Home الصحافة المغربية في البحث عن سياسة أهلية بالمغرب (1933م)

في البحث عن سياسة أهلية بالمغرب (1933م)

في البحث عن سياسة أهلية بالمغرب (1933م)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم يبدو جليا أن الأساليب التقليدية للسياسة الأهلية في شمال إفريقيا، ولا سيما في المغرب، لم تعد كافية في ضوء التطور السريع للغاية، للمواقف الإسلامية في السنوات الأخيرة. ففي تونس، يعتبر الوضع السياسي خطيرا للغاية، ويبدو أن هيبة الدولة الحامية قد تضررت بشدة، كما يتضح من البيان الصادر عن الحزب الدستوري، الذي يتزايد أتباعه باضطراد، ألم يطلب “تونس للتوانسة” بدستور جديد، وبرلمان ومحاكم أهلية خالصة، لجميع سكان الوصاية؟ وفي الجزاير أنصار حزب الشباب المسلم، يحاولون تنظيم صفوفهم عبر الصحف والمطبوعات المختلفة، لاستقطاب اهتمام النخبة المسلمة في العالم أجمع. كما أن الاضطرابات الأخيرة المثارة بالمغرب، حول ظهير 16 ماي 1930 المسمى بالظهير البربري، والمعادية للسامية، والدعايات المنسقة ضد فرنسا في المدن، أسفرت عن استياء متزايد، بين من يتمتعون الآن بالحماية، كما لا يخلو مَن أنشأ مركز نفوذ في هذا البلد، من قلق، بحيث لم يعد من ذكروا آنفا، متأكدين من استمرار النظام والأمن فيه. لاشك أنه من المجحف اتهام الحكومات المركزية هنا بالقصور، وإدانة فشل أساليبنا الاستعمارية فحسب، فقد أحدثت الأوضاع الجديدة التي نشأت عن حرب 1914 تغييرا جذريا في جميع الشعوب، ولاسيما مسلمي شمال إفريقيا، لدرجة استحال معها المتنبئون في الوقت المطلوب، بالتدابير المناسبة التي من شأنها منع ردود أفعال عنيفة. علاوة على ذلك، من المؤكد أن الاتهامات التي يوجهها إلينا المحرضون المسلمون، غالبا ما تشوبها سوء نية سافرة، وعلينا التخلي عن أي محاولة لإقناع بعض المتشددين تحديدا، بسبب زيف ادعاءاتهم، ومع ذلك لا بد من الاعتراف بأن الأمور، لا تسير دائما على ما يرام، حتى في أفضل العوالم الممكنة. وسنحاول في السطور التالية، فيما يتعلق بالمغرب، أن نبين ما يمكن فعله، لتقريب شعبين، يبدوان اليوم، أنهما يتباعدان، بعدما كادا يتفاهمان. *** إن سياسة التآلف والتعاون، التي تشكل جوهر الحماية، إلى جانب رعايتها للسكان، تبْدُرُ المُبادرات، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر، وتوحيدها لتقريب المصالح، ولذا كان من المعتاد في بدايات الحماية المغربية، عقد اجتماعات أسبوعية أو شهرية في دار المخزن، وهو مجلس وزراء يرأسه جلالة الشريف، ويحضره بالإضافة إلى الوزراء المسلمين، مستشار الحكومة الشريفية، ومدير الشؤون الأهلية، ورؤساء الإدارات الرئيسية، الذين كانوا يطلعون المجلس على مختلف مظاهر النشاط الحكومي، وقد كان لهذه الممارسة ميزة حقيقية للوصول إلى فهم أعمق لبعضنا البعض، وذلك متمثل في رجال المخزن، وكبار المسؤولين الفرنسيين المكلفين بالمتابعة في هذا البلد. مهام التجديد التي خططت لها معاهدة 1912 سمحت بتعريف الحكومة الشريفية بأساليبنا الإدارية الحديثة، بشكل أفضل، والتي كانت استشارتها مفيدة، إن لم تكن ضرورية في العديد من الأمور. ومن الصعب في ظل هذه الظروف، فهم سبب التخلي عن هذا التقليد الناجح، وسبب التردد في العودة إليه. في السابق، كان يُشترط قبل أي نقاش، مراجعة جميع مسودات اللوائح الجديدة، التي تعِدها مختلف الإدارات بدقة، من قبل