عبارة ملكية للوطن

في خضمّ ما بدأ يتشكّل من خطاب انتخابي، لفت انتباهي أن بعض زعماء الأحزاب والمرشحين أخذوا يستندون إلى العبارة التي قالها جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025: “فلا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين”. ولا يثير استحضار هذه العبارة أيَّ استغراب، لأنها تختزل واحدًا من أعقد التحديات التي يواجهها المغرب اليوم. غير أنها تتجاوز في تقديري الشعار الانتخابي، وتتخطى حدود البرامج الحزبية، وتَمتدُّ أبْعَدَ من زمن الاسْتحقاقات نفسها؛ فهي تضع قاعدة وطنية واضحة: لا معنى لتنمية تترك جزءًا من الوطن في الخلف، ولا قيمة لتقدُّمٍ تقوده بعض المجالات وحدها بينما تنتظر مجالات أخرى دورها في التنمية والإنصاف. من هنا، لا أرى في هذه العبارة سندًا لحزب أو مرشح، وإنما أعتبرها معيارًا وطنيًا ينبغي أن نقيس به البرامج والاختيارات والوعود. والسؤال الحقيقي ليس من يكرر العبارة أكثر، وإنما من يملك تصورًا جادًا لإنهاء مغرب السُّرعتين، ومن يستطيع أن ينقل العدالة المجالية من مستوى الخطاب إلى واقع الناس. لذلك أقف عند هذه العبارة لأنها تفتح نقاشًا يتجاوز الانتخابات، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقة المركز بالأطراف، وفي معنى الإنصاف، وفي المغرب الذي نريد أن نبنيه، بكل جهاته ومجالاته. مَغربُ المُستقبل لا يُبنَى بنصْف جُغرافيا أجمع المحللون السياسيون على أن هذه العبارة الملكية شكّلت لحظةً استثنائية في بلورة رؤية تتجاوز ظرفية المناسبة، لتلامس جوهر مشروع وطني متكامل. في عبارة موجزة وعميقة، اختزل جلالة الملك محمد السادس إحدى أعقد الإشكاليات التي تعترض مسار البناء التنموي: التفاوت والتّمييز المجَالِيَان. فهي عبارة تنتمي إلى زمن الاستبصار لا إلى زمن التبرير، لأنها تزعزع البُنى الذهنية التي ألفت التعايش مع مغرب مندمج في دوائر الاقتصاد العالمي، ومغرب آخر ما يزال عالقًا على هامش التنمية والخريطة. وهي، في الآن نفسه، دعوة صريحة إلى إعادة ترتيب البيت الوطني وفق منطق العدل والإنصاف، لا بمنطق النجاعة وحدها. لم أرَ من يتوقّف طويلًا عند السؤال الجارح الذي تخفيه الجملة بين كلماتها: كم من مغربي ما يزال يعيش خارج إيقاع الوطن، في زمن بطيء، وفي انتظار طال حتى فقد طابعه المؤقت؟ لا يكتفِي هذا السؤال بكشف فجوة تنموية، وإنما يضع منطق التفاوت نفسه موضع مساءلة أخلاقية ووطنية. من هنا تكتسبُ العبارة قوَّتها: فهي لا تصفُ واقعًا قائمًا، وإنما تحذّر من استمراره، وتدعو في الآن نفسه إلى إعادة بناء الوطن على قاعدة الإنصاف، حتى لا يواصل بعض المغاربة العيش في قلب الحركية الوطنية، بينما يبقى آخرون عالقين في هوامشها. ما أثارني حقًّا هو الطريقة التي تعامل بها هذا المرشح أو تلك المرشحة مع العبارة، إذ جرى استهلاكها بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها الأخبار العاجلة، من غير التوقّف عند ما تختزنه من دلالات وما تفتحه من أسئلة: بسرعة، ودون تفكُّر، كأننا لا نعيشُ العبارة يوميًا. هذه ليست جملة سياسية، إنها عبارة وجودية: سؤال عن معنى الوطن، ومعنى السير معًا، ومعنى ألا يتركَ أحدٌ خلفَهُ أحدًا. لذلك، تؤكد العبارة الملكية ضرورة بناء مغرب موحّد يقوم على العدالة المجالية، ويمنح المواطنين الحقوق والفرص نفسها في المدن والقرى وفي المركز والمناطق البعيدة. فالتفاوت في التعليم والصحة والاستثمار يضعف الثّقة والانتماء ويُهدِّد التماسك الاجتماعي. لأجل ذلك، يحتاجُ المغربُ، أمَام استحقاقاته الكُبرى، إلى تنمية متوازنة تضمن تقدّم جميع مَناطقه بسُرعات مُتناغمة ومُتقاربة. انتَهى زمنُ المفَاضَلة لا تتحقَّقُ التنمية الحقيقية إلا حين يشعر الطفل في القرية النائية أنه يملك الحقوق والفرص نفسها التي يملكها نظيرهُ في المدينة؛ فمغرب المستقبل لا يقوى إلا بإنصاف مجالاته بعد طول تهميش، لأن العدالة المجالية شرط للنهضة والاستقرار والانتماء. من هنا تكتسبُ العبارة الملكية قوَّتها؛ إذ تشخّص خللًا يتجاوز تفاوت الجغرافيا إلى تفاوت الثقة والطموح والإحساس بالقيمَة. وحين يعود المرشَّحون اليوم إلى العبارة الملكية فإنهم يضعون أنفسهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، أمام امتحان أكبر من الحَمْلة الانتخابية نفسها. لا تَمنحُ هذه العبارة أحدًا رصيدًا سياسيًا لمجرد تكرارها، ولا تُصْنع المصداقية بكثرة الاستشهاد بها، فقيمتها الحقيقية تبدأ حين تتحول إلى التزام قابلٍ للقيَاس: ماذا سيفعل كل مُرشَّح من أجل القرية المنسيّة، والمدينة الهامشية، والمدرسة المتأخِّرة، والمستشفى البَعيد، والشَّابّ الذي ينتظر نصيبَه من المسْتقبل؟ من هذا المنظور، يتجَلَّى الفرق بين مَنْ يستعيرُ العِبارة ومن يستَحقُّها. ستنتهي الحَملة الانتخابية، وتسقط الشِّعارات من الجُدران، وتتغير الوُجوه داخل المؤسَّسات، ومع ذلك، سيظلّ السؤال الذي أطلقته العبارة الملكية قائمًا فوق الجميع، يلاحق الخطاب والممارسة معًا، ويقيس صدقية كل مشروع بقدرته على تحويل الإنصاف من وعدٍ معلن إلى واقعٍ ملموس: من سيجعل المغرب يسير فعلًا بسُرعة واحدة؟ عندها لن تُحاكِمَنا صناديقُ الاقتراع وحْدها، وإنّما ستُحاكمنا الجُغرافيا نفْسُها. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر. The post عبارة ملكية للوطن appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
هجمات الحوثيين تختبر صمود السعودية
قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان الاثنين إن المملكة تواجه “اختبارا حقيقي…







