سوكاح يفكك “الاستشراق الألماني”

ينبه كتاب جديد إلى “الاستمرارية الذاكرية للظاهرة الاستشراقية” أو “تناصّ في الذاكرة”، منبها إلى أن “الصور التي صاغها رحالة القرن التاسع عشر حول الاستبداد ‘الشرقي’، ووضعية المرأة، والقطيعة الحضارية بين ‘الشرق’ و’الغرب’ لم تندثر بتقادم العهود، بل تحوّلت إلى جزء أرشيفي أصيل من ثقافة التذكر الألمانية كما أسلفنا. وبناءً عليه، سيغدو أي لقاءٍ جديد مع ‘الشرق’ – سواء عبر تجربة رحلية أو من خلال أزمة سياسية – يُمثل في جوهره استحضارا لهذا الأرشيف الرّاسخ، واستدعاءً لتمثيلاتٍ عابرة للزمن لا تزال تفعل فِعلها حتى في عصر ما بعد الاستعمار”. جاء هذا في كتاب بعنوان “أدب الرحلة والذاكرة الجمعية” يدرس “الشرق في التمثلات الثقافية الألمانية”، وهو عمل للباحث المغربي زهير سوكاح، صادر عن دار خطوط وظلال الأردنية ودار روائع الكتب السعودية، عرّب وحيّن فيه أطروحته للدكتوراه التي أعدها قبل عشر سنوات في جامعة هاينرش هاينه الألمانية. ويعتبر الكتاب الجديد، وفق مقدمته، أن “أدب الرحلة هو في جوهره الوسيط الأكثر حيوية للذاكرة الجمعية”، ويدرس “الاستشراق الرحلي بوصفه ذاكرة جمعية”، من أجل إثبات أن “ما يُحرّك التاريخ والمواقف السياسية الراهنة هي الذّاكرة قبل كل شيء؛ فالسياسات الألمانية المُعاصرة تجاه منطقتنا لا يمكن تفسيرها بمعزل عن السياق الذاكري الثقافي الذي يجعل من ‘الشرق’ مرآة دائمة لتأكيد ‘الأنا’ الأوروبية المثالية (…) فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن الذّاكرة هي التي تمنح هذا التاريخ ديمومته، وتكفل استمرارية تمثلاته في قلب الحاضر”. وتابع الباحث شارحا أن “فعل الرحلة ليس مُجرّد انتقال بين الأمكنة، بل هو في جوهره رحلة في الذّاكرة. إنّ الرّحالة (…) لا يواجه واقعا عاريا أو أرضا بِكرا، بل يحمل في حقائبه أرشيفا ذاكريا مُثقلًا بالصُّور والحكايا والتمثلات التي تشكّلت عبر القرون في ذاكرةِ ثقافتهِ الجمعية”، ومن هنا يفهم اعتبار النّص الرحلي “وسيطا ذاكريا بامتياز؛ لا يقل أهمية عن الأرشيفات الرسمية أو النصب التذكارية، وغيرها من الوسائط التي تضطلع بوظيفة استحضار الماضي وتثبيته في الحاضر”. وتدافع أطروحة الكتاب على أن “الشرق” في أدب الرحلة “ليس مُجرّد حيزٍ جغرافي، بقدر ما هو فضاء تذَكُّري وظيفي؛ فالرّحالة الألماني، سواء في القرن التاسع عشر أو حتى في النصوص المعاصرة التي شملها التحليل، غالبًا ما يتذكّر ‘الشرق’ قبل أن يرتحل فيه. فعندما يصف هؤلاء الرحالة – قدامى ومعاصرين – ملامح الحياة في حواضر، مثل: فاس، والقاهرة، أو دمشق، وبغداد، فإنهم لا يكتبون عمّا تبصرُه أعينهم في تلك اللحظة فحسب، بل يستدعون ذاكرتهم الاستشراقية المُخزنة في ثنايا الثقافة الألمانية وتمثلاتها الجمعية حول الأنا ‘الغربية’ والآخر ‘الشرقي’ في آن واحد. هذه الذّاكرة هي التي تُملي عليهم مُسبقًا ما يجب أن يروى، وكيف يجب أن يُفسّروه، ممّا يحوّل النص