كوميديا الملابس الداخلية

في غفلة من الزمن الفني، انبرى بعض الكوميديين الشباب إلى مستنقع فكاهة “تحت الحزام”، فغابت السخرية وحضرت الإيحاءات الجنسية المفضوحة، ولم يعد هناك فرق بين كوميدي فوق الخشبة وإنسان منحرف كلامه ساقط، فتراجعت الفكرة وحضرت الكلمات الفجة، حتى أصبح بعضهم يتعامل مع الجسد وكأنه أقصر طريق للوصول إلى الضحك، وأيضا مع الجنس وكأنه آخر ما تبقى في سلة فواكه الكتابة. المشكل ليس في أن يتناول الكوميدي الجنس أو العلاقات بين الرجل والمرأة، فهذه موضوعات إنسانية وطبيعية، تناولها المؤلفون منذ زمن طويل في الأدب والمسرح والسينما والكوميديا. المشكل هو أن يتحول الموضوع إلى منقذ للكاتب العاجز عن صناعة المفارقة. فالكوميديا ليست دائما هي أن تقول كلاما غريبا وتتلاعب بالمفردات أو تتراقص بغباء أو تفقد التوازن ببلاهة فيضحك الناس. هناك كوميديا اجتماعية تضع المجتمع أمام مرآته، وكوميديا سياسية تسخر من قول كلام وتطبيق نقيضه، كأن يدافع رئيس حكومة عن القدرة الشرائية للمواطن في خطاب رسمي ويكون أول الرافعين للأسعار، وهناك أيضا كوميديا الموقف التي تصنع الضحك من سوء الفهم والتناقض، والكوميديا السوداء التي تستخرج الضحك من عبث الواقع، وكوميديا لغوية .. تجعل من الكلمة نفسها لعبة وذكاء. وهناك أيضا التهريج، وهو شيء آخر تماما، وهو ديدن الباحثين عن الضحكة بأي ثمن، ولو على حساب الفكرة والشخصية والذوق العام. وهنا من حقنا أن نتساءل : ماذا بعد النكتة ونهاية الضحكة ؟.. إذا كان ما يترسخ في ذهن المتلقي هو موقف ذكي، أو مفارقة اجتماعية، أو نقد سياسي، أو شخصية لا تنسى، فنحن أمام كوميديا حقيقية، أما إذا كانت النتيحة هي كلمة فجة أو إيحاء جنسي، فربما نحن أمام ضحكة عابرة لا أقل ولا أكثر. المفارقة أن بعض من يرفعون شعار «الجرأة» يخلطون بين الجرأة والابتذال. الجرأة أن تقترب من موضوع يخاف الآخرون من الاقتراب منه، وأن تقول ما لا يُقال، لكن بطريقة فنية وذكية. أما أن ترفع مستوى الإيحاء دون استحياء، فهذه ليست جرأة بالضرورة، بل قد تكون أسهل الحلول. والكوميدي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يخلع ملابس شخصياته كي يضحكنا، يكفيه أن يخلع عنها الأقنعة. من المعلوم أن الكوميدي يمكنه أن يُضحكنا من البطالة، ومن الغلاء، ومن الإدارة، ومن الانتخابات، ومن تناقضات الأسرة، ومن وسائل التواصل الاجتماعي، ومن المواطن الذي يشتكي من الفساد ثم يبحث عن «العلاقات» لتجاوز الطابور. قد يقول قائل : هذه كلها كنوز كوميدية ليست في متناول الجميع .. أي نعم .. لأنها ببساطة تحتاج إلى ملاحظة وكتابة وذكاء … ليس كل كوميدي مطالب بكتابة «سكيتشاته»، فالكتابة فن ومهنة لها أهلها، كما أن الأداء له أهله. وليس كل من يكتب يستحق صفة كاتب، لأن النص الكوميدي يحتاج إلى بناء للشخصيات والمواقف، وإيقاع ومفارقات ونهاية ذكية. والمشكلة أن بعض الكوميديين يحمّلون الكاتب مسؤولية فشلهم، فإذا لم يضحك الجمهور قالوا إن النص ضعيف، وإذا نجح نسبوا النجاح إلى موهبتهم. الكوميدي الذكي هو من يعرف حدوده ويستعين بمن يجيد الكتابة، لأن الموهبة الحقيقية ليست في أن يفعل الفنان كل شيء، بل في أن يعرف كيف يجمع المواهب لصناعة عمل جيد. أما الجسد، فمتاح للجميع، والكلمة الفجة لا تحتاج إلى كاتب كبير. ويبقى السؤال هو : هل الجرأة التي نراها اليوم نابعة من قوة الكتابة، أم أن ضعف الكتابة هو الذي يدفع نحو الجرأة السهلة !؟.. فالكوميديا التي تحترم الجمهور لا تعامله كأنه جاء فقط ليسمع كلمة صادمة أو إيحاء جنسيا. الجمهور أذكى من ذلك، وقد يضحك من النكتة، لكنه يعرف في النهاية إن كان أمام فنان يراقب المجتمع ويرصد السلوكات والتناقضات ويسخر منها، أم أمام شخص يبحث في قاموس الابتذال عن أسرع نكتة جاهزة. نحن لا نحتاج إلى كوميديا مؤدبة تخاف من كل شيء، كما لا نحتاج إلى كوميديا تظن أن كسر الحياء إنجاز فني .. نحتاج إلى كوميديا حرة وذكية وشرسة. كوميديا تضحكنا من السياسي دون أن تتحول إلى سب، ومن المجتمع دون أن تحتقره، ومن العلاقات دون أن تختزلها في الجنس، ومن أنفسنا دون أن تفقد احترامها لنا. لأن الكوميدي في النهاية ليس مهرجا مهمته أن ينتزع الضحكة بأي وسيلة. الكوميدي هو الذي ينتبه للتفاصيل الدقيقة ويرى ما لا نراه، ويقول ما نعجز عن قوله، ثم يجعلنا نضحك ونحن نكتشف أننا كنا نعيش وسط مفارقة كبيرة ولم ننتبه إليها. أما «كوميديا الملابس الداخلية» فقد تضحك الجمهور للحظة، ولكنها لا تصنع كوميديا حقيقية، لأنها تراهن على الغريزة بدل الذكاء، وعلى الإيحاء الفج بدل المفارقة، وعلى صدمة اللحظة بدل الفكرة التي تبقى في ذهن المتلقي. الكوميديا الحقيقية لا تحتاج إلى خلع الملابس كي تكشف عورات المجتمع، بل تحتاج إلى موهبة تكشف تناقضاته، ونص ذكي يعرّي السلوك قبل الجسد، ويجعل الجمهور يضحك من نفسه ومن واقعه دون أن يشعر أنه أمام استعراض رخيص للابتذال. وختاما الكوميديا الحقيقية هي التي تخلع ملابس الفكرة، لا ملابس الشخصيات، وتجعل المجتمع واقفا يتفحص ملامحه أمام المرآة. The post كوميديا الملابس الداخلية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
أمية النبي ﷺ.. د.بنحمزة يكشف جهل الفايد (فيديو)
أمية النبي ﷺ.. د.بنحمزة يكشف جهل الفايد هوية بريس – عابد عبد المنعم في رد علمي يحمل رسائل …