مديرية الشؤون الأهلية، وقبل إحالة النصوص المقترحة، إلى قسم الدراسات التشريعية، كانت المديرية، تدرس تأثيرها المحتمل على عقول وعادات الأهالي، وتستشير عند الضرورة، كبار المسؤولين الشريفيين. لدى الكثيرين في المغرب انطباع، بأنهم يعيشون في مجتمع فرنسي خالص، ونرى البعض يسنون القوانين، ويتصرفون ويبتكرون، دون مراعاة للبيئة المحلية، التي نعيش فيها. يبدو التعاون بين العناصر الفرنسية والأهلية أمر مرغوب فيه للغاية، على جميع مستويات الإدارة، مجالس غرف الفلاحة والتجارة الأهلية، والقسم الأهلي في مجلس الحكومة، الذي أنشأته سياسة حكيمة للسماح باستشارة العناصر المحلية، بحيث لا يتم اجتماعاتها بشكل كاف دون حضورها، وإن كان ناذرا ما يتم طلب رأيها، وبينما تثقل كثرة الإجراءات الإدارية كاهل مختلف خدمات المحمية، لا يوجد عدد كاف من الموظفين المؤهلين، لمتابعة التعليم اللازمي داخل المخزن نفسه، والذي للأسف ما يزال يتعين عليه القيام به، بالكامل تقريبا. لا يكفي تقديم النصوص التي ستظهر في الجريدة الرسمية إلى ختم الصدر الأعظم، دون تعليق أو شرح عليها، ليكون ذلك تطبيقا سليما لمبادئ المحمية، وبالمثل كما أوضحنا في (l,afrique francaise سنة 1933 ص 74 و161) في مجال معين، يمكن أن يكون لوزارة العدل مسؤوليات أخرى، غير تلقي الشكاوى ودراستها، ويبدوا أنه مسؤول بشكل خاص، عن المساهمة في تشكيل هيئة قضائية جديرة بهذا الاسم، أما في الإدارة الأهلية المحلية، فلا يلاحظ نقطة تعاون حقيقي واضحة. نتذكر حين كان رئيس الخدمات البلدية، يحرص على الاجتماع أسبوعيا، على بَرَّاد شاي مع السلطات المحلية -باشا، قاض، محتسب، ناظر ومعاونيه الرئيسيين-؛ حيث كانوا يحللون ويناقشون مختلف أحداث الحياة الإدارية، والاقتصادية للمدينة معا، وكانت هذه الاتصالات المنتظمة، دروسا قيمة لكلا الطرفين. من المؤسف حقا التخلي عن هذه الممارسة الناجحة. يشعر زعماء القبائل الأهلية، في كثير من الأحيان، بالاستبعاد من الإدارة والعمليات الإدارية التي ينبغي إشراكهم فيها بشكل متزايد. في القبائل، غياب التعاون بين الإدارة الأهلية والإدارة الفرنسية، يظهر من زاوية مختلفة بعض الشيء، بدون شك جهاز الرقابة المدنية المغربي، يبدو حاليا كجهاز الشؤون الأهلية؛ جهازا نخبويا، إذ لا يقبل المرشحون لولوجه، إلا بعد امتحان تنافسي شديد، بشروط قبول صارمة للغاية، ويُطلب من مراقبي الرقابة المدنية طوال معظم مسيرتهم المهنية، تعلم اللغة العربية وإتقانها، ولطالما أسندت إدارة الرقابة المدنية لقادة بارزين، أسهم تأثيرهم الإيجابي إسهاما كبيرا في إرساء تقاليد راسخة، تشهد على ضمير حي، وولاء مطلق، وهو ما يستحق التقدير. لكن تجدر الإشارة إلى أنه في كثير من الأحيان، تحل الإدارة المباشرة محل الحماية، بمعنى السلطة المسيطرة في ظل قائد أهلي جاهل، أو غير كُفْءٍ، وبدافع حرصها النبيل، على ضمان أفضل إدارة لشؤون الأهالي، تتدخل هي لتدير شؤونهم فعليا، ويكون القائد مجرد منفذ لقراراتها، وفي أوقات أخرى يقع عكس ذلك؛ فعندما يتعلق الأمر بقائد أهلي، اعتاد على استقلال مفرط، من خلال ممارساته الطويلة، فإن السلطة تحد من نشاطها، وتقتصر على تسجيل القرارات التي تم اتخاذها بحضورها “المراقبون المدنيون يشكون” بحيث كتب لي أحد مراسليَّ؛ “من أنهم لم يعودوا يتلقون من أية جهة كانت أدنى نصيحة أو إشارة، بشأن