حِينَ يَخْفُتُ نَبْضُ الأُمَّةِ…!!!

حِينَ يَخْفُتُ نَبْضُ الأُمَّةِ…!!! هوية بريس – نور الدين درواش هل تخيلنا يوما أن يصل التهديد، بل وأن تمتد نيران الصراع إلى جوار أقدس مقدسات المسلمين، الحرمين الشريفين؛ ثم لا يتحرك في وجدان المسلمين في العالم إلا النزر القليل؟ هل تصورنا أن تبلغ الأمة من التبلد أن تمر عليها مشاهد الخوف والاضطراب التي تمس مقدساتها وقضاياها الكبرى، فلا تضطرب لها القلوب، ولا تستيقظ لها الهمم، ولا يكاد يتجاوز أثرها حدود التعليق العابر والمنشور المؤقت؟ إن السؤال الأعمق ليس: ماذا جرى من الأحداث؟ وإنما: ماذا وقع لنا نحن؟ ما الذي أصاب قلب المسلم حتى أصبح قادرا على متابعة آلام أمته الجريحة في غزة وبلاد الأقصى وغيرها من البقاع كما يتابع خبرا عابرا، ثم يطوي الصفحة وينصرف إلى شأنه الخاص؟ وما الذي غيّر سلم اهتماماته حتى غدت القضايا الكبرى هامشا، والتفاصيل الصغيرة متنازعة على صدر المشهد؟ ألم يكن المغاربة في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 يعتبرون قضايا الأمة ومنها الاستعمار الفرنسي للجزائر قضيتهم الأولى؟؟ إن من أخطر ما أصاب الوعي المسلم في العقود الأخيرة أن الانتماء إلى الأمة أخذ يتراجع في النفس لحساب انتماءات أخرى، حتى غلبت الجغرافيا على العقيدة، وغلبت الحدود السياسية على وشائج الأخوة الإيمانية وروابطها. وليس معنى ذلك إلغاء الأوطان أو الانتقاص من خصوصياتها، فحب الوطن والانتماء إليه أمر فطري، وإنما الخلل أن يتحول الوطن إلى دائرة مغلقة، ينتهي عندها شعور المسلم بإخوانه، وكأن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ لم يعد يصنع في الوجدان ما كان يصنعه من قبل. لقد جعل القرآن رابطة الإيمان أوسع من رابطة الأرض والدم، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. وليست الأخوة في الإسلام كلمة عاطفية معلقة في فضاء الوعظ، بل هي مسؤولية وشعور وتكافل ونصرة بالحق، كل بحسب قدرته وموقعه ووسيلته. وقد قال رسول الله ﷺ «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى»[متفق عليه]. فإذا كان الجسد الواحد قد فقد إحساسه ببعض أعضائه، فالمشكلة ليست في العضو المتألم وحده، وإنما في سلامة الجسد كله. ثم جاءت ثمرة أخرى لا تقل خطرا: سلبية طبعَت بعض الخطاب الإسلامي، حين ضاقت دوائر الاهتمام حتى غلبت القضايا المحلية والتفاصيل الجزئية على القضايا الكلية التي تمس مستقبل الأمة وهويتها ووجودها، فاشتغل بعض العاملين للإسلام بما يقرب من اليد، وغفلوا عما ينبغي أن يبقى حاضرا في العقل والقلب من قضايا المسلمين الكبرى. بل صار المسلم يعرف كثيرا من أخبار الرياضة والفن والترفيه، ويتابع تفاصيل المنافسات اليومية لحظة بلحظة، بينما تمر أمامه مآسي أناس تجمعه بهم العقيدة والقبلة والكتاب والرسول ﷺ دون أن تترك فيه إلا أثرا عابرا. وليس المقصود أن يتحول المسلم إلى إنسان غاضب على الدوام، أو أن يعيش أسيرا للأخبار والمآسي، وإنما المقصود ألا يموت فيه الإحساس بالمسؤولية، وألا يتحول الألم الإنساني إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، ثم لا يلبث أن ينطفئ. لقد حذر النبي ﷺ من مرض أعمق من الهزيمة العسكرية وأشد أثرا منها، حين قال: «يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ، ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صدور عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ، قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله؟ قال: حُبُّ الدُّنيا، وكراهيَةُ الموتِ» [أخرجه أبو داود وصححه الألباني]. ولعل من صور هذا الوهن أن تتحول الحياة كلها إلى بحث عن المتعة والاستهلاك، وأن تستغرق الشعوب في دوامة المعيشة واللهاث وراء الكماليات حتى لا يبقى في القلب متسع لسؤال: ماذا يحدث لأمتنا؟ وماذا يحدث لقيمها؟ وماذا يحدث لإنسانها؟ والأخطر من ذلك أن تختل موازين الانتصار والهزيمة في الوعي العام؛ فيصبح الانتصار في ملعب، أو الفوز في حلبة، أو الظفر في منافسة ترفيهية، قضية تستنفر المشاعر وتملأ المنصات، بينما تمر القضايا المتعلقة بالهوية والعقيدة والكرامة الإنسانية دون ذلك القدر من الاهتمام. ثم إن من المؤلم أن تنحدر بعض الصراعات الهوياتية إلى مستوى يجعل قضايا الأمة الكبرى تتراجع أمام جدالات صغيرة أقرب إلى التفاهة كالتي تُثار حول الزليج والقفطان والطاجين والكسكس، وكأن الأمة التي ينبغي أن تتنافس في العلم والقوة والعدل والعمران قد استنفدت طاقتها في التنازع حول رموز ثقافية، مع أن الثقافة مجال للتعارف والتكامل لا لاستنزاف الأخوة وإحياء العصبيات. وقد صدق من قال: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا — وإذا افترقن تكسرت آحادا فالقوة ليست في كثرة العدد وحدها، وإنما في اجتماع القلوب على الأصول الكبرى، وفي امتلاك الوعي والقدرة والمسؤولية. وليس أخطر على الأمة من أن يصبح كل فرد مشغولا بخلاصه الفردي، وأن يتحول الدين في الوعي العام من رسالة تبني الإنسان والمجتمع إلى مجموعة من الاهتمامات المتفرقة التي لا يجمع بينها جامع. لقد آن الأوان أن يرفع العلماء وأهل الفكر والدعوة وأصحاب الرأي أصواتهم للتحذير من هذا الاستلاب الذي طال الاهتمامات، ومن هذا الاختطاف الذي أصاب شيئا من العقول والقلوب، حتى أصبح الإنسان المسلم يعرف كثيرا مما لا ينفعه، ويجهل كثيرا مما ينبغي أن يعنيه. إننا بحاجة إلى استعادة نبض الأمة، لا بشعارات عاطفية عابرة، ولا بإلغاء خصوصيات الأوطان، ولا بإحياء العصبيات، وإنما بإحياء المعنى الصحيح للأخوة الإسلامية، وترميم وحدة الانتماء، وإعادة ترتيب سلم الأولويات. والطريق إلى ذلك يبدأ من العودة إلى الإسلام في صفائه وشموله: كتابا وسنة، عقيدة وعبادة، أخلاقا وعدلا، علما وعملا، فردا ومجتمعا؛ إسلاما لا يُجزأ بحسب الأهواء، ولا يُختزل في جانب ويترك جانب، ولا تتحول نصوصه إلى شعارات موسمية. فالأمة التي تريد أن تستعيد حضورها لا يكفيها أن تتذكر آلامها؛ بل تحتاج أن تستعيد وعيها، ووحدتها، وأخلاقها، وعلمها، وقدرتها على التمييز بين ما هو أصيل وما هو عارض، وبين ما يستحق أن تتنازع فيه وما ينبغي أن تتجاوز عنه. وإذا كان ضعف الأمة يبدأ من غياب المعنى في القلوب، فإن استعادتها تبدأ من هناك أيضا. فما لم يستعد المسلم إحساسه بأنه جزء من أمة تتجاوز حدود جواز سفره وخريطة وطنه، وما لم يعد للقرآن والسنة أثرهما في ترتيب أولوياته، وما لم تتحول الأخوة من كلمة تقال إلى معنى يحيا، فإن كثرة العدد لن تغني، وكثرة الأصوات لن تصنع قوة، وكثرة الشعارات لن توقظ أمة فقدت القدرة على الإحساس. والأمة التي يموت فيها الإحساس بأوجاعها، لا تحتاج إلى من يهزمها؛ إذ يكفي أن تتركها غفلتها تمضي بها إلى الهامش. The post حِينَ يَخْفُتُ نَبْضُ الأُمَّةِ…!!! appeared first on هوية بريس.
عموتة ينوه بلاعبي الأهلي أمام الزمالك
أثنى الإطار الوطني الحسين عموتة مدرب النادي الأهلي المصري، على المردود الذي قدمه لاعبوه خل…











