Home اخبار عاجلة الأمر الملكي بتنفيذ القانون والتوازن المؤسساتي:
اخبار عاجلة - August 23, 2026

الأمر الملكي بتنفيذ القانون والتوازن المؤسساتي:

الأمر الملكي بتنفيذ القانون والتوازن المؤسساتي:

هل تحصن الشكليات التشريعية خرق الدستور؟ إن قراءة المشهد الدستوري والتشريعي المغربي في سياق النازلة المتعلقة بقانون مهنة المحاماة تقتضي، بالضرورة، تفكيك أبعاد الثنائية القائمة بين الشكليات الإجرائية والجوهر الحقوقي، وهي الثنائية التي تحيلنا مباشرة على طرح الأسئلة المؤطرة والمحورية لهذا النقاش: هل يعطل الأمر الملكي بتنفيذ القانون عمل المحكمة الدستورية إذا ما حُرمت هذه الأخيرة من بسط رقابتها القبلية بسبب عيب شكلي مسطري؟ وهل يكتسي النص المنشور في الجريدة الرسمية قدسية دستورية مطلقة تجعله محصناً من أي نقد أو مراجعة بمجرد صدور الأمر بتنفيذه عن الملك، بوصفه حامياً للدستور وضامناً للحقوق والحريات؟ وتأسيساً على ذلك، هل يُقرأ لجوء رئيس الدولة إلى إخراج هذا النص إلى حيز النفاذ، بعد تعذر بتّ القضاء الدستوري، في حدود كونه إجراءً مسطرياً محضاً لتأمين سير المؤسسات، أم أنه ينطوي على أبعاد سياسية تُفسر كانتصار لجهة الحكومة والبرلمان على حساب هيئات المحامين؟ وأخيراً، أين تتجلى أحقية جمعية هيئات المحامين في رفض مشروع قانون يمس بنيتها المهنية، إذا ما ثبت أنه وُضع خارج إطار المقاربة التشاركية الدستورية؟ للإجابة عن هذه الإشكالات المتداخلة، يتعين أولاً تفكيك طبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية والمحكمة الدستورية في سياق صناعة النص التشريعي. إن الدستور المغربي، وتحديداً في فصله الثاني والأربعين، يثبت الملك في مقام الحكم الأسمى والممثل الأسمى للدولة، والساهر على احترام الدستور وحماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات. ومن هذا المنطلق، فإن إصدار الملك للأمر بتنفيذ القانون داخل أجل ثلاثين يوماً التالية لإحالته على الحكومة بعد تمام الموافقة عليه، هو ممارسة لاختصاص دستوري أصيل يهدف إلى نقل النص من طور «المشروع المصادق عليه» إلى طور «القانون النافذ والمُلزم». لكن هذا الاختصاص لا ينبغي فهمه، من زاوية التحليل الدستوري الرصين، على أنه صك غفران يمحو العيوب الدستورية الموضوعية التي قد تشوب النص، أو أنه بديل عن الرقابة القضائية المتخصصة. فالملك، عندما يأمر بالتنفيذ، فإنه يفعل ذلك بناءً على معطيات مسطرية تفيد بأن البرلمان استنفد تداوله، وأن القنوات المؤسساتية قد سلكت مجراها الطبيعي. وفي الحالة التي يتعذر فيها على المحكمة الدستورية البت في النص بسبب عيب شكلي، كعدم إرفاق وثيقة معينة بالنص المصادق عليه بين الغرفتين، فإننا نكون أمام «أزمة إجرائية» برلمانية تسببت في حجب النص عن الفحص القبلي. وهذا الحجب لا يعني أن النص قد تطهر من شبهات عدم الدستورية، كما أن النشر في الجريدة الرسمية لا يسبغ عليه «قدسية» موضوعية فوق دستورية؛ فالقدسية في النظم الديمقراطية الحديثة هي لسمو الدستور ذاته وللعدالة الحقوقية، وليس للأخطاء المسطرية التي يرتكبها