السياسة الأهلية” ويبدو هذا اللوم مبالغ فيه، فبينما أكتب هذه السطور، يوجد تحت عينـي تعميم صادر من مكتب رئيس الوزراء بتاريخ 5 يوليوز 1929، يحدد بوضوح ودقة المبادئ الأساسية المتعلقة بمراقبة القبائل، وكذلك تعميم آخر صادر عن مكتب رئيس الوزراء بتاريخ 6 نونبر 1930 بشأن اجتماعات أقسام الشؤون الأهلية في غرف التجارة والفلاحة، لتحديد خطوط برنامج العمل السياسي والإداري، ومع ذلك يصح أن الإدارات المعنية لا تراقب بدقة أعمال موظفيها، فعلى سبيل المثال، منذ الاضطرابات التي أحاطت بما يسمى بانتفاضة “الظهير البربري” يبدو أن المراقب المدني هذا لم يكن على علم بتحرك الرأي العام، أو العقوبات المفروضة أو حتى أسماء الأهالي المدانين، بهذه الدعاية الخطيرة. ويعزوا البعض هذا القصور، إلى الخلافات بين مختلف الأجهزة المسؤولة، عن حل قضايا محددة، تتعلق بسياسة الأهالي. *** على أي حال، يبدو أن قاعدة كل الأعمال الناجحة، تثير أولا مسألة توظيف قادة أهالي حكماء، ومسألة الاختيار هذه، حساسة بين ممثلي العائلات العريقة، التي كانت متواجدة في المخزن القديم، تدير شؤون القبائل لفترة طويلة، وبين شباب تلقوا تدريبهم في الكوليجات الإسلامية Colleges musulmans التي أنشأناها. نعتقد أنه لا توجد قاعدة مطلقة في هذا الشأن، إذ لا شك أن تجارب استخدام قادة أهالي صغار السن أجانب عن القبيلة التي سيقودونها، لم تكن ناجحة دائما، ولكن يعود ذلك إلى أن هذه التعيينات، تمت دون استشارة سلطات المراقبة المحلية المسؤولة، ودون دراسة كافية عن خلفيات المرشحين. يبدو أن الوضع الأمثل، الذي لا يمكن تحقيقه فورا، يتمثل في اختيار قياد محليين، ينتمون إلى عائلات مخزنية عريقة، وتلقوا توجيها من شيوخنا، عندها فقط يمكن لسلطة الإِشراف، أن تحاول تطبيق مبادئ التعاون الفعال، ولكن يبدو أنه يمكن إحراز تقدم متميز بالفعل، إذا انتشرت الممارسات المتبعة في بعض المناطق، وهي أن يقوم القائد بإجراء الفحص، ولكن بحضور شيوخه، لأن مجرد وجود وجهاء قبيلته، إلى جانبه أمام المراقب، غالبا ما يكون كافيا لمنع الانتهاكات الكامنة في ممارسة هذه السلطة الأهلية، الغير متعلمة بشكل كاف، علاوة على ذلك يجب ألا ننسى أن القائد عادة ما يكون انعكاسا لمن يشرف عليهم. فقد عرفنا قيادا أهليين نزهاء يقِظين، ونشطين في ظل إدارة معينة، لكن أصبحوا في ظل إدارة أخرى فاسدين كسولين وبلا سلطة، وبالتالي يجب أن يتم تعيين كل مشرف وفقا لعقلية القياد الأهالي في المنطقة، ودرجة تطور الاستيطان، على سبيل المثال، دون الأخذ بنظر الاعتبار فقط، المسؤوليات العائلية، أو المناخ، أو الميول الشخصية. وأخيرا من الضروري أن يكون جميع المسؤولين مهما كانت صفتهم، من المراقبة على السلطات الأهلية من أي نوع، تابعين دائما للسلطة الإقليمية المسؤولة عن النظام والأمن، فمن غير المنطقي أن تُبْقي المفوضين الحكوميين المعينين في المناطق المحلية بالمدن، مستقلين إلى حد كبير عن هذه السلطة، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الاضطرابات الأخيرة المعادية للسامية، التي كانت شبه معدومة في المدينة الوحيدة، حيث يعتبر المراقب المدني فيها، نائبا مباشرا لمفوض الحكومة. *** تطلب إنشاء المدن الجديدة والمباني الإدارية، فضلا عن متطلبات البنية التحتية الاقتصادية، نفقات باهضة، ورغم أنه من المتوقع، أن ترتفع إنتاجية