Home اخبار عاجلة «بلا مايُّو».. سوق التزكيات وعبث الانتخابات
اخبار عاجلة - August 25, 2026

«بلا مايُّو».. سوق التزكيات وعبث الانتخابات

«بلا مايُّو».. سوق التزكيات وعبث الانتخابات

«فين غادي بي يا خويا فين غادي بيا؟» (مجموعة ناس الغيوان) تتردد هذه الصيحة الغيوانية الخالدة، كأنما كُتبت لتسائل هذا الراهن السياسي المأزوم وتستجوب عبثه المتواصل. من وحي هذا السؤال المفتوح على وجع البلاد وخيباتها، وكيف لنا أن نطالع واقعًا يتأرجح بين التضليل الانتخابي، وبورصة التزكيات، وصخب المدرجات، ونشيج الهرب عبر البحار… لا يسعنا إلا أن نردد مع المتنبي: «عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ».. فكل أعيادنا السياسية والوطنية باتت معنية بهذا القول البليغ الذي لم يصدأ معدنه. آلةُ التضليل لا يهدأ هديرها ولا تتوقف، في محاولات مستمرة لإلهاء جماهير الشعب عن واقعه المر والمخاطر المحدقة به حاضرًا ومستقبلًا… و«الله يحضَّر السلامة»! لا ريب أن المغرب بات يُصنَّف ضمن البلدان التي تحتل مراتب متقدمة في الغش الانتخابي النزيه وتزوير الانتخابات بشفافية، لتفرز العملية برمتها مجالس مصممةً على المقاس و«مخدومة»، كما وصفها يومًا الراحل امحمد بوستة. ورغم أن موعد الاقتراع حُدِّد في 23 من شهر سبتمبر المقبل، فإن النتائج تبدو محسومة، والخريطة السياسية جاهزة ومطبوعة في كواليس القرار، وما يجري أمامنا على الشاشة وفي الشارع لا يعدو كونه «كاميرا خفية»، تنتهي بشكر الجميع على مشاركتهم الغبية في اللعبة. فلا عزاء للغرقى في بحار الهجرة السرية أو في مستنقعات السياسة الآسنة، ولا عذر لمن يرتمون في البحر «بلا مَايُّو»، كما أسلفت «السلطانة» الباميست الخبييييييرة في تفويت منطقة «تسلطانت»… وغيرها من الملفات (المتخمة) الدسمة بلهجة أهل مراكش. إن العبث نفسه يستحيي ويحمر خجلًا من العبث السياسي الأكبر الذي تعيشه البلاد منذ عقود، إذ يزعم الحاكمون أننا نعيش في واحة ديمقراطية، متسائلين بتهكم: أليست هناك انتخابات تُجرى في مواعيدها؟ وأحزاب تخوض حملاتها وترفع شعاراتها وبرامجها بكل حرية يضمنها القانون…؟ بلى.. لن ينكر هذه الحقيقة (!) إلا الأعداء والحساد… فلدينا انتخابات ومرشحون وناخبون حاضرون، تمامًا كما لدينا مقاطعون… وتتقدم جميع الأحزاب ببرامجها، لكنها برامج تتشابه حتى التماهي، وكأن من كتب صياغتها شخص واحد. وإلا فكيف نفهم تصريحات وبرامج أحزاب الثلاثي الحكومي الحالي (الأحرار مع البام والاستقلال)؟ اسمعوا ما يتردد اليوم على لسان نزار البركة، وما يصرح به أخنوش وتابعه الشوكي، وما تتفوه به الخطيبة المفوهة فاطمة الزهراء المنصوري! إنهم يتبادلون أدوار المعارضة، ويعدون الناخبين بتحقيق ما عجزوا عن إنجازه خلال سنوات ولايتهم، التي تعد الأكثر بؤسًا وتراجعًا في تاريخ الحكومات المغربية المتعاقبة. غير أن المشهد لا يكتمل إلا بالحديث عن البورصة السرية التي تُدار بها الانتخابات قبل أن تبدأ؛ إنها بورصة بيع التزكيات للترشيح.. ظاهرة متجذرة أضحت عرفًا سائدًا تعمل به كافة الأحزاب بلا استثناء، حيث