المنع في كلام الإمام مالك؟ ▪︎ وهل النذر نفسه هو الوصف الذي من أجله مُنع سوق البدن إلى غير مكة، بحيث إذا انتفى النذر انتفى المنع، أم أن النذر إنما هو السياق الذي وردت فيه المسألة، والمنع متعلق بالفعل المنذور لما اشتمل عليه من معنى غير مشروع؟ ■ والفرق بين الأمرين ظاهر؛ إذ ثمة فرق بين محل ورود الحكم وبين مناط الحكم وسبب المنع، ولا يلزم من ورود مسألة في باب النذر أن يكون النذر هو العلة التي يدور معها حكم الفعل وجودا وعدما. وبيان ذلك أن المسلم قد ينذر فعلا ممنوعا في نفسه، فيمنع من الوفاء بنذره، لا لأن النذر أحدث المنع، وإنما لأن النذر تعلق بفعل لم يكن مشروعا ابتداء. فمن نذر صيام يوم العيد، مثلا، لم يجز له الوفاء بنذره؛ وليس امتناع الصيام ناشئا عن كونه منذورا، بل لأن صيام يوم العيد ممنوع شرعا بدليل مستقل، والنذر لا يجعل الممنوع مشروعا ولا يصحح الفعل الذي تعلق به. ■ وعليه، فمجرد القول بأن مسألة الإمام مالك وردت في “كتاب النذور” لا يكفي لإخراج غير الناذر من حكم المنع؛ لأن هذا لا يتم إلا بعد إثبات أن النذر وصف مؤثر في الحكم، وأن المنع من سوْق البدن إلى غير مكة إنما ثبت لأجل النذر نفسه، بحيث ينتفي الحكم بانتفائه. ولهذا فقول المعترض إن المسألة “ابتداء متعلقة بالنذر” صحيح من جهة موضع المسألة في التصنيف الفقهي وسياق ورودها، لكنه لا ينتج النتيجة التي أرادها، وهي أن حكم الإمام مالك لا يتناول بحال صورة سوْق الهدي أو البهيمة الواقعة من غير نذر. فهذه النتيجة تحتاج إلى مقدمة لم يثبتها، وهي أن النذر نفسه هو مناط المنع. بل النصوص التي نقلها المعترض نفسه عن شراح المذهب ستبين أن تعليل المنع تجاوز مجرد وجود النذر إلى معنى قائم في الفعل نفسه، وهذا ما سيأتي بيانه. √ الثالثة: “تغيير معالم الشريعة” و”الشبه بسوق الهدي” ووصف الواقعة محل النزاع ●● وقبل مناقشة النص الذي نقله المعترضDrAhmed Hani ، يحسن التنبيه إلى شيء من تحرير النقول ونسبتها إلى أصحابها؛ فقد وقع في كلامه #شيء_من_الخلط بين كلام الدردير في الشرح الكبير وكلام الدسوقي في حاشيته عليه. فالعبارة: “بل يمنع بعثه ولو قصد الفقراء الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي، لقول المدونة: سوق الهدايا لغير مكة ضلال؛ أي لما فيه من تغيير معالم الشريعة…” هي من كلام الدردير في الشرح الكبير، وليست من كلام الدسوقي في حاشيته. وكذلك ما يأتي بعدها إلى قوله في استصحاب الحيوان للتوسعة على النفس والفقراء هو من كلام الدردير. وإنما يأتي كلام الدسوقي بعد ذلك شارحا لعباراته بقوله: “قوله: كلفظ بعير إلخ”، و”قوله: وبعثه أو استصحابه” ونحو ذلك. وهذا التصحيح لا يغير أصل المسألة، لكنه مهم في الأمانة العلمية وضبط نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولا سيما أن المعترض أقام جانبا من تعقيبه على دعوى الالتزام “المنهج الفقهي”. ●● أما من جهة المضمون، فتعليل الدردير جدير بالتأمل؛ إذ فسر وصف المدونة سوق الهدايا لغير مكة بأنه ضلال بقوله: “لما فيه من تغيير معالم الشريعة“. وهذا يدل على أن معالم الشريعة في باب الهدي ليست مجرد ذبح حيوان وإطعام لحمه، وإنما للهدي جهته ومحله وهيئته وأحكامه التي خصه الشرع بها. والأقوى من ذلك أن الدسوقي