البلاد الفعلية، خلال بضع سنوات، إلا أنها لم تشهد تحسنا ملحوظا بعد، ونتيجة لذلك، يتعين على المنتجين والتجار والمستهلكين الأهالي، دفع ضرائب أعلى بكثير مقابل حجم مبيعات أو دخل، يعادل تقريبا ما كان عليه عام 1912. ومع ذلك لم يتطور المغربي بما يكفي، لقبول الضرائب مقابل الخدمات العامة، بل إنه يفضل بالتأكيد الاستغناء عن أي خدمات عامة، وعدم دفع الضرائب على الإطلاق. لا شك أن الدولة الحامية تتحمل مسؤولية محددة، تتمثل في تزويد السكان الخاضعين لرعايتها، إلى جانب توفير الأمن العام والخاص، بالقدرة الميكانيكية والمال والائتمان، والعلوم والنظافة العامة، التي من شأنها أنعاش الأنشطة الكامنة، لهؤلاء السكان ومضاعفة أعدادهم بتهيئة أراضهم. وإذا كان من الضروري فرض ضرائب جديدة عديدة لتيسير التنمية الاقتصادية للبلاد، فعلا الأقل كان من الممكن تجنب فرض ضرائب غير شعبية، كضريبة رخصة- العمل، على سبيل المثال، فهذه الضريبة الأخيرة التي تؤثر على الجميع، من أصغر وأكبر أصحاب المتاجر في الأسواق، إلى حرفيـي النِّعال أو البرنوس – تبدو غير محتملة لدافعي الضرائب المتضررين منها، نعرف حالات لتجار يدفعون رسوم رخص العمل في المدن والريف، على البضائع التي يجلبونها من المدينة إلى أسواق الريف! يبدو أننا نسينا بالفعل، أن هذه الضريبة تسببت في [مشاكل] عام 1920 في كل من الرباط وفاس، حيث نظم إضراب للعمال، بدعم من صندوق جرى دعمه في المساجد. الترتيب: وهو ضريبة تفرض على المحاصيل، أحيانا بشكل تعسفي، ودون مراعاة كافية لظروف دافع الضريبة الأهلي، وناذرا ما يحصل دافع الضريبة الأهلي على إعفاء أو تخفيض، مهما كان مشروعا -بينما يُنتَصر للمستوطن الأوروبي – وفي بعض الأحيان تزيد رسوم التحصيل، عن المبلغ الأصلي المراد تحصيله، بسب التعويضات الخاصة التي يفرضها محصلوها من أعوان الإدارة على الملزمين بالرغم من تعويضهم من قبل الأخيرة، مما يجعلها تبدوا مستفزة للغاية، لأنها تذكر بضريبة المُونة عند موظفي المخزن قبل الحماية، ومن المؤسف أن المراقبين المدنيين الذين يستحقون الثناء على احتجاجهم عن هذه الممارسة المشينة، لم يجدوا أي دعم من السلطات العامة. علاوة على ذلك تجدر الإشارة عموما إلى الميل المتزايد للدوائر الحكومية، إلى تجاهل آراء أو نصائح المفتشين بشكل منهجي، قد تؤدي تصرفاتهم التي غالبا ما تكون غير موفقة أو في غير وقتها، إلى سوء فهم مؤسف، بينهم وبين من هم تحت سلطتهم. *** وتعد مشكلة تعليم الأهالي في المغرب من أكثر المشاكل حساسية، ومن المسلم به عموما أن “التعليم على النمط الأوربي، المقدم لشعوب غير ملائمة له، قد أسفر عن نتائج محزنة ومقلقة في كل مكان”؛ وهناك شبه إجماع على المبادئ العامة لتعليم الأهالي، مؤكدين على أنه من واجبنا ومصلحتنا تعليمهم وتنظيم تعليمهم، بطريقة عملية ومادية وواقعية وعلمية. ومن الواضح أنه في جميع مسائل الأدب والفن والفلسفة والدين، تعتبر كل حضارة نفسها متفوقة على غيرها، وتبقى مقولة غوستاف لبون صحيحة “لا يوجد سوى تفوق واحد لا جدال فيه، وهو تفوق العامل” علاوة على ذلك، تشكل المعرفة العلمية إذا ما تم تدريسها بشكل صحيح، ربما أفضل أنواع الأخلاق، فالدقة العلمية مصدر للأمانة، أحيانا لا يظهر الإبداع في الكتابة إلا في مثل هذه الظروف، وعند مواجهة الهدف المنشود، يجب توخي الحذر الشديد من معلمي المرحلة