ثورة الملك والشعب

ثورة الوفاء للبيعة الشرعية يخلد المغرب، في هذا اليوم، 20 غشت، الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، وهي ذكرى إعلان الشعب المغربي ثورته المجيدة على المستعمر الفرنسي، إثر إقدامه على نفي ملكه الشرعي، السلطان سيدي محمد بن يوسف، في 20 غشت 1953. وهذه الثورة المجيدة، ومنذ أن أطلق عليها جلالة الملك محمد الخامس إسم «ثورة الملك والشعب»، بمناسبة تخليد ذكراها الثالثة، بتاريخ الاثنين 12 محرم عام 1376هـ، الموافق 20 غشت 1956م، حين قال جلالته: «وها نحن نستقبل هذه الذكرى التي أطلقنا عليها اسم: ثورة الملك والشعب، والتي تقرر إحياؤها كل سنة»، تستحق من الأمة المغربية كل الاهتمام والاعتزاز؛ لترسيخ دلالاتها وأبعادها التاريخية والحضارية والدينية والوطنية في العقل الجمعي للمغاربة، باعتبارها عنوانًا لتشبث الأمة المغربية بالعرش العلوي المجيد، وبالبيعة الشرعية بإمارة المؤمنين، من منطلق ديني إيماني ووطني صادق. فما السياق التاريخي المباشر لهذه الثورة؟ وما أهم وقائعها؟ بعد الرحلة الملكية التاريخية للسلطان سيدي محمد بن يوسف إلى طنجة في أبريل 1947، وما خلّفته من ردود فعل تسلطية لسلطات الحماية الفرنسية، تمثلت في تكثيف حملة التضييق على السلطان، لم يقف جلالته مكتوف اليدين، بل ظل يبتكر مساحات للمناورة السياسية، مع تمسكه بالصمود في وجه قرارات الحماية الجائرة في حقه وفي حق المغاربة. فاستغل سفره إلى باريس سنة 1950 ليعلن من قلب فرنسا ضرورة إلغاء الحماية الفرنسية، ورفضه المطلق لأطروحة إلحاق المغرب بالاتحاد الفرنسي. ذلك أن القضية، كما أكد جلالته، «لم تعد قضية إصلاحات جزئية أو تعديلات سطحية لجهاز الإدارة، بل قضية شعب يريد استرجاع سيادته، ويطالب بتحويلات جذرية وعميقة تتماشى مع الظروف الراهنة. ولم يعد هناك مجال للمماطلة. فلقد بات من الواجب إعلان اتفاق على أساس المستقبل وعلى الهدف النهائي مع المحافظة على مصالح الجميع » . فكانت ردود الفعل التي عبّرت عنها الحكومة الفرنسية، بعد فشلها في محاولة شق صف الوطنيين، هي توجهها نحو مشروع تأليب الإقطاعيين والمرتزقة من القياد والباشوات على السلطان. وهو المشروع الذي تولاه الجنرال ألفونس جوان (Alphonse Juin) ، إلى أن وصل الأمر إلى تدبير مؤامرة نفي السلطان الشرعي وتنصيب دمية مكانه. وهي المؤامرة الكبرى التي تولاها الجنرال أوغستان كيوم (Augustin Guillaume) بمعية حفنة من الخونة والعملاء من القواد والباشوات وشيوخ الطرقية. أكد جلالة السلطان محمد بن يوسف قوة إيمانه بحق أمته في الحرية والاستقلال، وكان مقدّرًا للأمانة التي أودعها الشعب في عنقه. فلم يرضخ ولم يستسلم ولم يتنازل عن العرش، بالرغم من كل التهديدات والضغوط والإغراءات، بل فضّل المنفى على التفريط في حق شعبه في الحرية والاستقلال. خاطبه الجنرال كيوم بعدما طوّق القصر الملكي بالآليات العسكرية من دبابات وسيارات مصفحة