Home اخبار عاجلة قراءة في “الفردوس الأرضي…”
اخبار عاجلة - August 24, 2026

قراءة في “الفردوس الأرضي…”

قراءة في “الفردوس الأرضي…”

“تنحَّ.. أنت تحجب عني الشمس”.. هذه العبارة الشهيرة، التي تعود للفيلسوف اليوناني دوغيس عندما وقف عليه الإسكندر الأكبر وعرض عليه أن يمنحه أي شيء يطلبه، تلخص تعاسة الإنسان في ظل الحضارة الغربية المادية. وهي أساس الفكرة التي يناقشها د. عبد الوهاب المسيري في هذا الكتيب الذي نحن بصدده. ويعتبر المسيري (1938-2008) مفكراً وعالم اجتماع مصرياً مسلماً، وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين. عمل ضخم يقع في 8 مجلدات، يقدم نموذجاً تفسيرياً لتاريخ اليهود والظاهرة الصهيونية والحداثة الغربية. في هذا الكتيب، ينافح الراحل د. عبد الوهاب المسيري عن الإنسان الذي تتعرض فطرته للطمس من طرف الفلسفات المادية، برصانة تحليله وبصيرته النفاذة لما تواجهه هذه الفطرة من تسطيح وتنميط بسبب جائحة الاستهلاك التي أدى إليها التقدم العلمي المنفلت عن القيم. فيعتبر أن ادعاء تحقيق الفردوس هنا والآن، ليس سوى كذبة رأسمالية علمانية تناقض التاريخ وتغرر بالشعوب، وستؤدي لا محالة لبؤس البشر وشقاءهم. إنه يحذر من مغبة تغول العلم على الإيمان، والمادة على الروح، ومن شرور العلمانية الشاملة التي لا تفصل الدين عن الدولة فقط – وهو ما لا يرفضه -، وإنما تريد فصل المجتمع عن القيم والأخلاق، وهو ما حذر منه. لكننا بلغناه للأسف منذ عقود كما توقع. د. المسيري مفكر موسوعي له رؤية إنسانية شاملة واستبصارية، تحدى المستقبل وأخطاره، انطلاقاً مما تقود إليه الإيديولوجيات والفلسفات السائدة. الكتاب ملخص لفكره من حجم 150 صفحة (1979) بعنوان “الفردوس الأرضي، دراسات وانطباعات للحضارة الأمريكية الحديثة” بيروت، وأعيد نشره سنتي 1914 و1919 تحت عنوان “الفردوس الأرضي” بمطابع القاهرة. يعرض مقدمة طويلة تتضمن الأفكار الأساسية المتمثلة في نقد المادية ورفض الطوباوية والفردوس القبلي والتجربة الأمريكية، وهو مقسم إلى أربعة فصول: 1ـ البراغماتية الأمريكية والبراغماتية التلمودية. 2ـ عالم السلع الفردوسي.. سعي الأمريكيين للخلاص بالاستهلاك. 3ـ الإنسان بين الأشياء والبراءة الأولى. 4ـ تحرير المرأة الأمريكية بين التاريخ والفردوس.. وعن النهاية المأساوية والملهاوية.. وفي الأخير استنتاجاته.. التاريخ والفردوس في القلب. أمريكا من زاوية الفيلسوف: حكمة من الفيلسوف “دوغيس” والذي زهد في عطايا الإمبراطور العظيم بممتلكاته الهائلة وخيراته الواسعة، ويرغب عنها بما يجده في دواخله من رضا، بل ويطلب منه وبصيغة الأمر أن يتنحى جانباً فلا يعيق اتصاله بالشمس وبالكون من حوله. وحسب الرواية فإن إسكندر لم يغضب من هذا الرد “المستفز” (لإنسان حكيم وغريب الأطوار يعيش في برميل)، بل أُعجب جداً بصدق دوغيس وزهده، وقال لأصحابه الذين سخروا من الفيلسوف: “لو لم أكن الإسكندر، لوددتُ أن أكون دوغيس.” دوغيس هذا يجسد حقيقة الإنسان وقد خلق حراً مستقلاً يتوفر على كل الموارد التي