نفسه، عند تعليقه على قول الدردير: “وبعثه أو استصحابه من الضلال أيضا”، نقل في تعليل ذلك: “لأن في بعثه شبها بسوْق الهدي”. وهذه العبارة شديدة الصلة بمحل كلامي؛ لأن ما كنت أقرره من المضاهاة لم يعد مجرد استنباط من قول الدردير “تغيير معالم الشريعة”، بل نجد في حاشية الدسوقي التصريح باعتبار الشبه بسوْق الهدي وجها للمنع على قول. فإذا انتقلنا إلى الواقعة محل كلامي وجدنا بهيمة تُخصَّص لضريح بعينه، وتُميَّز عن غيرها بكسوتها ثوبا أخضر مخصوصا، ثم تساق بهذه الهيئة في موكب معلن إلى ذلك الضريح، في موسم معلوم يتكرر كل سنة، مع الاحتفاء بها وتصويرها أثناء سوْقها. فهذه ليست صورة ذبيحة عادية أُخذت لمطلق الأكل أو لإطعام الفقراء، وإنما نحن أمام هيئة مركبة من التخصيص والتمييز والسوْق إلى بقعة مخصوصة والاحتفاء بذلك في زمن مخصوص. ●● وهنا تتلاقى عبارتا الدردير والدسوقي في الدلالة على محل البحث؛ فالدردير يتحدث عن “تغيير معالم الشريعة”، والدسوقي ينقل أن في الفعل “شبها بسوق الهدي”. ومن ثم يصبح السؤال الفقهي أدق: أليس في تخصيص بهيمة وتمييزها، ثم سوْقها في موكب موسمي إلى ضريح مخصوص، شَبه ظاهر بسوْق الهدي من حيث الهيئة والتخصيص، مع نقل هذه الهيئة إلى بقعة لم يجعلها الشرع محلا للهدي!!؟ ولا أقول إن هذه البهيمة صارت بذلك هديا شرعيا، فهذا ليس محل الدعوى، ولا يقول به عاقل، وإنما الكلام في مضاهاة الهيئة الشرعية وإحداث نظير لها في بقعة لم يجعلها الشرع محلا لها؛ وهو المعنى الذي صرح به النقل الذي أورده الدسوقي نفسه. ●● ويزداد هذا المعنى ظهورا باجتماع القرائن، لا بواحدة منها منفردة؛ فليس الكلام عن مجرد ثوب أخضر، ولا عن مجرد ذبح عند مكان، ولا عن مجرد زيارة ضريح، وإنما عن مجموع هيئة متكررة؛ تخصيص بهيمة، وتمييزها، وسَوْقها في موكب، وتخصيص ضريح بعينه بها، وربط ذلك بموسم سنوي، والاحتفاء العلني بهذا السَّوْق. ومجموع هذه الأوصاف هو الذي يعطي الفعل دلالته ويخرجه عن صورة العادة المحضة. ومن هنا يتبين أيضا بُعد هذه الواقعة عن الصورة التي أجازها الدردير في قوله: “واستصحاب شيء من الحيوان معهم ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء أهل المحل”؛ لأن الحيوان الذي يستصحب لمجرد الأكل والتوسعة لا يحتاج إلى أن يُميّز بثوب مخصوص، ولا أن يساق في موكب، ولا أن يحتفى به، ولا أن يرتبط سَوْقه بضريح معين وموسم سنوي معين. ●● وعليه، فإن عبارة الدردير “لما فيه من تغيير معالم الشريعة” لا ينبغي المرور عليها وكأنها تفسير زائد لا أثر له؛ بل هي_ مفتاح مهم لفهم وجه إنكار الإمام مالك، وبُعد تزظيفه للفظ “الضلال”، وهو تعبير ذو دلالة شرعية ظاهرة، يشعر بأن محل إنكاره ليس مجرد مخالفة فرعية عارضة، وإنما العدول بالهدي عن معلمه الذي وضعه الشرع له، وإنشاء هيئة تضاهي المشروع في غير محله. وهي في الوقت نفسه تثير السؤال الجوهري في الواقعة المعاصرة: إذا كانت الشريعة قد عرفت سوْق البهائم المميزة إلى بقاع مخصوصة في باب الهدي، فبأي دليل تنشأ هيئة موازية؛ بهيمة مميزة، وموكب مخصوص، وسوق إلى ضريح مخصوص، وموسم يتكرر كل سنة، واحتفاء بهذا كله؟ وهذا هو محل الاعتراض، لا مجرد ذبح حيوان وإطعام لحمه. √ الرابعة: نص الدردير نفسه لا يحصر المنع في لفظي “الهدي” و”البدنة” √ قرر المعترض أن المسألة متعلقة بلفظتي “الهدي” و”البدن”، وجعل ذلك من الأوصاف التي تمنع تنزيل كلام الإمام مالك على الصورة التي تحدثت عنها. غير أن تمام النص الذي نقله عن الدردير نفسه لا يساعده على هذا الحصر؛ فقد قال عقب كلامه السابق: “فإن عبّر بغير لفظ هدي أو بدنة بلفظ بعير أو خروف فلا يبعثه، بل يذبحه بموضعه، وبعثه أو استصحابه من الضلال أيضا“. √ وهذا نص بالغ الدلالة؛ لأن الدردير انتقل صراحة من لفظي الهدي والبدنة إلى مجرد البعير والخروف، ومع ذلك لم يجعل تغير اللفظ موجبا لجواز السوْق، بل أبقى حكم المنع، بل وأبقى الوصف نفسه فقال: “وبعثه أو استصحابه من الضلال أيضا”. فكيف يقال بعد ذلك إن المسألة متعلقة بخصوص لفظي الهدي والبدنة!!؟ لو كان مناط المنع مجرد إطلاق هذين اللفظين على الحيوان، لكان العدول عنهما إلى لفظ بعير أو خروف مؤثرا في الحكم، لكن الدردير صرح بخلاف ذلك. وهذا يدل على أن النظر لا يقف عند الاسم الذي أطلق على الحيوان، وإنما يتجاوزه إلى حقيقة تخصيصه وبعثه أو سوقه إلى تلك البقعة، والعبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما هو مقرر . √ نعم، كلام الدردير هنا باق في سياق المسألة التي يتحدث عنها من النذر والتعيين، ولا حاجة إلى تحميل النص أكثر مما يحتمل؛ لكن القدر الذي يثبته بوضوح كاف في محل الرد، وهو أن خصوص لفظ الهدي أو البدنة ليس هو مناط المنع، وأن استبداله بلفظ بعير أو خروف لا يخرج الفعل عند الدردير من وصف الضلال. ومن ثم فإن الاستدلال بالنص ينبغي أن يكون بتمامه؛ فلا يصح أن يُستخرج منه قيد الهدي والبدنة للاحتجاج به عليَّ، ثم يُترك ما عقبه مباشرة من تصريح الدردير بأن الحكم باق حتى إذا عُبِّر عن الحيوان بلفظ بعير أو خروف. بل هذا تماما مما يقوي محل اعتراضي؛ العبرة ليست بمجرد الاسم الذي يسمى به الحيوان، وإنما بحقيقة تخصيصه وسوْقه إلى البقعة والهيئة التي يقع بها ذلك السوْق. √ بل إن الدسوقي، في حاشيته على هذه العبارة نفسها، أكد أن مناط النظر لا يقف عند اللفظ، فنقل في تعليل منع البعث أن “في بعثه شَبَها بسوق الهدي”. فاجتمع عندنا تصريح الدردير باستمرار المنع مع لفظ “بعير أو خروف”، وتعليق الدسوقي باعتبار الشبه بسوق الهدي. √ الخامسة: نص الدردير في الجواز وارد في غير محل النزاع ■ استدل المعترض بقوله: “ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب شيء من الحيوان معهم ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء المحل من غير نذر ولا تعيين فيما يظهر”. وقبل مناقشة دلالة هذا النص، أنبه إلى أن المعترض نسب هذه العبارة إلى الدسوقي، والصواب أنها من كلام الدردير نفسه في الشرح الكبير، وهي متصلة بكلامه السابق، أما الدسوقي فإنما جاء بعد ذلك شارحا لعبارات الدردير في حاشيته. وهذا الخلط لا يغير الحكم في ذاته، لكنه جدير بالتنبيه في مقام بُني جانب من الاعتراض فيه على الحديث عن المنهج الفقهي ودقة التعامل مع نصوص المذهب. ■ قلت: وهذا نص واضح لا موجب لدفعه ولا لتأويله، وإنما الواجب أن يُفهم في الصورة التي ذكرها الدردير نفسه، وأن ينزل عليها دون أن يتجاوز بها إلى صورة أخرى مغايرة. فالدردير يتحدث عن استصحاب حيوان عند زيارة ولي، ليذبح هناك بقصد التوسعة على الزائرين وفقراء المحل، من غير نذر ولا تعيين. فمناط الجواز في الصورة ظاهر: حيوان استُصحب للأكل والإطعام، لا بهيمة خُصصت للمقام وأُنشئت لها هيئة مميزة عند سوْقها إليه. ■ وهنا أسأل: أين في كلام الدردير تمييز البهيمة بكسوة مخصوصة؟ وأين سوْقها إلى الضريح في موكب معلن؟ وأين ارتباط ذلك بموسم معلوم يتكرر كل سنة؟ وأين الاحتفاء بسوْقها وتصويرها وهي متجهة إلى الضريح؟ لا شيء من ذلك في الصورة التي أجازها الدردير. فالفرق بين الصورتين ليس فرقا هامشيا يمكن إهداره، وإنما هو فرق في حقيقة الفعل وهيئته ومناطه: – صورة الدردير استصحاب حيوان للتوسعة والإطعام، – والصورة التي تكلمت عنها تخصيص بهيمة وتمييزها وسوْقها في هيئة موسمية معلومة إلى ضريح بعينه. ■ ومن ثم فإن الاستدلال بالصورة الأولى على جواز الثانية ليس تنزيلا لكلام صاحب الشرح الكبير على محل النزاع، وإنما هو إلحاق صورة بصورة أخرى مع قيام الفارق المؤثر بينهما. واللافت أن المعترض نفسه قال مستنكرا: “فأين هذا مما يفعله المغاربة اليوم من سوق للذبائح للمزارات والأضرحة!؟. وأقول بصوت أعلى: هذا هو عين السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى استدلاله، ولكن في الاتجاه الصحيح: أين البهيمة المميزة بكسوتها، المسوقة في موكب معلوم إلى ضريح مخصوص في موسم سنوي معلوم، من الحيوان الذي تحدث عنه الدردير واستصحبه صاحبه ليذبحه للتوسعة على نفسه وفقراء المحل!!؟ ■ بل لو كانت الواقعة كما صورها الدردير -رجل قصد الزيارة ، فاصطحب معه خروفا ليأكل منه هو ورفقته ويطعم فقراء المكان، من غير تخصيص للضريح ولا هيئة زائدة- لما كان هذا أصلا هو محل كلامي ولا محل إنكاري. فالمطلوب من المعترض قبل الاستدلال بنص الدردير إثبات اتحاد الصورتين في المناط، لا مجرد اشتراكهما في وجود حيوان وذبح ومكان فيه ضريح. أما مع اختلاف الغرض والهيئة والتخصيص، فلا يصح نقل حكم إحداهما إلى الأخرى. وهذه هي المقارنة الفقهية التي كان ينبغي تحريرها قبل وصفي بسوء الفهم والانحراف عن الجادة؛ لأن تحقيق المناط يسبق الحكم، وإثبات اتحاد الصورتين يسبق تخريج إحداهما على الأخرى. √ السادسة والأخيرة: نص الرجراجي الذي نقله المعترض أقرب إلى تقوية المنع √ ومن النصوص التي نقلها المعترض قول الرجراجي فيمن قصد بنذره غير مكة، حيث فرّق بين صورتين: فإن كان قصده الرفق بمساكين تلك البلدة، ذكر في جواز السوق إليهم قولين، ثم قال في الصورة الثانية: “أن يقصد بذلك تعظيم تلك البلدة وتفخيم شأنها، فلا خلاف في منع ذلك؛ لأن ذلك من خصائص مكة، وبذلك وأمثاله شرفها الله تعالى”. وهذا النص مهم في محل النزاع؛ لأنه يكشف أن فقهاء المذهب لم ينظروا إلى مجرد وجود الفقراء والانتفاع بلحم الذبيحة، وإنما اعتبروا تخصيص البقعة وتعظيمها بالسوْق إليها وصفا مؤثرا في الحكم، حتى نقل الرجراجي عدم الخلاف في المنع عند تحقق هذا المعنى. وعندئذ ينبغي أن توضع الواقعة التي نتحدث عنها أمام هذا التفريق الفقهي نفسه: هل البهيمة المميزة بكسوتها، المسوقة في موكب معلوم
المغرب في المرتبة 85 عالميا ضمن تصنيف الدول الرأسمالية
كشف تصنيف دولي حديث عن تموقع المغرب في المرتبة الـ85 عالميا ضمن قائمة الدول الرأسمالية، من…











