Home الصحافة المغربية ابن رشـد المِـرِّيخي…

ابن رشـد المِـرِّيخي…

ابن رشـد المِـرِّيخي…

هوية بريس – محمد أمين بوخلال حينما تسمعهم يُردِّدون اسم ابن رشدٍ ويتحدثون عنه، يأتي إلى ذهنك رجُلٌ بهيئة عبد الحق الزروالي، و«غوفالة» أحمد عصيد يَحمِـلُ لافتةً أمام البرلمان يدعو فيها لمراجَعَـةِ مدونة الأسرة والمساواة في الميراث ولديه مَوقِفٌ حَدِّيٌّ من التراث ويرى أن الفقهَ سبب تخلُّفِنا، منخرط في مجموعةٍ فيسبوكية باسم نوال سعداوي… بينما ابن رشد الحكيم الذي نعرفه، رَجُـلٌ فقيهٌ تراثي، كان قاضيًا يلبَسُ عِمامةً ويَحكُـم بالشريعة ويفتي بالفقه الإسلامي ويُقرر أحكام الحدود والقصاص الدينية، نشأ في أسـرةٍ عِلمية تراثية وجَـدُّه أحد أكبر علماء المالكية، بل من أكبر علماء الإسلام. ألَّف ابن رشد في الفقه الإسلامي كتابه الشهير ”بداية المجتهد ونهاية المقتصد.“ وألف في أصول الفقه كتاب ”الضروري“ اختصر فيه كتابَ ”المستصفى“ لأبي حامد الغزالي. فحينما نفتح هذين الكتابين الرشديَّين، هل نجد فيهما أحكام الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الفقهاء والأصوليين، أم النصوص القانونية لعام 1905؟ سؤال. فمن أين جاء ابن رشد الاسكندنافي الذي يتحدَّث عنه هؤلاء؟ – هل جاء من اشتغاله بالفلسفة؟ مثلًا؟ ربما في حديث هؤلاء عن ابن رشدٍ يتخيَّلونه فيلسوفًا اشتراكيًّا يضع غليونًا في فمه ويَـطرُد الطلبةَ الذين يذكرون اسم الله في حِصَّته داخل الجامعة، بينما الفلسفةُ التي كان يشتغل بها ابن رشد، لم يكن يراها نقيضًا للتراث أو الإيمان، بل يعتبر أن غايةَ الفلسفة أن تقود إلى الخالق، وهو القائل: «إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع…». ولم يكن يرى الفلسفةَ بديلا عن الشريعة أو مضادَّةً لها، وهو القائل: «وإذا كانت هذه الشريعة حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشَرَ المسلمينَ نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظرُ البرهانيُّ إلى مخالفة ما ورد به الشرعُ. فإن الحقَّ لا يُضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له». بل هل يعرف التنويري الحداثي الطاعن في التراث بماذا كان ابن رشدٍ يُفتي في حق من لا يلتزم بالشريعة ويجادل فيها؟ يقول ابن رشد: «ولذلك يجب على كل إنسانٍ أن يُـسلِّمَ مبادئ الشريعة، وأن يقلد فيها، ولا بد، الواضعَ لها. فإنَّ جَحْدَها والمناظرةَ فيها مبطل لوجود الإنسان، ولذلك وجب قتل الزنادقة.» ابتسامة. – طيب، لعلهم يقصدون أن ابن رشد كان متنورا لاشتغاله بالفلسفة وهي من العلوم العقلية في مقابل علماء التراث الذين اشتغلوا بالروايات والأحاديث. والجواب: أن في علماء التراث الفقهاء التقليديين من تجاوز ابن رشدٍ في الفلسفةِ والعلوم العقلية بمراحل طويلة، كالفخر الرازي، إمام العلوم العقلية، بل وابن تيمية في الإلهيات الفلسفية وفي سعة الاطلاع على ما سوى الفلسفة والمذاهب اليونانية متجاوزٌ لابن رشدٍ بمراحل، كما أن ابن رشـدٍ نفسَـه كان يشتغل بالروايات والعنعنة. – طيب، هل جاء ابن رشد الإسكندنافي من أسطورة المحنة؟ ربَّـما اكتشف هؤلاء ابن رشدٍ لا نعرفه، وهو الذي تعرَّض للمحنة وأحرقت كتبه في مقابل علماء التراث التقليديين المنغلقين الجامدين. ولكن، إن الغزاليَّ نفسُه قد أحـرِقَ كتابُه الإحياء قبل ابن رشد، فإذا كان إحراق الكتب يدل على التنوير فالغزالي أحق به من ابن رشد إذن! بل مهلًا، إذا كان الحرقُ دليلا على تزمُّت الفقهاء في عصر ابن رشد وتنويره هو، ألم تُحرَق كتب الفقهاء المالكية بأمر السلطة الموحدية نفسها، وفي عهد الخليفة نفسه الذي وقعت في عهده محنةُ ابن رشد؟ وإذا كانت المحنةُ دليلا على الحداثة والتنوير والعقلانية، فالإمام أحمد ابن حنبل تعرَّض لمحنةٍ أكبر من محنة ابن رشدٍ وهو محدِّثٌ وعالم تراثي تقليدي، وتعرَّض لها الإمام مالك قبله، وتعرَّض لها إمام الحرمين الجويني، وتعرَّض لها ابن تيمية، وغيرهم من جميع المذاهب والتخصصات العلمية… فإذا كانت المحنةُ دليلًا على التنوير والعقلانية والبطولة، فالعلماء التراثيون الذين تعرضوا للمحنة أكثر من الفلاسفة الذين تعرضوا للمحنة، فهم أحق بلقب البطولة والتنوير إذن! فكفى خٌبـزًا، توقَفوا رجاء عن الخبزيات الفارغة في المعرفة، وأقلعوا عن ثقافة المقاهي التي تنشرونها وتحسبون أنفسكم على الجامعيين والمثقفين والمفكِّرين، فقد تعبنا حرفيا من هذا الغباء المُزمِـن وهذه السطحية الفكرية المُعدِية. – طيب، من أين جاء ابن رشد السويسري الذي يتحدث عنه هؤلاء؟ الظاهر، حسب ما نرى، أنه جاء من التقليد الأعمى للماضي الأوروبي= التلقي اللاتيني الوسيط لابن رشد في عصر ما قُبيل النهضة، حيث اعتقد الأوروبيون أن ابن رشدٍ كان يقول بثنائية الحقيقة. وجاء من التلقي الثاني له من طرف المستشرقين الأيديولوجيين (مثل رينان)، الذين قرؤوه من خلال هذه الثنائية، أي ثنائية الفيلسوف في مقابل رجل الدين. أو بتعبير آخر: ثنائية ابن رشد في مقابل الغزالي. ورغم أن هذه الخرافـةَ الاستشراقيةَ قد انتهت صلاحيتها اليوم في الدراسات المتخصِّصة -فابن رشد مثلًا لم يكن فيلسوفًا منفصلًا عن الدين، والغزالي لم يكن عالم دينٍ منفصلا عن الفلسفة- فمازال بيننا من يعيش في القرن الميلادي الرابع عشر، أو التاسع عشر في أحسن الأحوال، حيث يتحدثون عن ابن رشدٍ أوروبي خرافي لا وجود له، ولا علاقة له بابن رشد الفيلسوف المسلم الذي نعرفه. نعم صحيح، لم يكن ابن رشدٍ يتفق مع أقرانه من علماء التراث ولم يكن علماء التراث يتفقون معه في كل شيء، وهناك مسائل يخالِـفون فيها ابن رشدٍ وينتقدونه عليها نقدًا لا هوادة فيه. كما ينتقد بعضهم بعضًا. وليس عيبًا ولا رجعيةً ولا ظلاميةً أن يقال لابن رشدٍ إنك تُـخربِقُ حينما يكون يُخربق. بل هذا من تمام العقلانية. وليس ذلك يعني أنَّ ابن رشدٍ كان بطلًا حداثيا خارقًا في مواجهة علماء التراث الدوغمائيين، بل كان من جُـملتهم؛ وواحدًا منهم. إن الحالةَ المعرفية التي يعيشيها الحداثيون وأنصاف المثقفين العرب مُـزريةٌ وكئيبةٌ جِـدًّا ومثيرةٌ للشفقة، وهم مُـقمحُون بتصوُّراتٍ وهميةٍ بالجملة وحمولاتٍ عقائدية جاهزة، معظمُها غالطةٌ حول التراث والتاريخ والعلماء، حتى إنَّك حينما تسمعهم يتحدثون عن ابن رشدٍ ويغردون باسمه وأنه كان المخلِّـصَ التنويري الذي قضت عليه جماعةُ الغزالي الدغمائية، لا تعرفُ هل يتحدَّثون عن أبي الوليد محمدٍ بن رشدٍ، أم عن سيمون دو بوفوار. The post ابن رشـد المِـرِّيخي… appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

two × 4 =

Check Also

صلاة الجمعة ومباريات الكرة والمهرجانات.. لمن يُسمح بقطع الطريق في المغرب؟

صلاة الجمعة ومباريات الكرة والمهرجانات.. لمن يُسمح بقطع الطريق في المغرب؟ هوية بريس – عابد…