تسهل الصعب وتيسر العسير وتجعله، بمزية العقل ومنحة القلب وسمو الروح، مستغنياً عمن سواه. لأنه على درجة عالية من الوعي بمن يكون وبالذي يصلحه، يتعرض للشمس التي تعطي دون منّ، ثم يسعى بضيائها معمراً بقرار شخصي، بانيا الذات ولمحيط الذات. أن تكون حراً لا يعني أن تملك كل شيء، بل أن تحتاج أقل شيء. فرغم عظمة الإمبراطور فهو لا يستطيع أن يمنح إنساناً ما لا يطلبه..! يضع المؤلف الأسس الفلسفية لهذه الحضارة الجامحة للحكم عليها والإجابة عن السؤال: هل تحقق هذه الحضارة إنسانية الإنسان؟ أم تكون سبباً لشقائه؟ وقد تناول هذه الأسئلة في مؤلفه “العالم من منظور غربي” أبرز فيه بالنقد والتحليل التحيزات الكامنة في الفلسفات والماديّات الغربية. ونظرته للدولة العظمى من خلال زاوية إنسانية إسلامية، ويخلص إلى المعاني والدلالات العميقة. فالسلوك البشري مرآة لإيديولوجية التي تؤطر المجتمع وللقالب الذي صبته فيه الإيديولوجيا الحاكمة….. بفضل قدرته الخارقة على التأمل والتأويل والاستنباط. فهو لم ينبهر بالحضارة الأمريكية مثل كثير من المثقفين الذين بالغوا في الإطراء والتقريظ.. لقد عاش وكتب من داخلها عقداً من الزمن تقريباً (1963ـ1971) من المهن الوضيعة كحارس ليلي إلى أعلى الدرجات الأكاديمية والجامعية… وخالط كل الفئات.. وحاول من خلال مؤلفه تفكيك البنية الفكرية للمجتمع الأمريكي وسجل رؤيته لهذه الدولة “الطارئة” التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وفرضت نمطها الحضاري على دول العالم الثالث التي لها عمق تاريخي أكبر منها. كل ما تنبأ به المسيري حاصل في أمريكا والعالم العربي والإسلامي الذي يعيش الآن النموذج الرأسمالي من خلال العولمة. يرفض فكرة الفردوس الأرضي الطوباوية والخلاص هنا في الأرض الآن…!؟ لا داعي لانتظار الجنة، والله والأديان والرسل… إنها نزعة معادية للتاريخ.. ومضادة لقوانين الحياة، فالإنسان يعيش ضمن بعد الزمان والمكان أي ضمن التاريخ. لن يتحقق هذا الوهم في عالم النسبية والتدافع والحروب.. بسبب الإيديولوجية الرأسمالية المتحكمة.. بفضل التكنولوجيا توفرت السلع واعتقد الإنسان المستلب أنه يستطيع أن يلبي كل الحاجيات ويحل كل التناقضات..؟! الإنسان في طريقه إلى الجنون والشقاء: يقصد الإنسان الأمريكي على الخصوص، يفقد عقله بسبب انفلات الحضارة الغربية وإنكارها العقائدية الغيبية وإيمانها بالماديات.. ويرفض فكرة إرجاء العالم الفردوسي إلى الآخرة، وتراجع دور الدين في حياتهم وإيمانهم بالعلم وحده هي غيبية أخرى يغذيها، ويغلب وجوده الطبيعي على وجوده التاريخي مما كان له نتائج عكسية.. تفاقم الأزمات البيئية في المجتمعات الصناعية، التبني المتوحش للنموذج الرأسمالي: تلوث البيئة (الطبيعة الخارجية) أمراً شائعاً في الغرب.. تدمير الإنسان (الطبيعة البشرية) سيصبح مطروحاً عما قريب، وهو ما حصل بالذات الآن. ضياع الإنسان لافتقاده البوصلة والمرجعية الدينية والأخلاقية.. فلابد أن يقف العلم عند حدوده.. العلم اللامحدود والإنترنت لهما منافع ومخاطر… الإنسان له وجود جدلي.. اعمل لدنياك (جسد) كأنك تعيش أبداً، واعمل لأخرتك (روحك) كأنك تموت غداً.. وليس إسقاط الروح من الاعتبارات والاهتمام بالماديات والانغماس في الشهوات…..! وحبذا لو طرح الإنسان على نفسه مضمون ما قام به أحد الأساتذة المحاضرين (“ستيفن كوفي” في كتابه “العادات السبع للناس الأكثر فعالية”) بطرح سؤال على طلبته بتخيل الموت بعد ثلاثة أشهر..؟ ليصل إلى نتيجة أن كل تصرفاتنا تنبع من تصوراتنا، وتأمل الموت هو أداة قوية لتغيير هذه التصورات نحو الأفضل. وهذه ليست دعوة للتشاؤم، بل دعوة لاستثمار الحياة، وفهم أن الدنيا ليست هي الهدف الأسمى، بل الاستجابة المثلى هي عيش كل يوم بأفضل نسخة من النفس. فللإنسان وجود طبيعي ووجود تاريخي (الجسد والروح..) وتعرض في هذا السياق لتجربتين، الأمريكية والصهيونية نموذج الحضارة الغربية ذات النزعة الفردوسية. كلاهما يؤمن بالقوة والتفوق على الآخر والاستحقاق والريادة وحمل رسالة خاصة للعالم ورفض التاريخ والحدود والوصول ولو على حساب الشعوب بمحوها وإبادتها، الهنود الحمر وفلسطين شاهد ومثال حي. والتشابه راجع إلى اعتماد أمريكا على المعين الصهيوني، فكلتيهما مغلفتان بنفس أساطير قديمة التي أدت لفبركة أخرى جديدة (الكاوبوي والحالتوس)، والنتيجة فشل تحقيق الفردوس المزعوم تملأه السعادة. فإسرائيل لم تستقطب كل اليهود لأن معظم جاليتها تعيش خارجها. لكن بينهما بعض الاختلافات… أمريكا تاريخها صغير (قرنين من الزمن تقريباً) وجغرافيتها كبيرة عكس الصهيونية؟! كما تم عرض مقارنتين بين تجربتين؛ اليهودية والإسلامية من خلال شخصيتين؛ اليهودي العلماني “بودرتز” المتنكر ليهوديته الذي حقق نجاحاً دنيوياً باهراً.. المال والشهرة ونهاية بتسليعه..! و”مالكوم إكس” الأمريكي الزنجي المغترب بأمريكا، وللإشارة فهذه الشخصية (الحاج مالك الشباز) مثّلت علامة فارقة في مراجعات المسيري الفكرية وقربه من الإيمان والإسلام. فهو – أي مالكوم إكس – المسيحي الذي وجد خلاصه في الإسلام عندما كان سجيناً، أسره وأخذ بلبه منظر الحج.. فالناس سواسية، هو الأسود المعجب بجهود الإسلام لتحرير العبيد وحسن معاملتهم.. وإلى أن قال: “تستطيع الدولة إرسال شخص إلى الفضاء الخارجي ولكنها لا تعرف كيف تتعامل مع البشر”، أي أن الفردوس مهمة القلب والدين وسنصل إليه في الآخرة ونتخلص حقيقة من قيد التاريخ. وتشريح المجتمع الأمريكي.. يجسد الحساسية الفردوسية. يكتشف أن إنسانه غارق في الاستهلاك ومحدود الفهم ومدجّن من قبل الإعلام المسيطر عليه من قبل اللوبيات المالية، ويولي أهمية لما هو محلي على حساب ما هو قومي وعالمي. فشل النموذج والحلم الأمريكي: فشل في صهر الأعراق المكونة له وإخفاق في التعاقد الاجتماعي وتحقيق الفردوس الذي يضم الجميع (رفض البيض الأوروبيين للسود) مقاومة من الداخل، حركة ألهيبي وجماعة أهل يسوع.. وزادت بوادر الانقسام مع حلول عهد “الترامبية”، فوصول أسود إلى البيت الأبيض، باراك أوباما (2008ـ2016) و”كامالا هاريس” المرشحة التي فشلت في تحقيق الهدف، تعتبر