“إذا خاصمت فلا تفجر”

هوية بريس – إبراهيم سهيل من أصعب ما يُمتحن به الإنسان أن يختلف مع من كان يوماً قريباً منه، ففي أيام الوفاق يسهل أن يكون المرء كريماً حليماً، أما حين تقع الخصومة فهناك تظهر حقيقة النفس، وتسقط المجاملات، ويظهر ما كان مستوراً تحت غطاء المودة. ولهذا قيل إن الناس في الوفاق سواء، فإذا اختلفوا عُرف النبيل من الخبيث. وقد رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه شُتم فقال لمن شتمه: «يا هذا، لا تُفرط في شتمنا ودَعْ للصُّلح موضعاً، فإنّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه». وما أعظم هذه الكلمة لو دخلت قلوبنا قبل أن تدخل أسماعنا. لم يجعل أبو ذر إساءة الرجل إليه مبرراً لإساءة أخرى، ولم يسمح لغضبه أن يسوقه إلى ما لا يرضي الله، بل جعل بينه وبين خصمه ميزاناً أعلى من الغضب والانتقام: الله. وهنا حقيقة يغفل عنها كثير من الناس: أن أخلاقك لا ينبغي أن تتغير لأن أخلاق غيرك تغيرت. فإذا ظلمك فلا تظلمه، وإذا خانك فلا تخنه، وإذا أساء إليك فلا تجعل إساءته سبباً في أن تخسر دينك وأخلاقك. قد يكون لك حق في الرد، وقد يكون لك حق في البعد، وقد يكون لك حق في أن تقول إنك ظلمت، لكن ليس لك أن تجعل الخصومة باباً لكل ما حُرّم عليك في حال الرضا. فالخصومة لا تبيح الفجور. وما أكثر من يعرفون كيف يكونون أصدقاء ولا يعرفون كيف يكونون خصوماً. تراه ما دام راضياً عنك حافظاً لسرك، ذاكراً فضلك، مستور العيب، فإذا غضب منك قلب الصفحة كلها، وأخرج ما ائتمنته عليه، ونبش الماضي، وعدّد العثرات، وكشف المستور، وكأن السنوات التي عاشها معك لم تكن شيئاً. وهذا ليس من شيم الكبار، فالكبير لا تسمح له خصومته أن ينسى فضل الصحبة، ولا يجعل ساعة غضب تهدم أعواماً من العشرة. إذا خاصمت فلا تفجر. لا تقل كل ما تعرف لمجرد أنك تستطيع قوله، ولا تكشف كل ما ائتمنك عليه من كان يوماً قريباً منك، ولا تجعل أسراره سلاحاً في يد غضبك. فبعض الكلمات إذا خرجت لا تعود، وبعض الأبواب إذا أغلقتها في لحظة غضب قد لا تستطيع فتحها بعد سنوات. اترك للصُّلح موضعاً. هذه ليست دعوة إلى الضعف ولا إلى التنازل عن الحقوق، وإنما هي دعوة إلى أن تبقى إنساناً وأنت غاضب. فلا تحرق الجسر كله لأنك غاضب من شخص اليوم، فقد تهدأ غداً، وقد تتغير القلوب، وقد تعرف من الحقيقة ما لم تكن تعرفه، وقد تحتاج أنت أو يحتاج هو إلى طريق يعود بكما إلى بعضكما. وكم من خصومة ظن أصحابها أنها النهاية ثم مضت الأيام فعادوا إخوة، وكم من كلمة قيلت في ساعة غضب بقيت في القلب سنين، وكم من إنسان ندم بعد أن هدأ لأن لسانه سبق عقله وأحرق ما كان يمكن إصلاحه. العاقل لا ينتصر بأن يهدم كل شيء. العاقل ينتصر بأن يخرج من الخصومة نظيف اليد والقلب. يستطيع أن يقول: لقد ظلمني ولكني لم أظلمه، أساء إلي ولم أخنه، غضبت منه ولم أفضحه، اختلفت معه ولم أكذب عليه. هذا