تُطرح المقاعد والدوائر لمن يدفع أكثر، وتباع الخرائط الانتخابية في المزاد العلني والتنفيذي… ولئن كانت الأحزاب تتفاوت في حجم هذه التجارة وحساباتها، فإن السيد إدريس لشكر في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (يا حسرة على الاتحاد) استطاع بلا منازع أن ينال الميدالية الذهبية في بيع التزكيات وتسقيف أسعارها… محافظًا على الريادة في تحويل العمل الحزبي والرمزية التاريخية إلى سوق مفتوح للسمسرة الانتخابية، ومنح المقاعد للوافدين الجدد وأصحاب الشكاير على حساب من بقي معه أو من التحق باتحاده المستعار. إنهم يراهنون جميعًا وبكل بساطة على نعمة النسيان لدى جماهير الناخبين، وعلى التضليل المالي المشفوع بالورقة النقدية الزرقاء (الزرقلاف) وموائد الولائم… فما أسخف هذا الواقع وما أسخف أهله! لم تعد الرقعة الحزبية التقليدية، بأطرها ونقابتها المنهكة، تملأ الفراغ المجتمعي كما كانت. لقد صار الحزب الأكبر في البلاد اليوم هو حزب «الألتراسات» فوق مدرجات ملاعب الكرة، فبعد أن فشلت السلطات في إخضاعها كما فعلت مع الأحزاب والنقابات، أصبحت مباريات الدوري الساحة البديلة للتعبير السياسي، نسمع فيها شعارات تدين الحاكمين، وتحتج ضد غلاء أسعار المواد الأساسية، وتطالب بإسقاط التطبيع. وإلى جانب حزب المدرجات، يبرز الحزب الأكبر الآخر.. حزب «الحراكة»، الذين انضبطوا لنداء خفي يقضي بالتقدم نحو الأمام وتنفيذ الهروب الجماعي صوب إسبانيا.. وما يثير الدهشة حقًّا هو تزامن هذا الحراك، الممتد بين المدرجات والبحار، مع ذكرى وطنية للاحتفال بعيد العرش، وكأن المجتمع الموازي يرسم مشهده الخاص في التوقيت ذاته. بعد كل ما يقع ويجري أمام العالم من عبث ومخاطر، تجلس وتزعم أنك لم تفهم بعد لماذا يهرب المغاربة من مختلف الفئات العمرية.. أطفالًا ومراهقين، شبابًا وكهولًا وشيوخًا، إناثًا وذكورًا؟! وبعد كل هذا تستمر في التساؤل بكل استغراب عن أسباب عزوف الشباب عن السياسة والمشاركة… والحقيقة أن الشباب ليس عازفًا عن الاهتمام بالشأن العام، بل إنه غاطس فيه حتى أذنيه حين يختار المقاطعة. ويكفي لتأكيد ذلك التأمل في مواقف شباب حراك الريف الذين صدرت أحكام قاسية بحق قياداتهم، أو الاستماع إلى شعارات انتفاضة 20 فبراير، والإنصات لصرخات جيل زد Gen Z. إن المسؤولين يغلقون أعينهم ويصمون آذانهم كأنهم لا يرون حجم المخاطر الحالية والأشد خطورة في القادم من الأيام… و«الله يحضَّر السلامة»! هذا هو الشعار السرّي الذي تُنظَّم تحت ظلاله كل العمليات المخدومة. أما كان الأجدر بالحاكمين إلغاء هذه العملية برمتها، وتوقيف الدعم السخي الموجَّه للأحزاب والصحافة، والاعتكاف بدلًا من ذلك على صياغة حلول حقيقية قبل طوفان الغرق؟ حينها فقط سيكتشفون أنهم يسبحون «بلا مَايُّو»، وأن سوءاتهم باتت مفضوحةً أمام الجميع!

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 + 18 =

Check Also

تحسن الأداء الاقتصادي للصين

أفاد المركز الوطني للمعلومات التابع للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح،بأن الاقتصاد الصيني شهد…