حين يتحول الوصف التاريخي إلى حكم شرعي.. نقد علمي لمحاضرة عزيز الكبيطي

هوية بريس – د.عادل خرزون الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء:59). تضمنت محاضرة د.عزيز الكبيطي عن التصوف دعاوى تاريخية وعقدية تستحق التحرير، أبرزها: دور التصوف في نشر الإسلام، الاستدلال بالباحثين الغربيين، تشبيه الإسلام بالماء والإناء، مفهوم “دين الحب”، ونسبة التصوف إلى السلف الصالح كافة. والغرض ليس إنكار إسهامات بعض المتصوفة التاريخية، بل مناقشة جعل التصوف الطرقي ممثلًا للإسلام أو معيارًا لصحة الاعتقاد؛ فالميزان عند التنازع هو الكتاب والسنة وفهم السلف. أولًا: “التصوف جسر عبور الإسلام” يقول الكبيطي حرفيًا: «التصوف كان جسرًا لعبور الإسلام، ليس فقط إلى إندونيسيا والمغرب، وإنما إلى كل بلدان العالم»، مستشهدًا بالمولى إدريس وبـ”أولياء التسعة” في إندونيسيا. لكن إثبات إسهام بعض المنتسبين للتصوف في الدعوة لا يثبت أن التصوف هو الجسر الوحيد، ولا يجعله معيارًا لصحة المنهج؛ فالتاريخ يصف ما وقع، والشرع يحكم على ما وقع. {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125). ثانيًا: الاستدلال بالباحثين الغربيين يستشهد الكبيطي بباحثة أمريكية، وباحث وصفه بأول من درس التصوف في أوروبا، وباحثة ألمانية “حازت جائزة من حكومة باكستان” (يُرجَّح أنها آن ماري شيمل)، وبـ”دانيال براين”. والأخطر أنه يستدل بدراسة نسبها إلى “جامعة ييل” مفادها أن ثلثي العالم الإسلامي دخله الإسلام عبر التصوف. وقد بحثنا عن هذه الدراسة في الأدبيات المتاحة فلم نجد لها أثرًا، فيبقى هذا الرقم دعوى غير موثّقة يقع عبء إثباتها على من استدل بها. وبصرف النظر عن التوثيق، فالإشكال المنهجي الأصل قائم: قول الباحث حجة في وصف الظاهرة التاريخية، لا في صحة العقيدة والعبادة؛ فالانتقال من مجال إلى آخر لا يصح إلا بدليل مستقل. {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. ثالثًا: الإسلام كالماء والإناء نص الكبيطي الحرفي أدق من الصياغة المختصرة المتداولة: «الإسلام إذا ما وُضع بحقيقته وشريعته في أي إناء جغرافي، فإنه يتخذ شكل الإناء ولا يكون خارجًا عن ذلك الشكل»، في معرض مقارنته بالفكر “الإقصائي” لدى بعض الجماعات. وتصريحه بأن “الحقيقة والشريعة” أنفسهما هما ما يتشكل بحسب البيئة ـ لا مجرد العادات والوسائل ـ يرفع درجة الإشكال العقدي في هذه العبارة. فإن كان المقصود اختلاف الوسائل والعادات المباحة، فهذا معروف في الشريعة. أما تشكّل أصول الدين وثوابته بحسب البيئة، فلا يستقيم مع {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة: 3. فالدين كامل في أصوله، وإنما يقع الاختلاف في دائرة الوسائل والمباحات. رابعًا: “دين الحب” يستشهد بقول ابن عربي: «أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه»، شاهدًا على أن الحب هو ما يستقطب الغربيين للإسلام. ومحبة الله ورسوله من أعظم أصول الإيمان، لكنها لا تقوم مقام التوحيد والاتباع ولا تلغي الحدود العقدية. {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران:19). ويُذكر أن ابن عربي من أكثر الشخصيات الصوفية إثارة للجدل، حتى أفرد له ابن تيمية رسالة مستقلة في الرد عليه، محذرًا من نصوصه في “وحدة الوجود” (مجموع الفتاوى، ج11)، دون