ثورة بفضل تضحيات ونضالات الملونين.. مالكوم إكس ومارتن لوتر كينغ الذي تم اغتياله على يد أمريكي متعصب سنة 1968. … وهو كعادته – أي د. ترامب – لا يفوت أي فرصة لتوجيه سهام النقد لخصومه السياسيين ويحذر من تفاقم مشاكل الهجرة (يقصد المكسيك) إذا وصل الديمقراطيون إلى البيت الأبيض، ملمحاً ومستغلاً الأزمة التي عاشتها إسبانيا (يوليو 2026) بسبب تدفق عشرات الآلاف على مدينة سبتة المحتلة، وملمحاً إلى مضيق جبل طارق؟! لا أحد يستطيع أن ينكر استخفاف واستفزاز أمريكا “المارقة” بحلفائها بحلف الناتو والضغط عليهم لاصطفافهم إلى جانبها في حربها على إيران، واتخاذ حزمة عقوبات على الاتحاد الأوروبي وإجباره على مجارات سياساتها للدول المعادية بفرض عقوبات اقتصادية عليها..؟! خصص د. المسيري فصلاً كاملاً للنسوية الأمريكية وظاهرة الشذوذ والسعار الجنسي الذي تؤطره الفردوسية كأساس إيديولوجي، واللذة النفعية التي يحض عليها النظام الليبرالي، فهو يريد علاقة جنسية دون تبعات اجتماعية وخلاص فردوسي مع اختفاء الحاجة للرجل. كل هذا لعبت فيه شركات التجميل والموضة والإعلام دوراً كبيراً لتشييء المرأة وجعلها كسلعة استهلاكية. د. المسيري لا يتبرم من الدعوة إلى المساواة بين الجنسين، لكن مع التمييز بين حركة الدفاع عن حقوق المرأة وحركات تحرير المرأة الهادفة إلى طرد الرجل وإلغاء عقد الزواج حيث لا تتجاوز علاقة تعاقدية يتدخل القانون في كل تفاصيلها… فأصبحت أفكار نسوية ملهمة عبر العالم لاتجاهات النسوية وتشجيع الطلاق وشرعنة الإجهاض ورغبة قطيعة مع الإنجاب واستعمال الأساليب البيولوجية المتطورة (خلايا جذعية وبويضات وحيوانات منوية لشخص واحد ورحم اصطناعي..؟!) واكتفاء المرء بنفسه… بأمريكا تستطيع أن تشاهد مظاهرات للشواذ مطالبة بالاعتراف بميولاتهم المنحرفة عن الفطرة السليمة ولإنصافهم قانوناً… من نتائجه وصول الشواذ إلى مراكز صناعة القرار.. (لينسي غراهام) المقتول والمتصهين الداعي إلى إبادة الفلسطينيين..؟! وترامب المتورط في “ملفات إبستين..” هذا في أمريكا التي تحكم العالم والتي تتشدق بحقوق الإنسان واستعمالها كورقة ضغط على الدول والكيانات غير المنصاعة لسياستها. وبتنظيره الهائل استطاع المسيري استشراف ما يقع الآن… وجعل من هذا العمل الفكري صرخة ضد المادية والمخاطر الوجودية الكامنة في نظام رأسمالي متوحش، وفكرة الفردوس الأرضي هي خدعة وخرافة للشعوب والقيم الإنسانية، ومن شأنها أن لم يتم تداركها أن تقودها إلى الجحيم. فالأخلاق والدين ضرورة لأجل ضمان بقاء البشرية ورقيها. والفردوس هو داخلي (جواني)، وأن الأديان بواسطة الأنبياء والرسل هي من تهدينا إليه. The post قراءة في “الفردوس الأرضي…” appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الله شخمانمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 × 1 =

Check Also

تحسن الأداء الاقتصادي للصين

أفاد المركز الوطني للمعلومات التابع للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح،بأن الاقتصاد الصيني شهد…