Home اخبار عاجلة 55 سنة من التواجد… نحو ما تبقّى من وجود
اخبار عاجلة - August 23, 2026

55 سنة من التواجد… نحو ما تبقّى من وجود

55 سنة من التواجد… نحو ما تبقّى من وجود

توقفت عن جرد سنتي وسنواتي منذ صار الدم حبر يومياتنا، والقهر أوراقها، والعجز عنوان فصولها. أذكر أن آخر مرة كتبت فيها كانت عند دخولي الخمسين. كانت لحظات مفعمة بالغرابة والامتنان، لوقوفي على حافة قطر العمر، إذا ما تخيلت العمر دائرة، والخمسين النقطة المقابلة لبدايتها. شعرت آنذاك بقوة عجيبة، وكأن كل ما مضى من سنواتي أوصلني إلى تلك الحافة، ومنها يبدأ صعود جديد نحو ما سيأتي من عمري. كنت قد أجّلت حتى تلك اللحظة أحلاماً تمنيت تحقيقها قبل بلوغ الخمسين. أجّلت، على مدار عقدين امتلآ بكل ما تفضي إليه الحياة من مصاعب وامتحانات، الكثير مما يتصل بالحياة وأحلامها. ومع دخولي ذلك العقد الجديد، بدأت أشعر بامتلاء مختلف، وكأنني أخيراً أتشكّل على هيئة ما أنا عليه، بكل ما فيّ، وأرضى به. مرّت خمس سنوات، قلبت الأربع الأخيرة منها كل شيء رأساً على عقب. لم تعد الأنا الخاصة بي مهمة؛ وكل ما يمكن التفكير فيه كإنجاز بدا كذرّ الرماد في العيون، وسط سيول الدم وغبار الأنقاض وجحيم الواقع. كان ثمة شيء هائل يتحرك، وكأن الكون كله انتفض من مكانه ليتغيّر إلى الأبد. تلك اللحظات المتتالية من سقوط الأقنعة عن كل شيء، لتتكشّف أمامنا الحقيقة بكل سوءاتها؛ وكأن الحقيقة لم تكن إلا سوءات شرّ غاشم يتلبّس كل ما نلمسه حولنا من حداثة وتكنولوجيا وتقدّم وعلوم. وكان الدم السيّال في غزة ثمن كل هذا. الحرب والسلم بين الأسلحة والإغاثة، والوطنية والخيانة أمام المقاومة والتطويع، والعلم بين الشهادات والانتحال، والأدب الاصطناعي وتبعثر الكلمة وانبطاح البلاغة، إلا من تعابير منمّقة معدّة بأحسن الصيغ. كل شيء انهار أمام سيول الدم في غزة. أقف على بوابة الخامسة والخمسين بغبطة غريبة. ربما لأنني أحب شكل الرقم بالعربية: دائرتان، عجلتان، كعكتان؛ شيء فيه يعيد إليّ طفولة صغيرة وسط كل هذا الثقل. لم تستطع دوامة الأحداث أن تجرفني… حتى اللحظة. لم أنبطح، ولم أستسلم للجمال الاصطناعي الذي يعيد تشكيل الوجوه والأجساد، ولا للذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل الكلمة والفكرة. حصلت على الدكتوراه قبل أن يجتاح هذا الذكاء الجديد عالم المعرفة والكتابة، وكتبت وفكّرت قبله ومن دونه. دفعت ثمن ضميري الحاضر، وانتمائي إلى فكرة وجودي، واستطعت أن أبقى أنا. هذا ما يعنيه أن نعيش يوم ميلاد آخر وسط كل هذه الأحداث. ومهما حاولتُ إبراز الأنا، فإن تلك الأنا تصغر أكثر فأكثر أمام هول المصاب. ربما تتملكني تلك الروح الصوفية، حيث تصغر الأنا وتذوب في فلك وجود أوسع. وما جرى في غزة أعادني إلى سنوات سابقة، إلى البدايات التي تشكّل منها وعيي بالتصوف الإسلامي، وبالإيمان لا بوصفه اعتقاداً فحسب، بل إخلاصاً وابتغاءً. هذا ما أعادت غزة وضعه أمامي بقوة لم أعرفها من قبل: كيف يمكن للإنسان، في أقسى لحظات الفقد، أن يتمسك بهذا الإيمان العجيب؛ أن يكون الله مبتغاه، وحب الرسول زاده. وكيف يتحول الإخلاص، في ذروته، إلى خلاص؛ فلا يعود الموت نهايةً يخشاها الإنسان، بل عبوراً يتجاوز به وجوده الفردي، وارتقاءً نحو معنى أعلى من البقاء. وكانت هذه السنوات غنية أيضاً بقراءات صوّبت مساري. أعدت قراءة القرآن، في محاولة للخروج من بئر الاستشراق، وقرأت مالك بن نبي، وعبد الوهاب المسيري، والكواكبي، وعلي الوردي، والجاحظ، والمعري، وقرأت عن الصحابة وعدت إلى الكتب الإسلامية القديمة. كانت عودة إلى أشياء كثيرة عرفتها من قبل، لكنني هذه المرة كنت أقرأها من مكان آخر، بعمر وتجربة وأسئلة مختلفة. وفي امتداد هذه القراءات، ووسط ذهولي الذي لا ينتهي مما يجري حولنا، أتابع حلقات للمؤرخ المصري واسع المعرفة إبراهيم العسّال عن التاريخ الإسلامي. وبين اغتيال خليفة وآخر، وزهق روح صحابي ومبشّر بالجنة تلو الآخر، وجدتني أفكر: كيف صمد الإسلام وسط كل هذا؟ كيف كبر واستمر؟ وكيف بقي الإيمان حياً بينما تعاقب القتل والصراع والانقسام؟ وأفكر فيمن حملوا هذا الإيمان وتمسكوا به وبحقهم في الوجود؛ قمر يتلوه قمر… يموت حامله ولا يموت معه. وكأن ما بدأ بالإخلاص يجد طريقه إلى الخلاص، وما يبتغي الله ويقوم على حب الرسول لا ينتهي بموت أبداً. هذا ما أعزم أن أستمر في معرفته فيما تبقّى لي من عمر: أن أكون أقرب إلى الإيمان. ولا أعرف إن كانت مصادفة، أم أنها جزء من هذا الطوفان الذي زلزل الكون منذ ذلك الخريف، أن يأتي نظام الطيبات هو الآخر كنعمة لا أستطيع أن أتخيّل ما تبقّى من حياتي من دونه. لقد أضاء لي شيئاً كنت أعيش تجاهه في غشاوة كبيرة: معنى الصحة، وقيمة ما نأكل، وعلاقتنا بأجسادنا وبما نضع فيها. وعند الـ 55 أشعر أنني داخل هاتين الدائرتين. كأنهما لا تنتهيان إلى مكان. لم يعد يهمني أين أصل. أشعر وكأنني أخيراً على الطريق الحقيقي لمعرفة ما خُلقت من أجله. وفي هاتين الدائرتين أستطيع أن أعود إلى ذاتي بلا لوم ولا ندم؛ فقط أدخلهما وأذوب فيهما، وأحاول أن أخرج من يومي وألمي «أنا» أفضل، تمضي على الطريق المقدّر لها.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

13 − five =

Check Also

التصعيد باليمن.. وضع إنساني متفاقم ومستشفيات تعج بالجرحى

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار التصعيد العسكري بين القوات الحكومية وجماعة الح…