حرية المنبر وإشكالية “الخطبة الموحدة”: قراءة في الهجوم على “العلماء الأحرار”

حرية المنبر وإشكالية “الخطبة الموحدة”: قراءة في الهجوم على “العلماء الأحرار” هوية بريس – احمد قابلي تحولت منصات التواصل الاجتماعي في المغرب، وعلى رأسها “فيسبوك”، إلى ساحة مفتوحة للسجال الفكري والديني، تعكس في عمقها تدافعاً بين رؤيتين: رؤية تميل إلى “مأسسة” و”نمطية” الخطاب الديني، ورؤية تدافع عن رحابة الفكر الإسلامي واستقلالية العالِم. وفي هذا السياق، برزت مؤخراً تدوينات وكتابات للسيد الصادق عثماني، يشن فيها هجوماً على من يُوصفون بـ”العلماء الأحرار” في المغرب، مسخراً قلمه للدفاع المستميت عن الأطروحة الدينية الرسمية، ومبرراً خطواتها الأخيرة، لا سيما قرار “توحيد خطبة الجمعة”. إن القراءة المتأنية لما يكتبه السيد عثماني تكشف عن محاولة لاحتكار “الشرعية الدينية” وحصرها في المؤسسة الرسمية، وتصوير كل صوت فقهي أو دعوي مستقل على أنه خروج عن الإجماع أو تهديد لما يُعرف بـ”الأمن الروحي”. غير أن هذه المقاربة الإقصائية تتجاهل حقيقة تاريخية ومجتمعية راسخة وهي: إن قوة النموذج الديني المغربي عبر التاريخ لم تُبنَ يوماً على “الصوت الواحد”، بل على التعددية المنضبطة بثوابت الأمة، وعلى وجود علماء شكلوا دائماً جسراً حياً بين هموم الناس ونصوص الشرع. تُعد قضية “توحيد خطبة الجمعة” النقطة الأكثر إثارة للجدل في هذا السجال. يرى المدافعون عن هذا التوجه، ومنهم السيد عثماني، أن هذه الخطوة ضرورية لضبط المنابر ومنع استغلالها سياسياً أو أيديولوجياً. ولكن، في المقابل، يرى طيف واسع من المتابعين والعلماء المستقلين أن هذا القرار أفرغ خطبة الجمعة من روحها، وحوّل الإمام من “عالِم ومُوجِّه” يتفاعل مع النبض المجتمعي لحيّه أو قريته، إلى مجرد “قارئ” لنص إداري جاهز. إن الخطبة الموحدة، التي تُكتب في المكاتب المركزية وتُعمم على آلاف المساجد، غالباً ما تأتي منفصلة عن الواقع المحلي. فكيف يعقل أن تُلقى نفس الخطبة في قرية تعاني من الجفاف وانقطاع سبل العيش، وفي مدينة كبرى تعاني من آفات اجتماعية مختلفة؟ إن هذا التوحيد القسري، الذي يدافع عنه عثماني بشراسة، يسلب المسجد وظيفته الاجتماعية والتوجيهية، ويجعله عاجزاً عن تقديم إجابات حقيقية لأسئلة المواطنين اليومية. إن الهجوم المستمر على “العلماء الأحرار” وشيطنتهم في الفضاء الأزرق، هو في جوهره تضييق على حرية التفكير والاجتهاد. هؤلاء العلماء، الذين يمتلكون استقلالية مالية وفكرية عن المؤسسة الرسمية، لا يشكلون خطراً على الدولة، بل هم صمام أمان للمجتمع. إنهم يوفرون بديلاً رصيناً ومعتدلاً للشباب الباحث عن خطاب ديني يقنع العقل ويلامس الواقع، بعيداً عن لغة الخشب الإدارية من جهة، وبعيداً عن تيارات الغلو والتطرف الوافدة من جهة أخرى. إن الاختلاف مع بعض توجهات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ليس “مروقاً” ولا “فتنة”، بل هو من صميم النصيحة والغيرة على الشأن الديني في البلاد. ومحاولة تصوير كل نقد بناء للسياسات الدينية على أنه استهداف للدولة، كما تروج لذلك بعض الكتابات، هو تبسيط مخل وتسطيح لنقاش عميق يجب أن يُدار في قاعات الجامعات والمجالس العلمية، لا عبر التراشق في منشورات الفيسبوك. خلاصة القول إن تحقيق “الأمن الروحي” للمغاربة لا يتم عبر “تأميم” الكلمة وإسكات الأصوات المستقلة، ولا من خلال تحويل الخطباء إلى موظفين يقرؤون نصوصاً معلبة لا روح فيها. الأمن الروحي الحقيقي يُبنى بالثقة، وبإفساح المجال لعالِم الدين لكي يمارس دوره التربوي والتوجيهي بحرية ومسؤولية. على الكتاب والفاعلين، بمن فيهم السيد الصادق عثماني، أن يدركوا أن الدفاع عن المؤسسات الرسمية لا يقتضي بالضرورة تدمير ومهاجمة الكفاءات العلمية الحرة في البلاد. فالمغرب يسع الجميع، ومؤسساته الدينية أقوى من أن تحتاج إلى سياسة تكميم الأفواه أو مصادرة حق العلماء في الاجتهاد والنصح والتوجيه. The post حرية المنبر وإشكالية “الخطبة الموحدة”: قراءة في الهجوم على “العلماء الأحرار” appeared first on هوية بريس.
تستيقظ صباحاً بحثاً عن الماء؟.. علامة قد ترتبط بسكر الدم
هوية بريس – وكالات قد تبدأ يومك بمدّ يدك إلى كوب الماء قبل مغادرة السرير، بحثاً عن الراحة …











