Home الصحافة المغربية حين يصبح تعقّب الريسوني مشروعا مقاصديا

حين يصبح تعقّب الريسوني مشروعا مقاصديا

حين يصبح تعقّب الريسوني مشروعا مقاصديا

هوية بريس – حفيظ ابن أحمد قرأتُ مقال الصادق العثماني الأخير في الرد على الدكتور سي أحمد الريسوني، ولم تكن المشكلة عندي في أن يرد العثماني على الريسوني، فالعلم لا يعرف العصمة، ولا توجد فيه كهانة دينية تمنح أحدا حصانة من النقد، سي أحمد الريسوني يصيب ويخطئ، ومن حق أي باحث أن يناقشه ويرد عليه، شريطة أن تكون الحجة بالحجة والمنهج بالمنهج!! لكن كثرة تعقب الصادق العثماني للريسوني، خصوصا كلما انتقد هذا الأخير وزارة الأوقاف أو تدبير الحقل الديني في المغرب، تجعل السؤال مشروعا، هل نحن أمام مشروع علمي مقاصدي مستقل، أم نحن أمام تخصص أخذ يتشكل عنوانه الدائم، الرد على أحمد الريسوني والدفاع عن وزارة الأوقاف؟؟ وقبل توزيع دروس (المنهج المقصدي) على الناس، من المشروع أيضا أن نسأل سؤالا علميا بسيطا : ما الموقع العلمي للصادق العثماني داخل الدرس المقاصدي المعاصر؟؟ المعروف عنه في الفضاء العام يقدمه أساسا بصفته أمينا عاما لرابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية، وله كتابات ومقالات في قضايا دينية وفكرية !! لكنني إلى حدود ما استطعت الاطلاع عليه، لم أقف على رصيد أكاديمي مقاصدي منشور يبرر التعامل معه باعتباره مرجعية في هذا التخصص تزن أعمال سي أحمد الريسوني بهذه النبرة التقريرية!! فإن كانت للشيخ مؤلفات تأسيسية في نظرية المقاصد، أو أبحاث جامعية محكمة، أو مشروع علمي معروف في أصول الفقه ومقاصد الشريعة لم نقف عليه، فليُدلنا عليه مشكورا، والعلم يُعرف بآثاره لا بالألقاب!! أما سي أحمد الريسوني، فبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، فهو ليس رجلا اكتشف كلمة (المقاصد) في مقال صحفي بالأمس!! بل الرجل صاحب اشتغال امتد لعقود، ومؤلفات معروفة في علم المقاصد، وباحث حاضر في النقاش المقاصدي المعاصر!! وهذا لا يجعله معصوما، ولكنه يجعل نقده في تخصصه محتاجا إلى وزن علمي يوازي موضوع النقد، لا إلى كثرة استعمال مفردات « المصلحة » و« المآلات » و« سد الذرائع » أبجديات المقاصد التي يعرفها المبتدؤون في العلم!! فالمقاصد علم ومنهج، وليست زينة لغوية توضع فوق المواقف الجاهزة!! والأشد إثارة للاستغراب في مقال العثماني أنه يطالب الريسوني بالدليل على قوله بوجود تضييق على الخطباء، فيسأل «من مُنع؟؟ ومتى؟؟ وبأي قرار؟؟»!! وكأن الرجل ليس هنا!! ذاكرة الحقل الديني المغربي تعرف حالات متعددة لخطباء وأئمة تعرضوا للتوقيف أو الإعفاء، وجرى تداول بعضها في الصحافة والنقاش العمومي، ووصل بعضها إلى أسئلة داخل المؤسسة البرلمانية !! وكأن سي الريسوني يتحدث عن كائنات أسطورية لا وجود لها!! ثم إنني توقفت عند مفارقة منهجية أشد وضوحا!! العثماني ينتقد الريسوني لأنه انتقل من مسألة فقهية جزئية متعلقة بصلاة الكسوف إلى نقد أوسع لوزارة الأوقاف وسياسات الحقل الديني، ويرى في ذلك انتقالا غير منهجي!! حسنا!! لكن لماذا انتقل العثماني نفسه، وهو يناقش صلاة الكسوف، إلى رئاسة الريسوني السابقة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، و(الخلفية الإخوانية) ثم إلى احتمال وجود (صراع فكري وسياسي قديم) بينه وبين النموذج الديني الرسمي؟؟ ما علاقة تحرير الحكم المالكي في صلاة الكسوف بالسيرة التنظيمية والسياسية لأحمد الريسوني؟؟ إذا كان الانتقال من الكسوف إلى سياسة الوزارة توسعا مذموما عند الريسوني، فالانتقال من الكسوف إلى التاريخ السياسي للريسوني ماذا نسميه؟؟ لا يجوز أن يكون الاستطراد (تسييسا) عندما يقوم به الخصم، ثم يصبح (تحليلا منهجيا) عندما نقوم به نحن؟؟!!! والأخطر من ذلك أن العثماني يفتح باب البحث في الدوافع حين يتساءل هل نقد الريسوني للوزارة نقد علمي مستقل أم امتداد لصراع قديم!! وأنا لا أحب محاكمة النيات، ولذلك لن أقول إن دفاع العثماني المتكرر عن وزارة الأوقاف تحركه دوافع معينة لا أملك دليلا عليها!! لكنني سأستعمل فقط منهجه هو وأسأله، إذا كان تكرار نقد الريسوني للوزارة يسمح لك بالسؤال عن وجود (خصومة) أفلا يسمح تكرار دفاعك عن الوزارة وتعقبك للريسوني بأن يسأل القارئ عن طبيعة هذا الاصطفاف؟؟ لماذا تصبح كثرة النقد قرينة على الخصومة، بينما لا تصبح كثرة الدفاع قرينة تستحق السؤال؟؟ الميزان العلمي إما أن يعمل في الاتجاهين، وإما أن نتركه!! أما الحديث عن ضرورة إبعاد السياسة عن المسجد، فلا خلاف عندي في أن المسجد ليس مقرا حزبيا، ولا ينبغي أن يتحول الخطيب إلى مسؤول دعاية لهذا الحزب أو ذاك!! لكن المشكلة التي لم يجب عنها المقال هي: أين تبدأ السياسة وأين تنتهي؟؟ هل الحديث عن الفساد سياسة؟؟ هل الحديث عن الظلم الاجتماعي سياسة؟؟ هل الحديث عن غلاء الأسعار واحتكار الثروة سياسة؟؟ هل الحديث عن فلصطين سياسة؟؟ هل انتقاد ظاهرة اجتماعية تحميها أو تسمح بها سياسات عمومية يُعد عملا حزبيا؟؟ لماذا الوزارة من حقها تسييس الدين في كثير من خطبها لتمرر بعض الأشياء، وترفض تديين السياسة من طرف خطباء علماء أصلاء؟؟ إذا أصبح كل شأن عام (سياسة) وكل سياسة ممنوعة على المنبر، فما الذي بقي للعالم من وظيفة الشهادة على المجتمع غير الحديث في أحكام الطهارة والصلاة والصيام؟؟ وهنا بالضبط كان يمكن للمقال أن يقدم لنا نقاشا مقاصديا حقيقيا حول حدود استقلال العالم، ووظيفة المسجد، ومصلحة المجتمع، ومآلات تحويل الخطاب الديني إلى خطاب إداري مضبوط من الأعلى!! لكنه اختار الطريق الأسهل وهو تفسير نقد الريسوني باعتباره ميلا إلى تحويل المنبر إلى فضاء سياسي، ثم استدعاء تاريخه الفكري والتنظيمي!! وأما قول العثماني إن المغرب لا يحتاج إلى (إعادة إنتاج معارك الإسلام السياسي تحت عناوين فقهية) فهو حكم كبير يحتاج هو الآخر إلى برهان ودليل كبيرين!! فليس كل نقد لوزارة الأوقاف (إسلاما سياسيا) وليس كل دفاع عن استقلال العلماء تحزبا، وليس كل اختلاف مع التدبير الرسمي للحقل الديني مشروعا للاستيلاء على المسجد، وإلا تحولت عبارة (الإسلام السياسي) نفسها إلى تهمة جاهزة نستدعيها عندما تعجز الحجة الفقهية عن إنهاء النقاش!! سي أحمد الريسوني ليس فوق النقد، ولا أكتب دفاعا عن شخصه، ولا أعتقد أن الرجل يحتاج أصلا إلى شهادة مني أو من الصادق العثماني في موقعه داخل الدراسات المقاصدية!! ولكن من أراد مناقشته في المجال الذي أمضى فيه عقودا من البحث، فليدخل إليه من باب العلم، يفكك أصوله، ويناقش تعريفاته، ويعارض استدلالاته، ويكشف خلل تنزيلاته، ويقدم بديلا مقصديا أقوى!! أما أن يتحول الأمر، مرة بعد مرة، إلى الدفاع عن وزارة الأوقاف، ثم البحث في خلفية الريسوني وخصوماته المفترضة، ثم يُعنون كل ذلك بالمقاصد، فهنا يصبح السؤال عن طبيعة المشروع نفسه مشروعا ومحيرا!! الصادق العثماني له الحق في نقد الريسوني، كما لغيره!! ولكن كثرة الرد على عالم لا تجعل من الراد ندا له في تخصصه، كما أن كثرة كتابة كلمة (المقاصد) لا تصنع مشروعا مقاصديا!! المكانة العلمية لا يمنحها عنوان صحفي، ولا صفة تنظيمية، ولا كثرة الظهور في سجال مع اسم كبير!! المكانة يصنعها التراكم العلمي، والكتب، والبحوث، والتأصيل، والإضافة التي تبقى بعدما تنتهي المعركة الصحفية!! فدعونا من قياس الأشخاص بالألقاب، ولنسأل السؤال الذي لا يجامل أحدا ماذا أضاف كل واحد منهما إلى علم المقاصد الذي أصبح مطية سهلة لكل ناعق في هذا المجال لتبرير أو تفويت الوهم؟؟ عندها فقط ستتكلم المؤلفات، ويسكت اللغط، وأحمد الريسوني، مهما يكن، لا يحتاج إلى شهادة مني ولا من خصومه بأنه من كبار أعلام المقاصد المعاصرين، فآثاره العلمية سبقت خصومه إلى التعريف به، وستبقى كتبه على الرفوف حين تُنسى معظم الردود التي كُتبت عليه!! The post حين يصبح تعقّب الريسوني مشروعا مقاصديا appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

19 − 15 =

Check Also

تستيقظ صباحاً بحثاً عن الماء؟.. علامة قد ترتبط بسكر الدم

هوية بريس – وكالات قد تبدأ يومك بمدّ يدك إلى كوب الماء قبل مغادرة السرير، بحثاً عن الراحة …