Home اخبار عاجلة كيف خنقت «الكلبية السياسية» حلم الانتقال الديمقراطي بالمغرب؟
اخبار عاجلة - August 29, 2026

كيف خنقت «الكلبية السياسية» حلم الانتقال الديمقراطي بالمغرب؟

كيف خنقت «الكلبية السياسية» حلم الانتقال الديمقراطي بالمغرب؟

تحول مفهوم «الكلبية» (Cynicism) عبر التاريخ من فلسفة إغريقية قديمة تزهد في السلطة وتعري نفاقها بالتهكم، إلى متلازمة سياسية حديثة تعني النقيض تمامًا: غياب المبادئ، والبراغماتية الفظة، والانتهازية التي تحول الشأن العام إلى سوق للمنافع والمكاسب الشخصية والطبقية. في مغرب اليوم، لم تعد الكلبية مجرد سلوك عابر، بل تحولت إلى «عقيدة تدبيرية» غير معلنة تهيمن على المشهد الحزبي، لتقدم نموذجًا فَجًّا للسياسة بلا روح، والأيديولوجيا بلا مبادئ. سياق النشأة: أحزاب ولدت في «مختبرات الهندسة» لفهم النزعة النفعية التي تطبع المشهد السياسي المغربي الحالي، وتحديدًا القطب المهيمن (الأحرار والبام)، لا بد من العودة إلى تفكيك جينات النشأة وسياقات الولادة القيصرية التي مر بها هذان التنظيمان: • التجمع الوطني للأحرار (حزب الإدارة الدائم): تأسس في أواخر السبعينيات (1978) على يد أحمد عصمان تحت اسم «نواب جلالة الملك». لم يولد الحزب من رحم حركة اجتماعية أو نقابية، بل أُسس بقرار إداري واضح لمواجهة المد اليساري والمعارضة الراديكالية آنذاك. هذه النشأة رسخت في جينات الحزب عقيدة «الخدمة الوظيفية» للسلطة، والتحول إلى خزان للأعيان والتكنوقراط ورجال الأعمال الذين يربطون ممارستهم السياسية بحماية مصالحهم الاقتصادية وتوسيع نفوذهم المالي. • الأصالة والمعاصرة (الوافد الجديد لضبط التوازنات): جاءت ولادة «البام» عام 2008 في سياق مختلف حركيًا، لكنه متطابق بنيويًا. أُسس الحزب بقيادة فؤاد عالي الهمة ليكون «جرارًا» يسحق الصعود الانتخابي المتنامي للإسلام السياسي (حزب العدالة والتنمية)، وإعادة ضبط التوازنات الحزبية لصالح السلطة. هذه الولادة المرتبطة بالوظيفة الاستراتيجية جعلت الحزب يفتقر إلى جذور أيديولوجية حقيقية؛ فبدأ «حداثيًا» لمواجهة الإسلاميين، ثم تحول لاحقًا إلى حليف وشريك معهم ومع غيرهم بناءً على تبدل الخرائط، مما يؤكد أن البوصلة الوحيدة للحزب هي التموقع داخل مراكز القرار. التوجه الانتهازي النفعي: تجريد السياسة من الأخلاق يتجلى البعد «الكلبي النفعي» في الممارسة اليومية لهذين الحزبين (إلى جانب حزب الاستقلال ضمن التحالف الحكومي) في عدة مظاهر كرست تراجع الفعل السياسي: • زواج المال والسلطة: تحولت الأحزاب إلى منصات لحماية «الكارتيلات» واحتكارات السوق (الوقود، الفلاحة، العقار، والخدمات). أصبحت القوانين والتشريعات تفصل أحيانًا على مقاس المصالح الرأسمالية لرموز هذه الأحزاب، في تضارب صارخ للمصالح يفصل بين دور «المسؤول الحكومي» وصفة «رجل الأعمال». • تفريغ الانتخابات من المعنى (تسليع الأصوات): تعتمد هذه الأحزاب على «تكنولوجيا الأعيان» والنفوذ المالي لكسب المقاعد بدلًا من البرامج المقنعة. يتم شراء التزكيات واستقطاب كبار الناخبين القادرين على جلب الأصوات بوسائل مادية، مما حول الاستحقاق الانتخابي من محطة للتنافس الفكري إلى «سوق للمزايدات المالية». • السيولة الأيديولوجية الكاملة أو غياب أي خطوط حمراء في التحالفات: يمكن للحزب أن يتحالف مع أقصى اليمين أو أقصى اليسار في ذات الوقت، شريطة الحفاظ على نصيبه من «كعكة» الحقائب الوزارية والتدبيرية. كلفة «الكلبية السياسية» على الانتقال الديمقراطي إن سيادة هذا التوجه النفعي لم تمر دون إلحاق أضرار جسيمة بمسار الانتقال الديمقراطي في المغرب، والذي يبدو اليوم وكأنه يعيش حالة من «البلوكاج» أو التراجع البنيوي: • تبخيس العمل الحزبي ونشر «العدمية»: عندما يرى المواطن أن الأحزاب تتبدل مواقفها وتتنكر لوعودها بمجرد الجلوس على كراسي المسؤولية، يتولد لديه شعور بالخيبة والعدمية السياسية. هذا «التيئيس الممنهج» يقود إلى العزوف الانتخابي، وبذلك تفقد الصناديق شرعيتها الشعبية والأخلاقية، ويتحول المشهد إلى مسرحية باهتة يعزف عن مشاهدتها الجميع. • إفراغ المؤسسات من محتواها: تحولت مؤسسات مثل البرلمان والمجالس الترابية إلى فضاءات للمصادقة وتمرير القرارات دون نقاش حقيقي أو معارضة قوية. غياب «السياسة بمعناها النبيل» (تدافع الأفكار والمشاريع) يقتل الروح الديمقراطية، ويبقي فقط على الهياكل الجوفاء. • تحويل الديمقراطية إلى «واجهة» (Facade Democracy): يخدم السلوك الكلبي للأحزاب استمرار «الديمقراطية الواجهية»؛ حيث توجد انتخابات منتظمة، ومؤسسات، وتعددية حزبية صورية، لكن مراكز القرار الفعلي تظل بعيدة عن المحاسبة الشعبية، مما يجعل الانتقال الديمقراطي مجرد شعار للاستهلاك الخارجي. إن «الكلبية السياسية» التي تمارسها أحزاب الأغلبية الحالية في المغرب تمثل خطرًا وجوديًا على السلم الاجتماعي والمستقبل الديمقراطي للبلاد. عندما تصبح النفعية هي المحرك الوحيد، والانتهازية هي الذكاء السياسي، يفقد المجتمع ثقته في التغيير السلمي والمؤسساتي. وعليه، فإن مواجهة هذه العدمية الحزبية لا تتطلب إصلاح القوانين الانتخابية فقط، بل تتطلب عودة الأخلاق للسياسة، وإعادة الاعتبار للمواطن كشريك في الثروة والقرار، وليس مجرد رقم في معادلة الأعيان والتحكم.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

three × 2 =

Check Also

الاستثمار في زمن الضبابية.. كيف تختار وجهتك وسط تقلبات الأسواق؟

تضع اضطرابات التجارة وتقلبات أسعار الطاقة والفائدة، إلى جانب الإنفاق الضخم على الذكاء الاص…