فرنسا تناقش مستقبل الجامعة العمومية وسط أزمة مالية متفاقمة

عاد مستقبل الجامعة العمومية في فرنسا إلى واجهة النقاش، بعدما خرج مئات الطلبة والأساتذة الباحثين والعاملين في مؤسسات التعليم العالي، الثلاثاء، في تحركات شملت عددا من المدن، للمطالبة بزيادة التمويل المخصص للجامعات والبحث العلمي، والدفاع عن مساعدات السكن الطلابي، ورفض رفع رسوم التسجيل، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة النظر في نموذج الجامعة الفرنسية وشروط الولوج إليها وتمويلها. وفي باريس، تجمع نحو 600 شخص، بحسب تقديرات نقابية، وانطلقت المسيرة من حرم جوسيو في الحي اللاتيني باتجاه مقر وزارة التعليم العالي، وسط شعارات ترفض رفع رسوم التسجيل وتحذر من تداعياتها على الطلبة، فيما استجابت التحركات لدعوة تنسيق نقابي يضم نقابات للأساتذة والباحثين ومنظمات طلابية تتهم السلطات بترك القطاع أمام “نقص مزمن في التمويل”. ولا تبدو الاحتجاجات منفصلة عن أزمة أوسع تواجهها الجامعات الفرنسية، إذ ارتفع عدد المسجلين من نحو 1.3 مليون طالب سنة 2001 إلى 1.6 مليون سنة 2024، في حين لم ترتفع قدرات الاستقبال والموارد المالية بالوتيرة نفسها، كما كانت أكثر من نصف الجامعات الفرنسية في وضع مالي سلبي خلال 2025، وفق معطيات “فرانس أونيفيرسيتي” التي تمثل رؤساء المؤسسات الجامعية. رسوم أعلى وتمويل يبحث عن مخارج وسط هذا الضغط المالي، عادت إلى الواجهة مقترحات تدعو الجامعات إلى زيادة مواردها الذاتية، ومن أبرزها تقرير أنجز بطلب من وزارة التعليم العالي ونشر في يونيو الماضي، أوصى بمضاعفة رسوم التسجيل الجامعي خمس مرات، وهي رسوم تبلغ حاليا 178 يورو سنويا بالنسبة إلى الإجازة و254 يورو بالنسبة إلى الماستر. ويرى معدو التقرير أن رفع الرسوم بهذه الصورة يمكن أن يوفر قرابة 1.5 مليار يورو، وهي مقاربة لقيت صدى في تقرير آخر صادر عن لجنة تحقيق في مجلس الشيوخ حول التميز الأكاديمي، ترأستها السيناتورة لورانس غارنييه، التي تعتبر أن الجامعة الفرنسية تمارس نوعا من الانتقائية بعد التسجيل، عبر الفشل الدراسي، بدل أن تحدد منذ البداية عدد الطلبة والملفات التي يمكنها استقبالها. غير أن هذا التصور يواجه رفضا قويا داخل الأوساط الطلابية والأكاديمية، إذ يعتبر معارضوه أن رفع الرسوم لا يعالج أصل الأزمة، وإنما ينقل جزءا متزايدا من كلفة التعليم إلى الأسر والطلبة، كما يخشى بعض الباحثين أن يؤدي ذلك إلى جامعة بسرعتين، واحدة مفتوحة أمام من يملكون القدرة المالية، وأخرى تضيق تدريجيا أمام الفئات الأقل دخلا. الطلبة الأجانب في قلب الجدل زادت القرارات المرتبطة برسوم الطلبة القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي من حدة النقاش، إذ أصبح معظم هؤلاء مطالبين، منذ بداية الموسم الجامعي، بأداء 2895 يورو سنويا في الإجازة و3941 يورو في الماستر، وهي مبالغ اعتبرها متظاهرون تمييزية، بينما يخشى آخرون أن تتحول إلى مقدمة لتوسيع رفع الرسوم ليشمل الطلبة الفرنسيين