خطة “الزّهُـو” VS خطة تسديد التبليغ

خطة “الزّهُـو” VS خطة تسديد التبليغ هوية بريس – عابد عبد المنعم في الوقت الذي تكشف فيه الأرقام الرسمية عن تصدعات عميقة داخل مؤسسة الأسرة المغربية، وتدق فيه المؤسسات الدستورية ناقوس الخطر بشأن تراجع مؤشرات التماسك الأسري وارتفاع نسب الطلاق والعزوف عن الزواج، يبدو أن جزء من المشهد الثقافي والفني يسير في اتجاه تعميق الأزمة، ليس فقط بعدم الإسهام في ترميم البناء الاجتماعي، وإنما بالمشاركة في هدمه رمزيا وأخلاقيا، تحت لافتة الترفيه والفن والزهو و”النشاط لي شاط”! ثلاثة مشاهد متتالية خلال يومين فقط اختزلت هذا الانحدار. المشهد الأول، الفنانة كريمة غيث وهي تردد أمام جمهور واسع عبارة “اللهم الزّْهو لزوج القهرة”، في خطاب اعتبره كثيرون تحريضا واضحا وخطيرا على انتهاك حدود الدين الإسلامي وفصول القانون الجنائي، في وقت يعيش فيه المغرب أزمة أسرية حقيقية تؤكدها تقارير المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي تتحدث عن تحولات مقلقة في بنية الأسرة المغربية. قد يقال إن الأمر مجرد أغنية ونشاط عابر، وإن الفن لا يؤخذ بحرفيته. لكن حين يتحول الفضاء العمومي، الممول من المال العام أو المنظم تحت الرعاية الرسمية، إلى منصة لتطبيع خطاب يستخف بالزواج ويقدمه باعتباره “قهرة”، فإن الأمر يتجاوز حدود المزاح الفني إلى صناعة وعي جماعي جديد، يسخر من القيم المؤسسة للمجتمع. أما المشهد الثاني، فكان أكثر صدمة؛ فها هو قائد إحدى فرق “الشيخات” أمام جمهور غفير، يعتلي أربع نساء وهن مستلقيات على أيديهن وأرجلهن يحملنه فوق ظهورهن وهو يعزف على الكمان، الصورة لا تحتاج إلى كثير من التحليل. إنها صورة تختزل التشييء والابتذال، وتختصر كيف يمكن أن يتحول الإنسان إلى مجرد أداة للاستعراض، في مشهد يفتقد إلى الحد الأدنى من الذوق والاحترام والكرامة الإنسانية، ويكشف بجلاء النفاق المجتمعي لبعض دعاة حماية المرأة والدفاع عن حقوقها. أما المشهد الثالث، فقد جاء من أحد مهرجانات الشواطئ، حين خاطب الكوميدي حمزة الفيلالي الجمهور قائلا: “واش عرفتوا شكون جا؟”، فجاءه الجواب الجماعي بعبارة سوقية مسيئة منحطة لا يليق المقام بذكرها، قبل أن تعيد المؤثرة المثيرة للجدل بشرى الضو السؤال نفسه، كأنها لم تستمع على إجابات الجمهور السابقة، لتتلقى الجواب ذاته وسط الضحك والقهقهات والتمايل ذات اليمين والشمال. أي خطاب يصنعه هذا القرف وأي قيم ينقلها؟ وأي ذوق عام يراد ترسيخه؟ وأي لغة يجري تعميمها بين الأطفال والشباب والعائلات التي تحضر هذه السهرات؟ إنها ليست مجرد زلات فردية، بل مؤشرات على أزمة أعمق، عنوانها التطبيع مع التفاهة والسفاهة، وغياب البوصلة القيمية في جزء من السياسات الثقافية والترفيهية. وفي خضم هذا الجدل، ساءل الناشط المدني والسياسي الأستاذ عزيز الهناوي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية احمد التوفيق، من خلال تدوينة ساخرة حملت عنوان “تسديد الزهو”: إذا كان خطاب “الزهو” أصبح هو الرسالة الجديدة التي تتبناها المهرجانات المنظمة تحت الرعاية الرسمية، فمتى ستخصص خطبة جمعة للدعوة إلى مغادرة “زواج القهرة” نحو “فضاء الزهو”؟ قد تبدو السخرية قاسية، لكنها تعكس سؤالا حقيقيا: أين المؤسسات المكلفة بالتأطير القيمي والديني والتربوي مما يجري في الفضاء العمومي؟ لقد ظلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لعقود، تقدم نفسها باعتبارها المؤسسة المكلفة بحماية الثوابت الدينية للمملكة، وترسيخ قيم الوسطية، وصيانة الأخلاق العامة، من خلال خطب الجمعة وبرامج التأطير والإرشاد. غير أن الواقع يكشف اتساع الهوة بين هذا الخطاب وبين التحولات التي يشهدها المجتمع، إذ تبدو خطبها ومحاضراتها وأنشطتها بعيدة عن معالجة كثير من القضايا التي تشغل الرأي العام وتمس منظومة القيم بشكل مباشر. فلم يعد منبر الجمعة ولا دروس المساجد يتناولان، بالقدر الذي ينتظره كثير من المواطنين، مخاطر التبرج والعري، وآثار الزنا على الفرد والأسرة والمجتمع، وأضرار تعاطي الخمور والمخدرات، وخطر القمار، ولا التحديات الجديدة التي تفرضها مواقع الإباحية، أو تنامي الخطابات التي تثير الشكوك العقدية وتروج للإلحاد واللاأدرية بين فئات من الشباب. فأي رسالة تتلقاها الأجيال الجديدة حين ترى الزواج موضوعا للسخرية، والحياء مادة للاستهزاء، والتفاهة والانحدار الأخلاقي عنوانا للفرجة؟ وأي أثر يمكن أن يحدثه الخطاب الوعظي إذا ظل منفصلا عن الوقائع اليومية التي تصوغ وعي الناس وتؤثر في سلوكهم؟ في الختام، فبين خطة تسديد التبليغ وخطة الزهو، تتجلى مفارقة صارخة بين خطاب يدعو إلى القيم، وآخر يطبع مع الابتذال. ولا يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على تماسكه ما لم تكن مؤسساته منسجمة في حماية ثوابته وأخلاقه. The post خطة “الزّهُـو” VS خطة تسديد التبليغ appeared first on هوية بريس.
“الوطني لا تهمه قضايا الأمة”.. د.بنكيران: مغالطة لن تنطلي على الوطنيين المغاربة
هوية بريس – متابعة كتب الدكتور رشيد بنكيران “يروّج بعض الناس مغالطة مكشوفة، تقوم على فرض م…