المشرع. لذلك، فإن عمل المحكمة الدستورية لا يتعطل بصفة نهائية في هذه الحالة، بل يقع في حالة «إرجاء مؤقت»، حيث ينتقل الحق في مراجعة النص من الرقابة الوقائية القبلية، التي أُجهضت بسبب العيب الشكلي، إلى الرقابة القضائية البعدية عبر آلية الدفع بعدم الدستورية المتاحة للمتقاضين، مما يعني أن المنظومة الدستورية تمتلك من المرونة ما يكفي لإعادة إخضاع النص للمشرحة القضائية، مهما تحصن بالنشر والنفاذ. هذا الفهم يقودنا مباشرة إلى تحديد الطبيعة السياسية والقانونية للأمر الملكي بالتنفيذ في هذه النازلة بالذات. إن تصوير صدور الأمر الملكي كإعلان انتصار للحكومة والبرلمان على حساب المحامين هو تأويل قاصر يفتقد إلى العمق السياسي والتحليل المؤسساتي؛ فالمؤسسة الملكية، وبحكم موقعها الدستوري كحكم أسمى بين المؤسسات، لا تدخل طرفاً في التوازنات السياسية الضيقة أو الصراعات الفئوية. والتدخل الملكي هنا يجد مبرره في فلسفة استمرارية الدولة ومؤسساتها، ومنع حدوث شلل تشريعي أو إفراغ قاتل في العملية التشريعية نتيجة صراعات مسطرية أو أخطاء شكلية برلمانية. إن إفراج رئيس الدولة عن القانون هو إفراج عن مسار مسطري، وترك النص ليتواجه مع الواقع القانوني والمجتمعي، وليس تزكية سياسية للمضامين الخلافية التي أتت بها الحكومة، بل هو تفعيل للمبدأ الدستوري الذي يفرض إخراج القوانين بعد استيفاء آجالها، مع ترك الباب مفتوحاً أمام الآليات القضائية والتعديلية اللاحقة لتصحيح أي انحراف. وفي المقابل، لا يمكن عزل هذا النقاش الدستوري عن البيئة الحقوقية والمجتمعية التي ينزل فيها القانون، وهنا تبرز شرعية الاحتجاج وأحقية جمعية هيئات المحامين في الرفض والمقاومة القانونية. إن الدستور المغربي لم يعد مجرد وثيقة لتوزيع الصلاحيات بين السلط الثلاث الكلاسيكية، بل إنه أفرد مكانة اعتبارية للديمقراطية التشاركية كمبدأ ثابت من مبادئ الحكامة الجيدة. وعندما يتعلق الأمر بمهنة المحاماة، وهي ليست مجرد قطاع مهني، بل هي الجناح الثاني للعدالة والحصن الدفاعي عن الحقوق والحريات، فإن تغييب المقاربة التشاركية أو الانفراد بصياغة نصها التنظيمي يعتبر مساساً بروح الوثيقة الدستورية قبل أن يكون مساساً بمصالح فئوية للمحامين. دور الحكومة والبرلمان في التشريع، رغم كونه اختصاصاً أصيلاً، لا يعطيهما الحق في ممارسته بشكل معزول عن الشركاء الأساسيين في منظومة العدالة. وبالتالي، فإن انتفاضة أصحاب البدلات السوداء لا تشكل خروجاً عن الشرعية، بل هي ممارسة لآليات الضغط المجتمعي المشروعة لإعادة قطار التشريع إلى سكته التشاركية الصحيحة، وتنبيه لكل المؤسسات الدستورية بأن جودة النصوص وتحصينها لا ينبعان فقط من شكليات الإحالة وصيغ النشر، بل من مدى استيعابها للحقوق والحريات والتوافقات المجتمعية التي أسس لها أسمى قانون في البلاد.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

5 × 5 =

Check Also

تعيينات أمنية جديدة تشمل 21 منصبا للمسؤولية بـ14 مدينة

أشرت المديرية العامة للأمن الوطني، الأربعاء، على حركة تعيينات جديدة شملت 21 منصبا للمسؤولي…