الابتدائية، بل والنظر بعين الريبة إلى العقلية الأكاديمية والكلاسيكية. لاشك أن المعلمين بحكم تدريبهم، غير مؤهلين لمهمة ديناميكية كتعليم الأهالي، لكن حكومة المحمية تنجز في هذا المجال عملا يستحق الإشادة، فقد اضطلعت المديرية العامة للتعليم العام بضمير حي، بإعداد معلمي المرحلة الابتدائية، إعدادا مناسبا لتدريس الأهالي، وذلك بفضل عمليات الاختيار الدقيقة التي تجريها، والاحتياطات الخاصة التي تقود حركتها، ويمكن أن نتوقع أفضل النتائج، من هذا العمل الرائع تماما. لا يكفي تزويد الأهالي بالتعليم، بل يجب أيضا السماح لهم بالوصول إلى المهن التي يمكنهم من خلالها العثور على عمل لنشاطهم، وربما لم تنشغل حكومة الحماية، بشكل كاف بهذا السؤال المهم في الوقت الحالي، وباستثناء بعض الحالات النادرة [يجدر بنا أن نذكر على وجه الخصوص، مدرسة لخميسات، الأهلية التي أصبح خريجوها وكلاء في مجال الثروة الحيوانية، ومساعدين قيمين للأطباء البيطريين، أو مفتش المراعي]. لا يجد الشبان المتخرجون من مدارسنا أو كلياتنا أو ثانوياتنا وظيفة أخرى غير وظيفة المترجم الفوري، بينما الواضح أن العديد من الوظائف الإدارية الصغيرة يمكن أن تعهد إليهم بشكل أكثر فائدة. ومن ناحية أخرى، هناك سبب لتشجيع الشباب المغاربة على التقدم بمؤهلات متساوية مع مؤهلات زملائهم الفرنسيين، في مختلف المسابقات التي تكوِّن الأطر الإدارية الشريفة، ويجب أن نتمنى دخولهم بأعداد كبيرة في الثانويات والكليات المفتوحة لهم على نطاق واسع، فتقارب الشعبين، سيتحقق بشكل أساسي من خلال التعليم والتربية المشتركين، ويمكننا أن نأمل تماما من وجهة النظر هذه، أن يقود جهودنا وإيماننا، نشاط ووعي المعلمين، تحت توجيه مستنير. *** لقد جلبنا إلى الإمبراطورية الشريفة فائدة لا تقدر بثمن؛ الأمن، ومعه حياة أقل بؤسا في مأمن من المجاعة والأمراض الوبائية، ونعتقد تماما أن المغاربة أيا كانوا، يعرفون كيف يقدرون ذلك بثمنه الكامل، ولا يجب أن نخشى إعلان ذلك بصوت عال، لأننا في فرنسا نفسها يبدو أننا نسينا ذلك أحيانا، ففي العمل الذي أنجزناه، يمكننا أن نجد بلا شك، أخطاء وزلات، لكننا نعلم أيضا أننا لم نصل إلى المغرب، إلا منذ عشرين عاما، ومهمتنا لم تنته بعد، فنحن في المغرب لسنا فقط “للقيام بأعمالنا” بل أيضا وقبل كل شيء لجلب تقدم حضارتنا من خلال سياسة الشراكة والتعاون، لذلك يجب علينا دون التأثر باحتجاجات البعض، أن نستمر في السعي من خلال إقامة عدالة سليمة، ومعرفة أكبر بالأهالي، وطباعهم وميولهم من خلال استباق احتياجاتهم وتوجيه أنشطتهم، وثقة غالبية المتدربين لدينا، وهو ما جعل الإدارة العليا تولي اهتماما دائما لوكلائها، بضرورة التواصل الوثيق، الذي يتيح من خلال تأثيره الإيجابي على القبائل، فهما أعمق لنفسية الأهالي؛ ويشكل في الوقت نفسه تطبيقا لسياسة التغلغل، التي انبثقت من مهمتنا في المغرب [مذكرة المقيم العام في 5 يوليو 1929]. إن السياسة الأهلية للمدن والبوادي تلتقيان كلتيهما من خلال أساليب تختلف أحيانا في نفس الهدف الذي يتمثل في إشراك المحميين في العمل المشترك، لخلق تعاون وثيق ومثمر، بينهم وبيننا، لأن مصالح المحميين، لا تختلف عن مصالحنا، فنحن مثلهم خاضعون لنفس القوانين والمؤسسات الاقتصادية، والتدابير التي تتخذها حكومة الحماية لحل مختلف المشاكل التي تطرح بشكل متزايد، هي