حين يصبح الاستهزاء بالدين رأيا من يحمي حمى الملة والدين؟

حين يصبح الاستهزاء بالدين رأيا من يحمي حمى الملة والدين؟ هوية بريس – إبراهيم الطالب ثمة شيء خطير جدا يتشكل أمام أعيننا منذ سنوات، ولم يعد من المقبول التعامل معه بوصفه حوادث متفرقة، أو “آراء شخصية”، أو مجرد تعبيرات صادمة تدخل في باب حرية الفكر والتعبير. لقد أصبحنا نسمع، وبوتيرة متزايدة، كلاما يمس دين المغاربة، وينال من تراثهم، ويستخف بعلمائهم، ويطعن في مصادرهم الدينية، ويتجرأ بشكل دوري على مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يمر كل ذلك تحت عناوين براقة: “نقد التراث”، و”محاربة الفكر المتطرف”، و”التنوير”، و”الحداثة”. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل اليوم: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ المسألة أكبر من تصريح لهذا الشخص أو ذاك، وأعمق من متابعة فيديو أو تدوينة أثارت غضب الناس أياما ثم نسيت. إننا أمام مسار بدأ منذ أكثر من عقدين، يوم تغير العالم بعد أحداث 11 شتنبر 2001، وما تلاها من إعلان “الحرب على الإرهاب”، ثم انتقلت آثار هذه الحرب إلى المغرب بقوة بعد أحداث 16 ماي 2003. نعم! كان الواجب أن يحارب الإرهاب؛ فالقتل والتكفير واستباحة دماء الأبرياء جرائم لا يدافع عنها دين ولا عقل. لكن الذي حدث بعد ذلك هو أن دائرة الاتهام أخذت تتسع شيئا فشيئا وبشكل ممنهج. فقد بدأت بالإرهابي، ثم انتقلت إلى الجماعات الإسلامية، ثم إلى الدعاة، ثم إلى العلماء، ثم إلى كتب الفقه والحديث، ثم إلى المقررات الدراسية، ثم أصبح “التراث الإسلامي” نفسه متهما بأنه يحمل بذور التطرف وأن من يدرسونه هم مسؤولون عن وجود التطرف والإرهاب. وبدعم وضغط وتمويل من أمريكا نفذت توصيات مراكز دراساتها الاستراتيجية، بأيدي الدول، فوجد خصوم الدين التاريخيون فرصتهم، فانتقلوا من محاربة الإرهابي إلى محاكمة التراث. ونذكر هنا حقيقة مهمة، فقبل 11 شتنبر كان الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين معروفا. كان لكل طرف كتبه وصحفه ومنابره ومفكروه، وكان النقاش يدور حول الشريعة والمرأة والدولة والحريات والحداثة والعلمانية. لكن قواعد اللعبة تغيرت منذ إعلان أمريكا “الحرب على الإرهاب” وتهديد رؤساء العالم ودولهم، بأن هذه الحرب الناس فيها والدول إما مع أمريكا أو ضدها. فكما أخضِعت الدول في العالم لتَقبل بالانخراط في الحرب ضد عدو هلامي اسمه “الإرهاب والتطرف”، أخضِعت كذلك النخب وصار الجميع يقدم دليل براءته من الإرهاب والتطرف بشيطنة كل ما يمت للإسلاميين بصلة، ولا يجرؤ على ردّ هجمات العلمانيين حتى لا يحسب عليهم. وهنا وجدها العلمانيون فرصة سانحة للانتقال إلى إدارة حرب إيديولوجية متطرفة، فلم يعودوا يقولون فقط: نحن نختلف مع الفقهاء في هذا الحكم، أو نرفض تصور الإسلاميين للدولة والمجتمع؛ بل أصبح بالإمكان الذهاب أبعد من ذلك والقول: هذا التراث نفسه هو الذي يصنع الإرهاب. فتحول الخصم الفكري إلى متهم بل مجرم، وأصبح من السهل أن يوضع الفقيه والداعية والكتاب القديم والمقرر المدرسي في سلسلة واحدة تنتهي بـ”التطرف”. ولقد رأينا على امتداد العالم الإسلامي كيف انتقلت المعركة إلى المناهج التعليمية والإعلام والدراما والمساجد والخطاب الديني والكتب والمفاهيم الشرعية. وأصبحت مؤسسات ومراكز أبحاث غربية تتحدث صراحة عن “الإسلام المعتدل” (راند)، وعن دعم تيارات بعينها، وبناء شبكات من المسلمين الذين يمكنهم المساهمة في إعادة تشكيل المجال الديني والفكري. لذا لا ينبغي أن يختزل الصراع بين العلمانية والإسلام في المغرب في شخص د. الفايد ولا في تصريحاته، بل يجب على النخب العالمة المفكرة، بعد ربع