نريد شبابًا في البرلمان

في كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد نفسه تقريبًا. حملات جديدة، لافتات ملونة، شعارات براقة عن «التغيير» و«الجيل الجديد»، وخطاب سياسي نسمعه وكأننا نسمعه لأول مرة. ثم تظهر لوائح الترشيحات، فنكتشف أن كثيرًا مما وُعدنا به لم يتغير: الوجوه نفسها التي غابت سنوات تعود بالابتسامة نفسها، وأحيانًا بالخطاب نفسه. لا أحد يعترض على حق أي سياسي في الترشح مجددًا، فهذا حق مشروع، والخبرة ليست عيبًا، والاستمرارية قد تكون مصدر قوة لا ضعف. لكن الديمقراطية لا تُبنى على الخبرة وحدها، ولا يمكنها أن تستمر من دون تجديد حقيقي في نخبها. نريد شبابًا في البرلمان. لكن ليس لمجرد أن أعمارهم أصغر، وليس لأن كلمة «التشبيب» أصبحت رقمًا يُضاف إلى اللائحة لإرضاء الصورة. نريد شبابًا قادرين فعلًا على النقاش والاقتراح والمحاسبة، وعلى فهم التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي اليوم. فالشاب المغربي لم يعد كما كان قبل عشر سنوات. جيل كامل نشأ وسط هاتف يتابع منه الأخبار، ونقاش سياسي ينفجر على منصات التواصل، وتحولات متسارعة في التعليم والشغل والهجرة والعلاقات الاجتماعية. جيل يسأل عن مستقبله أكثر مما يبحث عن الشعارات، ويريد أن يفهم كيف تؤثر القرارات السياسية في تفاصيل حياته اليومية: مدرسته، جامعته، سكنه، صحته، وفرصه في العمل. ومع كل هذا، يبقى حضور الشباب في مواقع القرار محدودًا. قد يكون الشاب نشيطًا في الحملة، حاضرًا في اللقاءات، ويعمل بلا كلل خلال الانتخابات، لكنه يجد أمامه طريقًا طويلًا قبل أن يتحول من عنصر نشيط إلى مرشح فعلي قادر على المنافسة. والسؤال الذي يجب أن نطرحه بهدوء: هل نريد فعلًا تجديد النخب، أم نكتفي بالحديث عن هذا التجديد؟ لأن التجديد الحقيقي لا يبدأ يوم تُفتح الترشيحات، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل الأحزاب نفسها، من لحظة اكتشاف الكفاءات وتكوينها ومنحها فرصة حقيقية للمشاركة في القرار قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. الشاب الذي لا يحصل على فرصته اليوم لن يملك خبرة غدًا. وهذه من أكبر المفارقات في خطاب التشبيب السياسي: نطالبه بأن يكون جاهزًا، ثم لا نمنحه الفرصة التي يكتسب منها هذه الجهوزية. ونستغرب لاحقًا لماذا لا نجد شبابًا مؤهلين، بينما لم تُفتح أمامهم بالقدر الكافي الأبواب التي كان يمكن أن تسهم في تأهيلهم. لكن في المقابل، لا ينبغي الوقوع في الخطأ المعاكس، وتصديق أن كل شاب مؤهل للبرلمان لمجرد أنه شاب. هذه ليست معركة بين جيلين، ولا دعوة لإقصاء أحدهما لصالح الآخر، بل دعوة إلى التوازن. نريد خبرة من راكموا تجربة مؤسساتية طويلة، ونريد أيضًا حيوية من يحملون أسئلة العصر. نريد من يعرف كيف اشتغلت المؤسسات في العقود الماضية، ومن يفهم كيف يفكر جيل نشأ مع الإنترنت والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد. فالسن وحده ليس شهادة كفاءة، والشباب وحده ليس شهادة كفاءة أيضًا. المعيار الحقيقي هو: ماذا يعرف المرشح؟ ماذا يقترح؟ هل يفهم فعلًا وظيفة البرلمان؟ هل يستطيع أن يقرأ مشروع قانون ويناقشه بجدية؟ هل يميز بين التشريع والرقابة؟ هل يحوّل معاناة المواطن اليومية من خطاب انتخابي عابر إلى قضية مؤسساتية قابلة للنقاش والمتابعة؟ هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال العمر. والمواطن نفسه جزء من هذا التحول. فالتجديد السياسي لا يتحقق بقرار حزبي وحده، بل يحتاج ناخبًا يرفض أن يمنح صوته لاسم مألوف أو صورة منتشرة أو شعار جميل، ويمنحه حين يجد الكفاءة والجدية. نحتاج شابًا يدخل البرلمان لأنه يحمل مشروعًا، لا لأنه يبحث عن موقع. نحتاج شابة تصل إلى المؤسسة التشريعية لأنها تحمل رؤية، لا لأن حضورها مجرد استجابة شكلية لمنطق المناصفة. نحتاج الأستاذ الذي يعرف مشاكل القسم من الداخل، والطبيب الذي يعيش اختلالات المنظومة الصحية يوميًا، والمهندس الذي يدرك تحديات البنية التحتية، والشاب القادم من العالم القروي الذي لا يتحدث عن الهامش من خلال التقارير، بل من خلال تفاصيله اليومية. والأهم من كل ذلك: ألا يتحول الشاب، بمجرد دخوله المؤسسة، إلى نسخة أخرى من الممارسات التي كان ينتقدها قبل وصوله إليها. فالتجديد الحقيقي ليس تغيير الوجوه فقط، بل تغيير طريقة التفكير والممارسة. يمكن أن يمتلئ البرلمان بالشباب، ويبقى دون تغيير إن ظل الخطاب نفسه والممارسة نفسها. لذلك، السؤال الحقيقي ليس كم شابًا سيدخل البرلمان، بل أي شباب سيدخلون، وماذا سيحملون معهم؟ هل سيدخل جيل جديد بمنطق جديد، أم سيدخل جيل جديد إلى مؤسسات قديمة بالمنطق القديم نفسه؟ الفرق بين السؤالين شاسع. نريد شبابًا في البرلمان، نعم، لكن لأنهم يمثلون طاقة وعقلًا وأسئلة جديدة، لا لأننا بحاجة إلى صورة انتخابية أكثر شبابًا. نريدهم ليتعلموا من الخبرة، ويضيفوا إليها، ثم يصبحوا هم أنفسهم خبرة يستفيد منها من يأتي بعدهم. فالديمقراطية التي لا تجدد نخبها مع الزمن تخاطر بأن تتحول إلى أسيرة الأسماء نفسها، بينما الديمقراطية الحية هي التي تفتح الطريق للأفكار والكفاءات كي تجد مكانها في المؤسسات. والهدف ليس أن نستبدل وجهًا قديمًا بوجه شاب، لنكتشف بعد سنوات أنه أصبح جزءًا من الدائرة المغلقة نفسها. الهدف أعمق من هذا بكثير: أن يصبح الوصول إلى البرلمان نتيجة طبيعية للكفاءة والعمل والثقة، لا امتدادًا لمسار بدأ منذ عقد أو أكثر. نريد شبابًا في البرلمان، لا ليجلسوا في الصفوف الأمامية، ولا ليكونوا واجهة جديدة لمشهد قديم، بل ليشاركوا فعلًا في صناعة القرار. نريدهم لأن السياسة ليست ملكًا لجيل واحد، ولأن المؤسسات التي لا تفتح نوافذها أمام الأجيال الجديدة قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، منفصلة عن المجتمع الذي يفترض أن تمثله. فالشباب ليسوا مجرد فئة انتخابية نستحضرها في الخطب والمهرجانات، ثم نطلب منها الانتظار خمس سنوات أخرى. إنهم جزء من الحاضر، وليسوا مشروع مستقبل مؤجل. نريد شبابًا في البرلمان، لا لأنهم شباب، بل لأن لهم ما يقولونه، وما يقترحونه، وما يستطيعون أن يضيفوه. نريد أن نرى في البرلمان وجوهًا جديدة، نعم، لكن الأهم أن نرى معها أفكارًا جديدة، ونقاشًا جديدًا، ونَفَسًا سياسيًا جديدًا. فالبرلمان الذي تتجدد فيه الوجوه دون أن تتجدد أفكاره، لا يكون قد تغير كثيرًا؛ أما البرلمان الذي تتجدد فيه النخب والأفكار معًا، فهو الذي يستطيع أن يشبه مجتمعًا لا يتوقف عن التغير. The post نريد شبابًا في البرلمان appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
دراسة تكشف أسرار العودة القوية للعدالة والتنمية إلى البرلمان
لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتع…