ذات فائدة عامة، لكن إذا كانت حسن نية الحماية، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تكون محل شك، فلا ينبغي لنا أن ننسى، من جهة أن أفضل التوجيهات القيمة لها هي التي تنفد، ومن جهة أخرى أنه من الخطر ترك الأهالي عرضة لدعاية ماكرة ذات روح خبيثة، وأحيانا معادية، وفي ظل هذه الظروف يبدو من المرغوب فيه تحقيقا لفكرة قديمة طرحها الكولونيل الراحل برِّيو berriau تتمثل في إقامة اتصال وثيق وعمل مباشر بين حكومة الحماية والسلطات الإقليمية أو المحلية، لضمان استمرارية التوجيه الذي تنتمي إلى السلطة المركزية، أي إلى جانب المجالس الإقليمية أو المؤتمرات الدورية في مقر الدائرة، تفتيش المراقبات المدنية والعسكرية، وهو أمر يمكن تحقيقه إما من خلال إنشاء وظائف تكون محدودة العدد جدا تسند إلى موظفين مؤهلين تأهيلا خاصا، أو ببساطة -ولكن ربما بشكل أقل فعالية- من خلال جولات يقوم بها رؤساء الأقاليم. هامش [باتت اللامركزية الإقليمية ضرورية بشكل متزايد، يجب أن يتمتع القادة الإقليميون إداريا، وبعيدا عن نفوذهم السياسي على المجالس المنتخبة، بصلاحيات إدارية واسعة ودقيقة، وأن يصبحوا قادة أقاليم حقيقيين وحكاما أقوياء] أو مديرو الشؤون الأهلية، والمراقبون المدنيون، وأن يكون هدف التفتيش ليس فقط التحقق من الحسابات أو الصندوق، بل وقبل كل شيء إتاحة الفرصة لتقدير وتقييم رؤساء الملحقات أو الدوائر، من خلال دراسة نشاطهم بدلا من فحص التقارير الإدارية، وبالمثل فإنه من الضروري في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها سياستنا الإسلامية، أن تتفاعل خدمات الدعاية لدينا، والتي تتوفر على وسائل قوية، على جميع المستويات، ضد الاتهامات التي لا تصمد، في معظم الحالات، أمام الفحص. إن الصمت في مثل هذه الأمور، هو خطأ، ويجب أن يكون لدينا في شمال إفريقيا، وخاصة في المغرب، نشاطا أكبر، حيث حققنا إنجازات سعيدة، بما فيه الكفاية لنكون فخورين بها، وأن نتمكن من إعلانها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، العمل المنجز في مجال الأوقاف الدينية (الحبس) جدير بالثناء، ويظهر بوضوح أن فرنسا لم تسع في هذا البلد إلى تحقيق مصالحها الخاصة فقط، فقد وجدنا في المغرب، مؤسسات دينية نُهِبت من قبل أولئك الذين كان من واجبهم، الإشراف عليها، وضمان صيانة التسيير اليوم بدقة، دون المساس بالعادات والتقاليد، وترك كل فرد في مكانه ووظيفته ودوره، اتخذنا إجراء بدت نتائجه استثنائية حقا، وتستحق دراسة متأنية. وهكذا قال لنا صديق مغربي، معيدا صياغة عبارة بليغة لجول هارموند مؤخرا “نقبل بوصايتكم لأنها تثبت أنها أفضل لبلدنا وشعبنا، أكثر من كل ما يمثله ضعفنا -وهو ضعف كبير- يسمح لنا أيضا، بالأمل أو الخوف”. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنظر: Au maroc A la recherche d,une politique indigene Henri Bruno في: bulletin du comite de l,afrique francaise Pp.440-445/ 1933. The post في البحث عن سياسة أهلية بالمغرب (1933م) appeared first on هوية بريس.

إدريس كرممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × 4 =

Check Also

عميد “إيركام” يترقب تفعيل الحكومة الجديدة للطابع الرسمي للأمازيغية

قال أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إن “تخليد الذكرى الفضية لخطاب صاحب …