قرن من 11 شتنبر، أن تعيد فتح الملف كله. فالأدلة والشواهد تدل على أن ظاهرة الاستهزاء بالمقدسات نشأت في المغرب في جو الحرب على الإرهاب، والتي اعتمدت أسلوب ترهيب الناس، وتكميم الأفواه، وتوسيع دائرة الاشتباه، وصار كل من تكلم أو تضامن مع المقاتلين المدافعين عن بلادهم في أفغانستان والعراق، يتهم بالإشادة بالإرهاب، وبالمقابل تم تمكين العلمانيين من المنابر والتلفزيونات والندوات، وكانوا يلهون الناس عن الجرائم الكبرى التي كانت ترتكبها أمريكا في العراق باسم الحرب على الإرهاب، وفي أفغانستان حيث مارست التدمير والتقتيل طوال عشرين عاما، والعجيب أنها خرجت منها وعادت طالبان إلى كابل. وخلال هذا المسار المظلم كانت الجرائد المغربية تنشر مقالات بعناوين من قبيل: “عندما تكذب أمة على نفسها” للبرلماني الاشتراكي السابق والنائب عن قرية أبا محمد، قال فيه: “الكذبة الأولى: أن الإسلام هو الدين الوحيد عند الله ومن يبتغي غيره فلن يقبل منه.. الكذبة الثانية: أننا خير أمة أخرجت للناس.. الكذبة الثالثة: أن الغرب يعادينا من أجل ديننا، وأننا نعيش حربا صليبية ثانية.. الكذبة الرابعة: أن الإسلام دين الرحمة والرأفة.. الكذبة الخامسة: إن كل ما حرمته علينا شريعتنا هو خير لنا.. الكذبة السادسة: أن الإسلام حرر المرأة.. الكذبة السابعة: أن ابتعادنا عن ديننا هو مصدر شقائنا وتخلفنا، والحال أنه هو الذي ابتعد عنا ولم يعد يطاوع معطيات عصرنا، لأنه توقف في عهد ابن تيمية، وتوقف معه كل اجتهاد وعطل أفضل عضو في جسدنا وهو العقل، وأضاف إلى ذلك بث ثقافة الاتكالية في تفكيرنا، فعندما نعجز عن تحليل الأشياء بالعقل والمنطق نردها إلى الله”. جريدة الأحداث (ع:2648). الجريدة نفسها كانت منبرا للحرب على التدين والإسلام، حيث كانت مقالاتها اليومية تشن حربا يومية على الدين والمتدينين، وبالمقابل كانت تمعن في الدفاع عن شواذ القصر الكبير، وتجتهد في التطبيع مع اللواط/الشذوذ والدفاع عن البغاء والعري ونشر آلاف الصور الخليعة (ملحق من القلب إلى القلب، بانوراما، الموعد الفني، العدد الأسبوعي..) علما أن ذلك يخالف الدين والقانون، كما كانت ولا تزال تشجع السينما التي تطبع مع الجنس، والدفاع عن اللوبي الصهيوني، ونشر أخبار ومغامرات مشاهير الفن، وتقديمهن كقدوات للمرأة المغربية (ع: 3215)، ورمي كل من استنكر تلك الأفعال القبيحة بالتطرف والأصولية! وفي حربها المستمرة على الحجاب والإصرار على إنكار فرضيته، نشرت الجريدة مجموعة من المقالات منها مقال العلمانية الحاقدة -التي تبيح الصلاة للحائض والمتبرجة وتطالب بصلاة المرأة مع الرجل جنبا إلى جنب في صف واحد- مستوردة لمقالات الملحدة اليمنية إلهام مانع (ع:2637)، وانظر كمثال كذلك مقال “مثلث برمودا الفكري: نقاب، حجاب، وجلباب” (ع:2843)، كما نشرت (ع3804، 07/09/2009) تحت ركن “عندي عندك” صورة لامرأتين عاريتين تماما سوى من خيط رقيق يستر دبريهما معلقة على الخبر الذي أوردته إحدى اليوميات: “حجاب عصري وأزياء ضيقة قصيرة لمواجهة حر الصيف”، بقولها: “الله يرحم أيام المايو دو بييس، دابا ما كاين غير الخناشي، الله يستر”. أما المساس بالدين ونبي الرحمة فحدث ولا حرج، فقد وصف عصيد رسائل النبي صلى الله عليه وسلم بالإرهابية، وقال إن “المشكلة ليست في المسلمين فقط بل تكمن في صميم الدين الإسلامي وبين ثنايا نصوصه”!! ودعا في سلسلة تنوير إلى التخلص من هوية الإسلام القاتلة، وشدد على كون الدين صنعا بشريا محضا وأنه “مرحلة من مراحل تطور العقل للبشرية، بدأت بالأسطورة، ثم بتعدد الآلهة، ثم التوحيد، ثم العقل العلماني المعاصر” (قدر العلمانية في العالم العربي). جريدة أخرى تولت مهمة الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وهي منبر “آخر ساعة”: حيث اتهم عبد الكريم لقمش النبي صلى الله عليه وسلم بزنى المحارم، وطعن بشكل مباشر وصريح في رسول الله وادعى أن من أرسله الله خاتما لرسالاته كان كل همه النساء، وأنه أحل لنفسه ما حرمه على غيره!!! ولم يتوقف لقمش عند هذا الحد بل زاد في تدوينة على حسابه بالفيسبوك: “أن النبي كان مكبوتا وعقله في عضوه التناسلي”. (عدد الأربعاء 19 من أكتوبر 2016). ومن خلال ما سبق يتبين أن ما نعانيه اليوم من جراءة اللادينيين على ارتكاب جريمة الاستهزاء بالثوابت والمقدسات والتنقص من مولانا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نتيجة لإفساح الدولة للعلمانيين وإطلاق العنان لهم تحت وطأة الحرب على الإرهاب، لذا، فهي مدعوة اليوم وبإلحاح إلى تصحيح هذا الوضع، فتشويش اللادينيين على معتقدات المغاربة وثوابتهم قد بلغ الآفاق، وفاق كل الحدود. إن هذه الجرائم الممنهجة والمنسقة التي تستهدف الدين والمقدسات والسنة والرسول صلى الله عليه وسلم تستحق مراجعة لمرحلة كاملة استعملت فيها كلمة “التطرف” استعمالا فضفاضا حتى أصبحت سيفا مسلطا على كل حضور قوي للدين في المجتمع. وإذا كانت الدولة قد تحركت بعد 2003 لحماية “الأمن الروحي” للمغاربة، وأعادت هيكلة الحقل الديني، ونظمت الفتوى، وراقبت المساجد، وأعادت النظر في التعليم الديني، وحاصرت كل خطاب اشتبهت في اقترابه من التطرف؛ فإن للمغاربة اليوم حقا مشروعا في السؤال: أليس الاستهزاء بدينهم تهديدا لأمنهم الروحي أيضا؟ وهل الأمن الروحي مهدد فقط من المتطرف الذي يغلو في الدين، ولا يهدده من يحتقر الدين؟ بل للجميع أن يتساءل: من يحمي حمى الملة إذا لم تظهر هذه الحماية عندما تنتهك حرمة الملة؟ ولنا أن نتساءل أيضا: أين العلماء؟ ولماذا أصبحت ردود الفعل على كثير من القضايا الكبرى تأتي من أفراد متفرقين على مواقع التواصل، بينما المؤسسات العلمية التي أنشئت أصلا لحراسة المرجعية الدينية وتنفيذ اختصاصات حماية الملة والدين لا يسمع المواطن صوتها إلا قليلا؟ إننا في هذا المقال إذ ندعو الدولة أن تتدخل في هذه الفوضى فإننا فقط نطالبها بحماية الهوية المغربية التي كثرت عليها الهجمات من كل مكان، ولا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أننا ندعو إلى إغلاق الأفواه أو منع البحث أو إقامة محاكم للتفتيش في الضمائر. ونريد في المقابل ألا يصبح المسلم غريبا في بلده، يرى مقدساته تنتهك ثم يقال له: اصمت باسم حرية التعبير، فالحرية مسؤولية أيضا. ونكررها مرة أخرى، بعد أكثر من عشرين سنة من “الحرب على الإرهاب” التي تحولت إلى حرب على الإسلام، آن الأوان لأن نعيد التوازن إلى النقاش وإلى الفكر وإلى السياسات. وإلى ذلك الحين سيبقى المغاربة يتساءلون: من يحمي دينهم أمام كثرة الهجمات؟ ومن يدافع عن حرمة نبيهم صلى الله عليه وسلم؟ ومن يصون تراث أمتهم من أن يتحول إلى مادة للتهكم؟ وأين العلماء حين يحتاج الناس إلى بيانهم؟ وأين النواب والأحزاب والجمعيات حين تمس هوية الأمة التي يتحدثون باسمها؟ وهذه الأسئلة تبحث فقط، عن قيام كل صاحب مسؤولية بمسؤوليته. فالأمة التي لا يغار علماؤها على علمها، ولا سياسيّوها على هويتها، ولا مؤسساتها على مقدساتها، تترك فراغا سيملؤه أعداؤها. إنها أمانة، والأمانة يُسأل عنها من حملها. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم The post حين يصبح الاستهزاء بالدين رأيا من يحمي حمى الملة والدين؟ appeared first on هوية بريس.
زيت الزيتون.. مهني يبشر المغاربة بموسم وفير وأسعار مناسبة
هوية بريس-متابعات بشّر مهني في قطاع عصر الزيتون بمنطقة سوس المغاربة بموسم واعد من حيث وفرة…





