Home الصحافة المغربية كْلاشَاتٌ انتخابية

كْلاشَاتٌ انتخابية

كْلاشَاتٌ انتخابية

كانت لدينا، في زمن غير بعيد، حكاية جميلة اسمها “التوافق الذهبي”. كان التعبير لامعًا إلى درجة توحي بأن السياسة دخلت أخيرًا عصر المعادن النفيسة. الجميع يبتسم للجميع، الجميع يربّت على أكتاف الجميع، الجميع يتحدث عن الانسجام والمسؤولية والمصلحة العليا والمصير المشترك، حتى الخلاف نفسه كان يبدو مؤدبًا، يدخل القاعة بخجل، يجلس في آخر الصف، يلتزم الصمت، وينتظر انتهاء الصورة الجماعية. ثم جاءت الانتخابات. فجأة اكتشفنا أن الذهب كان طلاءً. سقطت الطبقة اللامعة مع أول احتكاك انتخابي، وظهر الحديد، ثم الصدأ، ثم شيء لا نعرف هل هو معدن أصلًا أم بقايا معركة قديمة خبأتها المجاملات تحت السّجاد. انتقلنا من التوافق الذهبي إلى التوافق الفضي، ثم النحاسي، ثم القصديري، ثم وصلنا، بثقة كاملة، إلى توافق الخردة. صار كل واحد يفتح أرشيف الآخر كما يفتح مفتش ضرائب دُرْجًا مشبوهًا. هذا يذكّر ذاك بما قاله قبل سنوات، وذاك يستخرج لهذا تصريحًا من عصر ما قبل الهواتف الذكية، وثالث يعرض صورة قديمة، ورابع يؤكد أنه “كان يعرف منذ البداية”، مع أن وجهه في الصور نفسها كان يقطر مودة ووفاءً وشراكة استراتيجية. يا لها من ذاكرة انتخابية خارقة؛ السياسي قد ينسى برنامجه، ينسى وعوده، ينسى الأسعار، ينسى الحي الذي زاره صباحًا، لكنه يتذكر بدِقّة جملة قالها خصمُه قبل اثني عشر عامًا في لقاء حضره سبعة أشخاص ونصف. حين يغدو الخصم هو البرنامج هكذا بدأ موسم الكلاشات الانتخابية. لم تعد المنصات تعرض أفكارًا بقدر ما تعرض حلقات ساخنة من برنامج “مَنْ يفضح مَن أوّلًا؟”. واحد يقول للآخر: فشلت. يرد الثاني: وأنت من علّمني الفشل. يتدخل الثالث ليعلن أن الاثنين فاشلان. يقترح الرابع لجنة لدراسة تاريخ الفشل. ينشر الخامس تدوينة بعنوان “الحقيقة التي يخافون منها”، ثم يعود بعد ساعتين ليقول إن كلامه أُخرج من سياقه. والسياق، المسكين، أصبح أكثر مواطن يتعرض للاختطاف في موسم الانتخابات. خرجَت الكلمة من سياقها، والصورة من سياقها، وربما الناخب نفسه خرج من سياقه منذ سنوات ولم ينتبه أحد. خصوم صباحًا، حلفاء مساءً ثم دخلنا مرحلة أكثر طرافة، مرحلة “الإخوة الأعداء”. يا لها من أُخوّة. أخ يبتسم لأخيه أمام الكاميرا، يصافحه بحرارة، ثم يعود إلى مكتبه ليبحث عن أفضل صفة يمكن أن يهديه إياها في اللقاء القادم: انتهازي، متلوّن، عاجز، شعبوي، فاقد للمصداقية. نراهم في المناسبات الرسمية متجاورين، هادئين، أنيقين، يتبادلون السلام بابتسامات محسوبة، فتشعر للحظة أن الوطن بخير وأن الحكمة انتصرت. بعد خمس دقائق يفتح أحدهم هاتفه، فنكتشف أن الحكمة كانت خارج التغطية. تبدأ التدوينات: “نحن نعرف من يخدم المصلحة العامة ومن يخدم مصالحه الخاصة»”. يرد الآخر: “بعض الناس يحتاجون إلى مرآة قبل توزيع الدروس”. يعود الأول ليكتب: “يبدو أن الرسالة وصلت إلى أصحابها”. يجلس المواطن يتابع المبارزة كأنه أمام مسلسل طويل، مع فارق جوهري: في المسلسل نعرف في النهاية من