هو الانتصار الذي لا يزول بانتهاء الخصومة، لأنه انتصار على النفس قبل أن يكون انتصاراً على الخصم. ولعل أجمل ما في كلمة أبي ذر: «فإنّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه». لأن الإنسان حين يغضب يرى أمامه خصمه وينسى ربه، أما المؤمن فيرى الاثنين، فيتذكر أن الذي أساء إليه عبد من عباد الله، وأن الله الذي يراه الآن سيراه حين يهدأ غضبه، وحينها لن ينفعه أنه انتصر في الكلام إذا خسر شيئاً من تقواه. قد تكون مظلوماً، لكن لا تتحول إلى ظالم. وقد تكون مجروحاً، لكن لا تجعل جرحك مبرراً لجرح الآخرين. وقد يكون لك حق، لكن خذه بأدب. فليس كل حق يؤخذ بكل طريقة، وليس كل ما تستطيع قوله يليق أن تقوله. إن النبل الحقيقي لا يظهر عندما تحب الناس، بل عندما تختلف معهم. ففي المحبة قد يساعدك القلب على الصفح، أما في الخصومة فالنفس تطلب الانتقام، فإن استطعت أن تمنعها فقد عرفت شيئاً من حقيقة الأخلاق. ولذلك لا تختبر الإنسان في حال رضاه عنك، اختبره حين يغضب منك. هل يحفظ سرك بعد أن تنتهي المودة؟ هل يذكر فضلك بعد أن تختلف معه؟ هل يترك لك باباً للرجوع؟ هل يستطيع أن يقول عنك الحق ولو لم يعد يحبك؟ هناك تعرف معدن الرجال. فالناس جميعاً قد يكونون نبلاء حين تجمعهم المحبة، لكن النبيل حقاً هو من يبقى نبيلاً حين تنقطع المحبة. وإذا كان لا بد من الفراق فليكن فراقاً بلا خيانة، وإذا كان لا بد من الخصام فليكن خصاماً بلا فجور، وإذا كان لا بد من الرحيل فلا تترك خلفك حريقاً. أغلق الباب إن شئت، لكن لا تحرق البيت الذي كان وراءه. لأن الدنيا قصيرة، والقلوب تتغير، والناس يعودون، وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى خصومة قديمة فتتساءل: لماذا قلت كل ذلك؟ ولماذا هدمت كل تلك الجسور؟ وحينها لن ينفعك أنك كنت غاضباً. فاحفظ لسانك حين تغضب، واحفظ سر من كان يوماً قريباً منك، واحفظ ما بينك وبينه من حرمة، ولا تجعل الخلاف يمحو كل جميل مضى. وإذا عجزت عن أن تحبه فلا تظلمه، وإذا لم تستطع أن تصله فلا تقطعه بكل الطرق، وإذا لم تستطع أن تعفو عنه فلا تجعل عفوك عنك عند الله مشروطاً بأن ينتقم لك منه. وتذكر دائماً أن خصمك قد ينسى ما قلت، وقد ينسى ما فعل، وقد تنتهي الخصومة كلها، لكنك أنت ستبقى مع نفسك ومع الله. فلا تخسر نفسك وأنت تحاول أن تنتصر على غيرك. إذا خاصمت فلا تفجر، ودَعْ للصُّلح موضعاً؛ فإن من لا يعرف كيف يختلف بأخلاق، لا يُؤمَن عليه حتى في أيام الوصال. وفي لحظات الوفاق قد يتشابه الناس جميعاً، أما حين تنكسر المودة وتشتد الخصومة فهناك فقط يظهر النبيل من الخبيث. إبراهيم سهيل The post “إذا خاصمت فلا تفجر” appeared first on هوية بريس.
المغرب في المرتبة 85 عالميا ضمن تصنيف الدول الرأسمالية
كشف تصنيف دولي حديث عن تموقع المغرب في المرتبة الـ85 عالميا ضمن قائمة الدول الرأسمالية، من…