أن يعني هذا التسليم بإطلاق البيت المستشهد به دون تمييز. خامسًا: تعظيم الأولياء يصف الكبيطي المولى إدريس بأنه «سلطان الأولياء في المغرب، فلا يوجد ولي إلا ويزوره ويعظمه». ومحبة الصالحين مشروعة، لكن الغلو فيهم وإثبات خصائص لهم لا دليل عليها غير مقبول. القرآن عرّف الأولياء بـ{الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس:63)، وقال ابن تيمية: «أولياء الله هم المؤمنون المتقون، سواء سمي أحدهم فقيرًا أو صوفيًا أو فقيهًا أو عالمًا» (مجموع الفتاوى، ج11، ص5)، فجعل المعيار وصفًا شرعيًا لا انتسابًا لطريقة. وينبغي تطبيق معيار الكبيطي نفسه في التمييز بين الأصيل والدخيل على لقب “سلطان الأولياء” ذاته. سادسًا: “السلف الصالح كله من أهل التصوف” يقول الكبيطي إن معارضي التصوف «يعلمون أن السلف الصالح كله كان من أهل التصوف»، ويضيف: «تصوف اليوم ليس كتصوف الأمس، التصوف واحد، ونوره النبوي من قلب رسول الله… يجري عبر الأولياء الأحياء إلى أن تقوم الساعة، لا يوجد تبديل ولا تغيير». وهذه دعوى مزدوجة: تعميم على كل السلف، وتقرير استمرارية معرفية غير متغيرة عبر التاريخ. أما التعميم، فمعيار السلف في الانتساب للدين كان اتباع الكتاب والسنة لا طريقة معينة {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} (التوبة:100). وقسّم ابن تيمية المتصوفة إلى “صوفية أرزاق” و”صوفية رسوم” و”صوفية حقائق”، وقال: «جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف على ما جاءت به الرسل» (مجموع الفتاوى، ج11) ـ فجعل الاتباع لا الانتساب هو الجامع. أما دعوى “النور الواحد” المستمر عبر أولياء أحياء، فمصدرها تجربة باطنية لا نص محفوظ بسند صحيح، وهذا يخالف منهج أهل الحديث الذي يجعل مصدر التلقي هو الوحي المنقول بالسند المتصل، لا كشفًا يُدَّعى استمراره في معاصرين. سابعًا: اعترافه بمشكلات داخلية يسرد الكبيطي بنفسه سبعة أوجه قصور: المنافسة على الزعامة، غياب التزكية والاكتفاء بالذكر، انعزال الطرق عن الحياة العامة، الإغراق في الطقوسية، عدم تجديد المناهج، كثرة مدعي المشيخة، وغياب “منخل حقيقي” يميز الأصيل من الدخيل. وهذا يطرح السؤال: ما المعيار؟ إن كان الكتاب والسنة فهو الأصل المطلوب، لا كثرة الأتباع أو الشهرة. خاتمة تقوم جملة من استدلالات الكبيطي على الانتقال من الوصف التاريخي إلى الحكم الشرعي: الإسهام في الدعوة لا يجعل التصوف ممثلًا للإسلام، وشهادة الباحثين لا تقوم مقام الدليل الشرعي (خاصة مع عدم توثيق دعوى “ثلثي العالم الإسلامي”)، والقدرة على التكيف لا تسوّغ تشكّل “الحقيقة والشريعة” بحسب البيئة، والمحبة لا تغني عن التوحيد، ودعوى شمول التصوف لكل السلف لا تصح إلا بالخلط بين المعنى الشرعي العام والاصطلاح المتأخر. والواجب عند التنازع الرجوع إلى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، فما وافق الحق قُبل، وما خالفه رُد، مع الإنصاف في الحكم على الأقوال والأشخاص. والله أعلم. The post حين يتحول الوصف التاريخي إلى حكم شرعي.. نقد علمي لمحاضرة عزيز الكبيطي appeared first on هوية بريس.
المغرب في المرتبة 85 عالميا ضمن تصنيف الدول الرأسمالية
كشف تصنيف دولي حديث عن تموقع المغرب في المرتبة الـ85 عالميا ضمن قائمة الدول الرأسمالية، من…