تزوج من، هنا لا نعرف حتى من سيتحالف مع من. وهنا تظهر العبقرية الكاملة للمشهد. خصم اليوم قد يصبح حليف الغد، حليف الصباح قد يتحوَّل إلى خائنٍ بعدَ الغداء، والخائن نفسه قد يعود رجل دولة مسؤولًا وقت العشاء إذا احتاجت الحسابات إلى مقعد إضافي. لا تعرف السياسة المستحيل، تعرف عدد المقاعد؛ أما المبادئ فتحتاج غالبًا إلى موعد مُسبق. هكذا، يعلن كل حزب أنه يحمل مشروعًا تاريخيًا لإنقاذ البلاد، ثم يقضي نصف حملته في شرح لماذا يمثل الحزب الآخر كارثة كونية. تسأله عن الاقتصاد فيحدثك عن خصمه. تسأله عن الصحة فيحدثك عن خصمه. تسأله عن التعليم فيحدثك عن خصمه. تسأله عن النقل فيحدثك عن خصمه. في النهاية يخطر لك أن البرنامج الحقيقي شديد البساطة: إسقاط الخصم أولًا، ثم نفكر لاحقًا ماذا نفعل بالبلد. توافق من ورق… وكلاشات من حديد لعلنا انتقلنا من التوافق الذهبي إلى توافق لا لون له. رمادي؟ فحمي؟ إسمنتي؟ قابل للاشتعال؟ ربما الاسم الأدق هو “التوافق حسب الطلب”. نتفق عندما تخدمنا الصورة، نختلف عندما تخدمنا المصلحة، نتصافح في القاعة، نتقاذف خارجها، نقسم أننا لن نتحالف أبدًا، ثم نكتشف بعد ظهور النتائج أن كلمة “أبدًا” في القاموس الانتخابي تعني: حتى إشعار آخر. والأطرف أن الجميع يتحدث عن “أخلاق العمل السياسي”. تظهر الأخلاق عادة بعد وقوع المصيبة، مثل سيارة إسعاف تصل بعدما يغادر الجميع مكان الحادث؛ كل طرف يطالب الآخرين بضبط النفس بينما يشحذ هو سكينه البلاغية. كل طرف يدعو إلى الهدوء بصوت مرتفع جدًا؛ كل طرف يحذّر من تسميم الحياة السياسية وهو يفرغ عبوة السّم أمام الكاميرا ثم يعيد الغطاء بعناية. حين تنقلب المائدة على أهلها نحن أمام مشهد بديع في تناقضه: إخوة يتحدثون كالأعداء، أعداء يحتفظون بأرقام هواتف بعضهم تحسُّبًا للتحالفات، حلفاء يجهزون ملفات بعضهم تحسبًا للخلافات. ليست خصومة سياسية بالمعنى التقليدي؛ إنها عائلة كبيرة لديها مجموعة واتساب خرجت تمامًا عن السيطرة. كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ وصلنا لأن التنافس تحوَّل عند البعض إلى تصفية حسابات، لأن الخطاب أضحى يبحث عن الجُرح قبل الفكرة، لأن الانتصار على الخصم أصبح أحيانًا أهم من إقناع المواطن، لأن الجميع يريد أن يظهر رجل دولة في الصورة ومصارعًا حرًا أمام الميكروفون. الجمهور يضحك، الأنصار يصفقون، الصفحات تشتعل، المقاطع تنتشر، الخوارزميات تحتفل، ثم ينتهي العرض، تغلق الصناديق، تحسب الأصوات، ويجلس الإخوة الأعداء إلى الطاولة نفسها. ينظر أحدهم إلى الآخر، يصمتان لحظة، ثم يقول واحد منهما بكل وقار: “في النهاية، مصلحة الوطن فوق كل اعتبار”. من هنا تبدأ أجمل نكتة في الموسم الانتخابي. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post كْلاشَاتٌ انتخابية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

twenty − ten =

Check Also

هجمات متصاعدة وحركة ملاحة متقلبة.. ماذا يحدث في مضيق هرمز؟

شهد مضيق هرمز تصعيدا في التوترات الملاحية خلال الساعات الـ48 الماضية، مع تسجيل ثلاثة حوادث…