ورشاشات…، خاطبه قائلًا: «إن الحكومة الفرنسية، لدواعي الأمن، تطلب منكم التنازل عن العرش، فإذا قبلتم ذلك عن طيبة خاطر، استطعتم أنتم وأسرتكم أن تقيموا في فرنسا، أحرارًا معززين مكرمين»، فأجاب السلطان سيدي محمد، كما يحكي ذلك الملك الحسن الثاني، قائلًا: «ما من شيء في أعمالي وأقوالي يبرر أن أتخلى عن أمانة أضطلع بأعبائها بصفة مشروعة، وإذا كانت الحكومة الفرنسية تعتبر أن الدفاع عن الحرية والشعب بمثابة جريمة يعاقب عليها، فإني أعتبرها فضيلة يفاخر بها وتورث صاحبها المجد». ثم أضاف الجنرال كيوم: «إذا لم تتنازلوا حالًا عن العرش بالرضى، فإني مكلف بإبعادكم عن البلاد صيانة للأمن». وأجابه الملك قائلًا: «إني ملك المغرب الشرعي، ولن أخون أبدًا الأمانة التي ائتمنني عليها شعبي الوفي المخلص، إن فرنسا قوية فلتفعل ما تشاء». وفعلاً، كان ذلك الذي حدث، حيث تم الخلع والنفي، كما هو معلوم، إلى جزيرة كورسيكا في 20 غشت 1953، ثم إلى جزيرة مدغشقر في 25 يناير 1954 . وكان تنفيذ مؤامرة خلع السلطان قد بدأ قبل ذلك بأيام، بـ«اجتماع أتباع الكلاوي بمراكش وتعيين محمد بن عرفة “إمامًا” بقصد تجريد محمد بن يوسف من سلطاته الدينية بتاريخ 14-15 غشت 1953». لتُقدم بعد ذلك بأيام قليلة الإقامة العامة على خلع السلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف، وإعلان محمد بن عرفة سلطانًا بديلًا، ودخوله إلى الرباط في 21-22 غشت. وهكذا، اعتقدت سلطات الحماية أنها تخلصت من السلطان الوطني سيدي محمد بن يوسف، وأنها أعادت عقارب التاريخ إلى الوراء لتحكم من جديد قبضتها الاستعمارية على المغرب. لكنها، بتنفيذها مؤامرة نفي السلطان الشرعي وأسرته الكريمة، قد أجّجت نار المقاومة الوطنية بشكل غير مسبوق في المدن والبوادي، التي دخلت مرحلة جديدة من الكفاح المسلح والعمل الفدائي، الذي عُرف في تاريخ المغرب المعاصر بثورة الملك والشعب. وازدادت شعبية السلطان الشرعي، بل صعدت من الأرض إلى سطح القمر . ولم يتوقف نضال سيدي محمد بن يوسف رغم النفي. فقد وجه جلالته نداءً إلى شعبه الوفي من المنفى بتاريخ 26 نونبر 1953، جاء فيه: «شعبنا الوفي، لقد شهدت أرض الوطن خلال الأشهر الأخيرة أيامًا رهيبة وأهوالًا عاصفة، سالت فيها دماء الأبرياء، وامتلأت المعتقلات والسجون بالمواطنين، وعاث الضالون المضلون في الأرض فسادًا. وقد برهنت، أيها الشعب الوفي، خلال هذه الفترة العصيبة التي يجتازها وطننا العزيز، على إخلاصك وثباتك وثقتك بشخصنا وتمسكك بحقك المقدس في الحرية والسيادة والاستقلال. لقد كنا، قبل أن يطوّح بنا الطغيان إلى هذه الجزيرة النائية التي تفصلها عن أرض الوطن العزيز أقطار وبحار، كنا ساهرين على مصلحتك، ثابتين في الدفاع عن سيادة البلاد ومطامحك المشروعة، رائدنا في ذلك كله الصالح العام وإسعاد الوطن العزيز ورفاهيته، وقد رفضنا برنامج الإصلاحات التي عُرضت علينا، تلك الإصلاحات التي ترمي في جوهرها ولفظها