الافتراء والادعاء على ثوابت الإسلام: تشويهٌ وإساءة -الفايد نموذجا-

هوية بريس – علي المغربي بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه خير الخلق وحبيب الحق، نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تشليما كثيرا وبعد: لم تعد منصات التواصل الاجتماعي في عصرنا هذا مجرد فضاء لتبادل الآراء والأفكار، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منابر يتصدرها من لا يملكون من العلم إلا بعضه، ومن المعرفة إلا قشورها، ثم لا يلبث أحدهم أن ينصّب نفسه مفكرا ومصلحا ومجددا، ويتحدث في أدق القضايا وأكثرها حساسية، مستندا إلى عدد المتابعين، أو إلى الشهرة، أو إلى القدرة على إثارة الجدل على قول المتني: كم من عائب قولا صحيحا***وآفتُه من الفهم السقيمِ ومن أكثر المجالات التي تعرضت لهذا النوع من التطفل في الآونة الأخيرة مجال الدين، وما يتصل بثوابته وأصوله ونصوصه. إذ أصبحنا نشهد موجة ممن يعتلون منابر السوشيال ميديا تحت شعارات براقة من قبيل “التنوير” و”الحداثة” و”تحرير العقل” بينما لا نجد في كثير من خطاباتهم إلا قدرا كبيرا من الجهل، والتناقض، والسطحية والجرأة على الكلام فيما لا علم لهم به. إن الحديث عن الدين ليس شأنا عابرا يمكن لأي شخص أن يخوض فيه لمجرد امتلاكه رأيا أو منصة أو جمهورا، فالدين علم له أصوله وله قواعده، وله أدواته التي لا بد من امتلاكها قبل إصدار الأحكام أو تفسير النصوص أو التشكيك في الثوابت، ومثال ذلك أنه من غير اللائق أن تجد طبيب المخ والأعصاب يتحدث في تخصصات القلب أو الكبد أو الجراحة دون علم ودراسة أو أن يتحدث في علوم الزراعة والهندسة لمجرد كونه مثقفا، فكذلك لا يصح أن يتحول كل من قرأ كتابا أو شاهد بعض المقاطع إلى فقيه أو مفسر أو ناقد للتراث الإسلامي! فلكل علم أهله، ولكل ميدان رجاله “أهل مكة أدرى بشعابها”. ولا يعني هذا أن يُمنع الناس من السؤال أو التفكير أو النقاش، فالسؤال حق، والتفكير ضرورة، والنقاش وسيلة من وسائل الوصول إلى المعرفة، لكن هناك فرق شاسع بين أن يسأل الإنسان طالبا للعلم، وبين أن يتصدر متحدثا باسمه، وهناك فرق بين النقد العلمي المؤسس على المعرفة والأدوات، وبين السخرية من الثوابت أو التشكيك فيها تحت غطاء حرية الفكر والتنوير. وحتى إن امتلك الإنسان قدرا من الثقافة العامة التي تسمح له بإبداء رأي أو طرح سؤال، فإنه ينبغي أن يدرك أن الثقافة العامة لا تجعل منه متخصصا، وأن كثرة القراءة لا تساوي بالضرورة التمكن من العلم فما أبعد الفرق بين من يطالع العلم، ومن يتخصص فيه، وبين من يعرف بعض المصطلحات، ومن يدرك أصولها ومناهجها ومقاصدها. وقد كان من الحكمة التي ينبغي أن تستعاد في زمن الضجيج الإعلامي أن يعرف الإنسان قدر نفسه، وأن يدرك حدود معرفته، وأن لا يجعل من جهله علما، ولا من ظنه يقينا فرحم الله امرأً عرف قدر نفسه؛ إذ ليس كل ما يُعرف يقال، وليس كل ما يقال يصح وليس كل من امتلك القدرة على الكلام امتلك أهلية الحديث. لكننا نعيش اليوم زمنا أصبح فيه الظهور أسهل من التحصيل، والشهرة أسرع من المعرفة، والجدل أكثر رواجا من البحث العلمي الرصين أصبح من هب ودب قادرا على اعتلاء المنصات واقتحام كل المجالات، من الدين إلى السياسة، ومن العلم إلى الفلسفة، ومن التاريخ إلى الاجتماع، وأصبح الجهل نفسه نوع من الجرأة الفكرية، والمسمى “الفايد” يخرج علينا في مقاطعَ مصوَّرة ومسجلة، يبث فيها من الكلام ما تستحيي منه البهائم والجمادات، لما فيه من جرأة وإساءة وتجاوز للحدود، فتارة ينفي من سنة المصطفى محمد ﷺ ما تواتر وثبت بل قد أنكرها نعوذ بالله، وتارة أخرى يقدح في العلماء والأئمة الكبار، وينال منهم بلسانه السليط وكأن أبواب العلم والشرع قد فتحت له دون سائر الناس يرتع في ذلك كيف يشاء، ويا للحسرة على أمثال هذا البائد الذي يتصدر للحديث في بلد مسلم عريق، ضارب في الإسلام بجذوره لأكثر من اثني عشر قرنا نشأ فيه الناس جيلا بعد جيل على الإسلام وثوابته، وتوارثوا علومه وشعائره ومؤسساته العلمية والدينية، ثم يأتي من يريد أن يصوّر هذا الإرث كله وكأنه مجرد موروث بالٍ ينبغي التخلص منه، وأن يقدم نفسه للناس في صورة المجدد الذي جاء ليكشف ما عجز عنه علماء الأمة طوال قرون!! فأيّ جرأةٍ هذه على الدين؟ وأيّ استخفاف بعقول الناس أن يُختزل تاريخ أمةٍ وعلمُ علمائها وموروثها الفقهي والعقدي في مقاطع قصيرة تُبث على منصات التواصل، ثم يُطلب من الناس أن يتلقوها بوصفها تنويرا وتحريرا للعقل… ولو أن كل إنسان وقف عند حدود اختصاصه، وتواضع أمام ما يجهله، لكان ذلك أنفع له وللناس. لكن حب الشهرة، والرغبة في جمع المتابعين، والإغراء المالي الذي تصنعه المنصات، كلها عوامل تدفع بعض الناس إلى المبالغة، وإثارة الجدل، واقتحام المحرمات الفكرية والعلمية، لأن الجدل صار في هذا العصر أكثر جذبًا من المعرفة، وأكثر تحقيقا للمشاهدات من الخطاب الهادئ والمتزن. وهكذا يظهر لنا بين الحين والآخر شخص جديد يحمل الشعارات ذاتها، ويكرر الخطاب نفسه، وكأننا أمام شريط مشروخ يعاد تشغيله كل مرة بوجه جديد لينتهي الأمر في كثير من الأحيان إلى الطعن في ثوابت الأمة والتشكيك فيها ، أو السخرية من المتدينين، ثم يُقدَّم ذلك كله بوصفه فكرا جديدا وشجاعة في مواجهة «الرجعية» كما تصف عقولهم وقلوبهم العمياء، كلَّ من أتاهم بالحجة والبيان، وكشف زيف دعاواهم ودحض افتراءاتهم، فإنهم لا يملكون أمام قوة الحق إلا المكابرة والإعراض ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:14]. والحقيقة أن مخالفة الناس ليست دليلا على التنوير، فليس كل قديم خطأ، وليس كل جديد صوابا فالقيمة الفكرية التي يريد أن يقدمها صاحبها لا تقاس بحداثة صاحبها ولا بجرأته في التعبير عنها، وإنما تُقاس بقوتها العلمية، ومنطقها كما أن التجديد الحقيقي لا يعني نسف الأصول، ولا السخرية من المقدسات، ولا تقديم الشبهات في صورة حقائق فالتجديد، في معناه العلمي، هو قدرة على فهم الواقع، وربط المتغيرات بالأصول، وإيجاد حلول جديدة للمشكلات دون هدم ما هو ثابت لمجرد إرضاء نزعة المخالفة أو تحقيق الشهرة. للأسف الخطر يداهم بلدنا الحبيب ولابد من صد هذا التيار بأي كان حتى لا يتحول الجهل إلى منبر، والادعاء إلى ثقافة، والافتراء إلى رأي، ثم يُقدَّم كل ذلك للناس تحت عناوين براقة، تُرفع تحت شعارات الفكر المتحرر والتطور والحداثة، وما إلى ذلك من الإيديولوجيات والأطروحات المصادمة للنصوص الشرعية القطعية وثوابت الدين. ولابد من الإشارة إلى أمرٍ غاية في الأهمية، ألا وهو إغفال مسؤولية أهل العلم والاختصاص في مواجهة هذه الظاهرة، وبيان زيف هذه الأطروحات وكشف ما فيها من تناقض مع أصول الشريعة وثوابتها فحين ينسحب العالم من ساحة البيان، ويتراجع المتخصص عن أداء دوره، يترك المجال فارغا للدجاجلة والمفترين، لمن لا يملكون العلم ولكنهم يملكون الجرأة والصوت العالي والمنصة والجمهور والدعم المادي ، والأصل أن يكون أهل العلم حاضرين في الصفوق الأولى يبينون الحقائق بالحجة، ويردون على الشبهات بالعلم، ويكشفون المغالطات لا يخشون في الله لومة لائم، يصدعون بالحق ولا يحيدون عنه مهما اشتدت عليهم حملات التشنيع والازدراء. وفي الختام ليس كل من رفع شعار التنوير مستنيرا، وليس كل من تحدث باسم الحداثة حداثيا، وليس كل من هاجم الموروث مفكرا أو مجددا، فقد يكون الإنسان أكثر الناس حديثا عن العقل، وهو أبعدهم عن المنهج العلمي، وأكثرهم ادعاءً للحرية، وهو أضيقهم صدرا بالحقيقة حين تخالف هواه لأن التنوير الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالجهل قبل الادعاء بالعلم، ومن التواضع أمام الحقيقة قبل السعي إلى الشهرة، ومثل هذه الممارسات لا ينبغي أن تُقابَل بالصمت أو التهاون؛ بل لا بد من مواجهتها مواجهة حازمة، بالعلم الذي يكشف زيفها، والحجة التي تدحض باطلها، والبيان الذي يردّ الأمور إلى نصابها، مع اتخاذ ما تقرره القوانين من إجراءات تجاه ما يجاوز حدود الرأي إلى التشهير أو الافتراء أو الإساءة المجرَّمة. فالحرية لا تعني الفوضى، وهدم الثوابت، واحترام الرأي لا يعني منح الباطل حصانة من النقد والرد. وحسبُنا الله، وهو نعم المولى ونعم النصير. The post الافتراء والادعاء على ثوابت الإسلام: تشويهٌ وإساءة -الفايد نموذجا- appeared first on هوية بريس.
دراسة تكشف أسرار العودة القوية للعدالة والتنمية إلى البرلمان
لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتع…