مستقبلا. وقال طالب في السنة الأولى بجامعة باريس 8 إنه شارك في المظاهرة تضامنا مع الطلبة الأجانب المتضررين من الزيادة، فيما عبرت باحثة في علم الاجتماع عن مخاوفها من تزايد الهشاشة داخل عالم البحث العلمي، معتبرة أن السياسات الحالية تمس طبيعة الخدمة العمومية التي يفترض أن يقدمها التعليم العالي. وفي مارسيليا، تجمع نحو مائة طالب وموظف أمام جامعة إيكس مارسيليا، كما سجلت تحركات في ليل ورين ومونبلييه ونيس وأفينيون وليون، وأعرب مشاركون عن خشيتهم من أن يؤدي رفع الرسوم إلى جعل الدراسة الجامعية مرتبطة تدريجيا بالقدرة المادية للأسرة، بينما تؤكد النقابات أن المشاركة في التحركات الحالية ارتفعت مقارنة بما سجل خلال الربيع. الجامعة بين الانفتاح والانتقائية خلف الجدل المالي يبرز سؤال أكثر عمقا حول طبيعة الجامعة الفرنسية نفسها، فهل تستمر مؤسسة شبه مجانية ومفتوحة أمام أوسع شريحة ممكنة من حاملي شهادة البكالوريا، أم تنتقل إلى نموذج أكثر انتقائية وأعلى كلفة، يسمح للجامعات باختيار عدد الطلبة وملفاتهم بما يتناسب مع إمكاناتها؟ مصدر قريب من وزارة التعليم العالي اعتبر أن النظام الحالي وصل إلى حدوده، بينما دعا الوزير فيليب باتيست إلى جعل وضع شهادة البكالوريا وشروط الولوج إلى الدراسة الجامعية موضوعا للنقاش خلال الحملة الرئاسية المقبلة، خاصة أن منصة “باركورساب” تمارس بالفعل شكلا من الانتقاء بسبب محدودية المقاعد في بعض التخصصات أمام ارتفاع أعداد الراغبين في الالتحاق بها. في الجهة المقابلة، يدافع أساتذة وباحثون عن الجامعة بوصفها جزءا من المشروع الديمقراطي، ويعتبرون أن مجانية التعليم أو انخفاض تكلفته عنصر أساسي في ضمان المساواة في الوصول إلى المعرفة، كما يرون أن تحويل المؤسسات الجامعية إلى وحدات مطالبة بتمويل نفسها بصورة متزايدة قد يغير وظيفتها الاجتماعية والعلمية. ومنذ بداية شتنبر، انخرط عدد من الأساتذة الباحثين في لقاءات حول مستقبل الجامعة والبحث العلمي، تمهيدا لإصدار وثيقة بيضاء خلال الخريف، في محاولة لتقديم تصور بديل يقوم على تمويل عمومي أكثر استقرارا، والحفاظ على استقلال البحث، وضمان بقاء الجامعة فضاء لنقل المعرفة والحراك الاجتماعي. وبين أزمة الميزانيات وارتفاع أعداد الطلبة، وبين المطالبة بموارد جديدة والخشية من أن تتحول الرسوم إلى حاجز اجتماعي، تدخل الجامعة الفرنسية مرحلة يصعب فيها فصل النقاش المالي عن السؤال السياسي، لأن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بكيفية سد عجز المؤسسات، وإنما بتحديد من يحق له دخول الجامعة، ومن يتحمل كلفة الدراسة، وأي نموذج للتعليم العالي تريد فرنسا أن تبنيه خلال السنوات المقبلة. The post فرنسا تناقش مستقبل الجامعة العمومية وسط أزمة مالية متفاقمة appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
بث مباشر.. حسنية أكادير ضد الجيش الملكي
يقص فريقا حسنية أكادير والجيش الملكي شريط الجولة الرابعة من منافسات البطولة الاحترافية الأ…