إلى إعدام السيادة المغربية وتركيز السياسة القائمة داخل نطاق معاهدة الحماية، التي طالبنا بإلغائها في رحلتنا التي قمنا بها إلى باريس عام 1950 في مذكرتين. أيها الشعب الوفي، إننا نهيب بك أن تواصل الكفاح، وتضاعف المجهود، وتتمسك بحبل الله المتين في سبيل تحقيق ما تصبو إليه من عزة وكرامة وحرية، فإن ذلك وحده يخفف عنا آلام البعد عن الوطن ووحشة الغربة في هذه الجزيرة المنعزلة التي تحول بيننا وبين مشاركتك شرف الجهاد في سبيل تحرير البلاد» . وبالفعل، فقد سطّر المغاربة في هذه الظرفية الجديدة ملحمة استثنائية من البطولة والتضحية في سبيل الله ووفاءً للعرش والوطن، فأعلنوها ثورة مسلحة شاملة ضد سلطات الحماية ورموزها وأذيالها وممتلكاتها. وهكذا، تعرض التهامي الكلاوي، زعيم التيار الاستعماري في إدارة الحماية، لمحاولة اغتيال بمراكش، كما استهدف المجاهد علال بن عبد الله الدمية الاستعمارية محمد بن عرفة، في مشهد بطولي بساحة المشور السعيد في موكبه الاستعماري لأداء صلاة الجمعة يوم 11 شتنبر 1953، واستشهد الزعيم محمد الزرقطوني في سبيل كتم أسرار المقاومة الوطنية بالدار البيضاء. وتوالت العمليات الفدائية المسلحة بوتيرة منتظمة، تخللتها بعض العمليات المثيرة، مثل الهجوم على القطار الرابط بين الدار البيضاء والجزائر يوم 7 نونبر 1953، وتفجير قنبلة في السوق المركزي بالدار البيضاء بتاريخ 24 دجنبر 1953، وتفجير قنبلة أخرى بحي مرس السلطان بالدار البيضاء. وقام بهذه العمليات عمال وحرفيون ومستخدمون صغار ومناضلون قدماء في الأحزاب السياسية وفي الاتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب. وكان للنساء المغربيات دور مهم في المقاومة المسلحة في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ المغرب. وشكّل تأسيس جيش التحرير سنة 1955 تتويجًا لإصرار المغاربة على المقاومة المسلحة في سبيل استرجاع كرامتهم وسيادتهم وسلطانهم واستقلال بلادهم. وتحت ضغط هذه الأحداث، تحركت الدبلوماسية الفرنسية للبحث عن حل سريع للقضية المغربية ، وهو الأمر الذي تُوّج بعودة السلطان محمد الخامس إلى عرشه ووطنه، وانتهاء عهد الحجر والحماية، وإعلان الاستقلال عبر مفاوضات إكس ليبان. وهكذا، خيّب السلطان سيدي محمد بن يوسف آمال تجار المستعمرات والعملاء والانتهازيين، وعبر عن وفائه لأرواح الشهداء وكافة الشعب الوفي. فأكد بصموده وحسن تدبيره لسنوات المحن تخليد اسمه في التاريخ، لكونه الملك الوحيد والنموذجي الذي، بعدما أُبعد عن عرشه لمدة سبعة وعشرين شهرًا، سيعود إلى عرشه ووطنه وشعبه بالصورة المبجلة نفسها التي كان يحتلها في قلوب المغاربة إبان حكمه. فلم تزده محنة النفي إلا إصرارًا على تشبثه بعرشه، وتفانيه في الارتباط بوطنه المغرب، فظل جسده في مدغشقر وقلبه ووجدانه في المغرب، إلى أن دقت ساعة الحقيقة بعودة جلالته المظفرة، مكللًا بتاج النصر من الشعب الوفي، الذي تعلق بسلطانه وضحّى