التوفيق يستحضر تجربة التعبئة المغربية ضد “المدن المحتلة” أمام الملك.. هل يتعلق الأمر برسالة سياسية بشأن أحداث سبتة؟

اكتسبت إشارة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق إلى كتاب “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي، خلال مجلس ديني ترأسه الملك محمد السادس مساء الإثنين بمناسبة عيد المولد النبوي، دلالة خاصة بالنظر إلى الظرفية السياسية التي جاءت فيها، ولا سيما بعد أحداث سبتة في نهاية يوليوز والتوتر الذي أعقبها في العلاقات المغربية الإسبانية. وقال التوفيق، في كلمته أمام الملك، إن سبتة أعطت المغرب عالمين من كبار أقطاب التصوف، هما القاضي عياض، صاحب كتاب “الشفا”، والعزفي، صاحب “الدر المنظم”، قبل أن ينتقل إلى الإمام الجزولي وكتابه “دلائل الخيرات”، الذي وصفه بأنه كان «شعار المغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث». ولا يتعلق الأمر هنا بكتاب ذي مضمون عسكري؛ فـ”دلائل الخيرات” هو في الأساس كتاب في الصلاة على النبي والأذكار والأدعية. غير أن ارتباط مؤلفه، الإمام الجزولي، ببيئة المقاومة المغربية ضد التوسع البرتغالي على السواحل الأطلسية، ثم تحول الكتاب إلى أحد أبرز رموز التدين الصوفي المغربي، يمنح استحضاره في مجلس رسمي دلالة تاريخية تتجاوز مضمونه التعبدي المباشر. أول ظهور رسمي للملك بعد أحداث سبتة وتزداد أهمية هذه الإشارة لأنها جاءت في أول ظهور رسمي للملك محمد السادس منذ اندلاع أحداث سبتة في 30 يوليوز، في وقت لم تهدأ فيه تداعيات تلك الأحداث، التي شهدت محاولة جماعية للوصول إلى المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول وضع سبتة ومليلية ومستقبل العلاقة بين الرباط ومدريد. وتزامن ذلك أيضاً مع تصريحات لوزير العدل عبد اللطيف وهبي تحدث فيها عن مطالبة المغرب باستعادة سبتة ومليلية، وهي تصريحات أثارت ردود فعل سياسية وإعلامية في إسبانيا، بينما تستعد مدن إسبانية عدة، بحسب ما أُعلن، لاحتضان احتجاجات في الثاني من سبتمبر تحت شعار «من أجل سبتة». وفي هذا السياق، يطرح استحضار التوفيق لتجربة التعبئة المغربية ضد “المدن المحتلة” في العصر الحديث سؤالاً يتجاوز البعد الديني للمناسبة: هل كانت الإشارة مجرد استدعاء للتاريخ الديني للمغرب، أم أنها تحمل، بصورة غير مباشرة، رسالة سياسية تتصل بملف سبتة ومليلية؟ فالوزير لم يكتف بالإشارة إلى الجزولي، بل ربط سبتة نفسها بسلسلة من الرموز الدينية المغربية، قبل أن يصل إلى كتاب ارتبط تاريخياً، وفق الصياغة التي استخدمها، بـ”تعبئة” المغاربة لتحرير المدن المحتلة على الساحل الأطلسي. وهذا الربط بين سبتة، والتصوف، والتعبئة، والتحرير هو الذي يمنح العبارة دلالتها السياسية المحتملة. إشارة تحمل قراءات سياسية متعددة لكن قراءة الإشارة باعتبارها رسالة رسمية إلى إسبانيا تظل، في الوقت الراهن، فرضية تحليلية وليست موقفاً معلناً. فلا التوفيق قال إن المغرب يستعد لتعبئة من أجل استعادة المدينتين، ولا ربط صراحة بين الجزولي وسبتة ومليلية في سياق النزاع المغربي الإسباني الحالي. كما أن المناسبة نفسها دينية، وقد يكون استحضار تاريخ التصوف المغربي جزءاً من بناء سردية دينية وتاريخية حول مدينة سبتة، التي خرج منها عدد من كبار العلماء المغاربة. مع ذلك، فإن اختيار هذه الإشارة تحديداً، وفي هذا التوقيت، وفي مجلس رسمي يترأسه الملك، يجعلها قابلة لقراءة سياسية أوسع. ففي المغرب، حيث تحظى كلمات المسؤولين أمام الملك بعناية خاصة، يصعب التعامل مع كل إحالة تاريخية على أنها مجرد تفصيل عابر، خصوصاً عندما تتصل بموضوع حساس مثل “المدن المحتلة” وتأتي بعد أسابيع من أزمة أعادت سبتة إلى قلب النقاش المغربي الإسباني. وقد يكون المقصود، في أبسط قراءة، هو استعادة الذاكرة التاريخية للمغرب في الدفاع عن هويته الدينية والثقافية، لا إطلاق دعوة إلى تحرك سياسي أو ميداني. لكن قراءة ثانية ترى في الخطاب تذكيراً بأن قضية سبتة ومليلية لم تختف من الذاكرة السياسية المغربية، حتى عندما لا تكون حاضرة في الخطاب الدبلوماسي اليومي. وتكتسب هذه القراءة وزناً إضافياً إذا ما وُضعت كلمة التوفيق إلى جانب التصريحات الأخيرة للوزير وهبي بشأن المدينتين، وردود الفعل الإسبانية عليها. فبينما تدفع مدريد نحو تثبيت الوضع القائم، يبدو أن ملف المدينتين عاد، بعد أحداث يوليوز، إلى التداول العلني داخل المغرب وخارجه، بعدما ظل لسنوات محكوماً إلى حد كبير بمنطق إدارة الخلاف بدل مواجهته بصورة مباشرة. ومن ثم، فإن استحضار “دلائل الخيرات” أمام الملك قد لا يكون رسالة تعبئة بالمعنى المباشر، لكنه، في أقل تقدير، يعيد إلى الواجهة ذاكرة مغربية قديمة عن العلاقة بين التصوف والمقاومة وتحرير الثغور الساحلية. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كانت هذه الذاكرة ستظل في حدود الاستدعاء الرمزي والتاريخي، أم ستتحول، مع استمرار تداعيات أزمة سبتة، إلى جزء من خطاب سياسي مغربي أكثر وضوحاً بشأن مستقبل المدينتين.
عبد القادر الكيحل يمثل مجلس المستشارين في مؤتمر بالكويت حول استدامة العمل الكشفي
شارك المستشار عبد القادر الكيحل، ممثلاً لمجلس المستشارين المغربي، في مؤتمر «الحركة الكشفية…