الرحلي إلى حلقة في سلسلة طويلة من التّناص الذاكري”. وإذا كان ناقد “الاستشراق” إدوارد سعيد قد ركز على “الخطاب بوصفه أداة للهيمنة والسطوة”، فإن هذا العمل قد ركز على “الذّاكرة بوصفها أداة لبقاء هذا الخطاب واستمراريته عبر الزمن”؛ لأن “الشرق” في “ثقافة التذكر الألمانية ليس مُجرّد موضوع للدراسة أو البحث، بل هو مرآة تذكرية تُستخدم لترسيخ ماهية الأنا الألمانية وتأكيد تفوقها. لذا، ففي كل مرة سيستَدعِي فيها الخطاب العام في ألمانيا ثنائية “قيمنا” في مقابل “قيمهم”، فإنه سينهلُ من تلك الذّاكرة الاستشراقية ذاتها، التي جرى تشييدها وصونها بعناية في خنادق الصور النمطية والكليشيهات التقليدية”. ويذكر الكاتب في هذا السياق أن “تشكيل الهوية الألمانية – ومعها الأوروبية – قد استند (…) إلى فعل تذكر إقصائي؛ وكأن لسان حال الرّحالة يقول: ‘إنّنا لا نعرف أنفسنا ولا نُعرّفها إلا عبر تذكّر ما لسنا عليه’. وبعبارة أخرى، بينما يُعاد إنتاج الآخر ‘الشرقي’ في الذّاكرة الجمعية بوصفه كيانًا غارقًا في الماضي، ساكنًا، ومُفتقرًا للعقلانية، يجري بناء الأنا ‘الغربية’ ككيان حداثي، مُتطور، وعقلاني. ومن هذا المنطلق، تتحوّل الرحلة نحو ‘الشرق’ إلى مختبرٍ لبناء الهوية عبر الذّاكرة؛ حيث تُستحضر الصور الإسقاطية حول ‘الشرق’ الاستبدادي، والشهواني، والعجائبي لتأكيد القيم الأخلاقية والديمقراطية للغرب كما يتخيّلُها”. وعبر سبر أغوار للمدونات الرحلية وما تكشفه عن “الذاكرة والهوية” وتمثلاتها وأحكامها المترسخة، يكشف الكتاب كيف لا يزال “الشرق” و”الغرب” معا “أسيرين لتخييل مُتبادل يُكتَبُ بمداد الذّاكرة لا بمداد الواقع”. وحول أهمية البحث في الذاكرة وتمثلات الآخر، يقدّر زهير سوكاح أن “ما من سبيل إلى بناء مستقبلٍ مشترك دون فهم آليات اشتغال الذّاكرة الجمعية وتفكيك بنيتها؛ فمن دون هذا النقد التأطيري، ستظل الثقافات والمجتمعات رهينةً لتمثُّلاتٍ مُتخيّلة تقوم على مركزية الأنا وتفوقها المُتوهّم عبر الحطِّ من الآخر والنيل منه”، وبالتالي هذا المؤلف، الذي كان أطروحة دكتوراه ناقشها الباحث المغربي بألمانيا: “دعوةٌ لتقصي تلك الخيوط المضمرة التي تربط بين نص رحليّ استشراقي كُتب قبل قرنين، وقرارٍ سياسي يُتخذ اليوم أو غدًا. فبينما يندفع التاريخ بنا نحو الأمام، تظلُّ الذّاكرة الاستشراقية مُتصلّبةً في مكانها، تلتفتُ بنظراتها دومًا (…) إلى ماضٍ مُتخيَّل. وهناك في تلك النظرات، تُصنع ملامحُ حاضرنا ومستقبلنا بكيفية إقصائية”، ولذا من الضروري نقد تمثلات وندوب الذاكرة حتى لا تتحول إلى “جِدارٍ عازلٍ يحجب عنا تعدّدية المعنى الإنساني”. The post سوكاح يفكك “الاستشراق الألماني” appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
عاجل.. المنصوري تنجح في تجميع أغلبية من 233 نائباً وانتخاب رئيس مجلس النواب الثلاثاء المقبل
<p style=”text-align: right;”>أعلن رئيس المكتب المؤقت لمجلس النواب، عبد …