من أجله ومن أجل وطنه تضحيات لا تقدّر بثمن. فدشّنت عودته عهدًا جديدًا للمغرب، عهد البناء والتنمية. وقبيل عودته، وجه جلالته من باريس نداءً إلى الشعب المغربي يوم 7 نونبر 1955، عبّر فيه عن شكره لشعبه الوفي النبيل على الوفاء والتضحية في سبيل الاستقلال، موجّهًا نظره إلى بناء المستقبل بشكل مشترك، على أساس قاعدة الالتحام بين العرش والشعب. يقول جلالته: «شعبنا الوفي النبيل، أوجه لك هذا النداء لأعبّر لك عما يخالجنا من فرح عظيم بمناسبة رجوعنا لوطننا، بعد ما قضينا أكثر من عامين في المنفى. وقد كنا وإياك في المحنة سواء طوال هذه الغربة. نشاطرك آلامك ونقاسمك آمالك. وكانت الروابط التي تجمعنا بك متينة، فلا الأيام ولا بُعد المسافات استطاعت أن تنال من ذلك الاتحاد الروحي الذي كان عونًا لنا على تحمل الآلام والحنين إلى الأوطان، والذي جعلنا لم نيأس قط من حسن العاقبة والمصير. واستخلصنا عبرة جمة نسير على ضوئها في عملنا في الحاضر والمستقبل». ثم أضاف جلالته: «وسنعود إليك أيها الشعب النبيل، إن شاء الله، ونحن على ما تعهد منا من إيمان قوي وثبات على المبدأ وسهر على مصالح الأمة وعمل على ما فيه خيرها وسعادتها». داعيًا الشعب المغربي إلى مواصلة التأييد والالتفاف حول جلالته، قائلًا: «ولنا في تأييدك والتفافك حولنا، وفي الوعي القومي الذي عمّ سائر طبقات الشعب بالحواضر والبوادي، أعظم مشجع لمتابعة المهمة المقدسة ملقاة على عاتقنا جميعًا، للوصول إلى الغاية المنشودة، ألا وهي عهد جديد نتعاون على بناء صرحه وفق مطامحك التي ما فتئنا نذود عنها ونسعى في تحقيقه» وكان رجوع جلالته إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، في جو حماسي وطني يغمر البلاد في كافة أرجائها، أعظم دليل على أن إرادة الشعب لا تُقهر، وأن المكان الطبيعي للملك المؤمن محمد الخامس هو قلوب الجماهير الشعبية وعرشه المقدس… رجع الملك الشرعي من المنفى إلى وطنه وشعبه، ظافرًا منتصرًا، معززًا مكرمًا، حاملاً معه إلى أمته مشعل الحرية والاستقلال، ومحققًا لبلده نعمة الكرامة والاستقرار، وهو يلهج مع شعبه بحمد الله وشكره، قائلًا رحمه الله: »أيها الشعب العزيز: وعدتَ بالإخلاص ووفيتَ أحسن الوفاء، وكنتَ من الصابرين، فكان لك ما وعد الله به؛ (إنما يوفّى الصابرون أجورهم بغير حساب). أيها الشعب العزيز… قد أخلصت الوفاء كما أخلصتُ، وأديت الواجب أحسن أداء كما أديتُ، حب البلاد رائدنا وخدمتها غايتنا. (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) » -أستاذ التعليم العالي للتاريخ والحضارة – مؤسسة دار الحديث الحسنية الرباط The post ثورة الملك والشعب appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
“الوطني لا تهمه قضايا الأمة”.. د.بنكيران: مغالطة لن تنطلي على الوطنيين المغاربة
هوية بريس – متابعة كتب الدكتور رشيد بنكيران “يروّج بعض الناس مغالطة مكشوفة، تقوم على فرض م…











