إنستغرام وتيك توك ومصنع أوهام الهجرة لدى الشباب المغربي

في مقاهي طنجة وتطوان والدار البيضاء وبني ملال، لم يعد الانتظار مرتبطًا فقط بفرصة عمل، بل بإشارة رقمية عابرة: شاطئ ذهبي، سيارة جديدة، حفلة في برشلونة أو مدريد، ووجه صديق قديم يبدو سعيدًا في إسبانيا. مشاهد قصيرة على إنستغرام أو تيك توك تكفي لتحويل الهجرة من حلم بعيد إلى مشروع حياة. وهنا تكمن الخطورة: فشبكات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد نافذة للترفيه أو التواصل، بل أصبحت فاعلًا مركزيًا في نشر فكرة الهجرة والتحريض الناعم عليها لدى الشباب المغربي. تشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن 70 في المائة من الشباب المستجوبين يعتمدون على إنستغرام وتيك توك كمصدر رئيسي للمعلومات عن إسبانيا، وأن المحتوى الذي يستهلكونه يأتي غالبًا من أصدقاء أو معارف أو مؤثرين شباب، لا من وسائل الإعلام التقليدية. وهكذا تتحول المنصات الرقمية إلى نافذة شبه وحيدة على «الأرض الموعودة »، لا تعرض شواطئ وحفلات فقط، بل تقدم أيضًا رواية عن «المُهاجر الناجح». رواية يشارك فيها المهاجرون أنفسهم، حتى وهم يعيشون ظروفًا صعبة. هذه الصورة ليست بريئة. إنها صورة مُنتقاة، يتم اصطناعها وتدويرُها، حتى تصبح مُكرَّرة بين الحُشود. لا أحد يُشير إلى الطوابير أمام مكتب التشغيل، ولا إلى مآسي ليالي الشوارع، ولا إلى معاناة التمييز والخوف من المستقبل. وكثيرون يخفون الجانب السلبي خوفًا من إظهار الفشل أو حمايةً لمشاعر أسَرهم، فيصطنعون صورا يريدون من خلالها أن يظهروا بمظهر من نجح في «الوصول». وهكذا يتحول المُهاجر نفسه إلى صانع إعلان عن هجرة لا تشبه حياته اليومية. والأخطر أن الخوارزميات ليست محايدة. فالمحتوى الأكثر جاذبية هو الأكثر انتشارًا، وهو غالبًا محتوى مثالي ومحلّى. وتعمل «فقاعة التصفية» على حصر الشباب في رؤية واحدة عن إسبانيا: فرص، رفاهية، حرية. فتصبح الشبكات الاجتماعية مؤسسة غير رسمية للتنشئة على طلب الهجرة، تُنافس المدرسة والإعلام التقليدي، بل تتفوق عليهما في التأثير العاطفي. فحين يرى الشاب صور أصدقائه في مدريد أو برشلونة، لا يقارن نفسه بواقعهم الحقيقي، بل بالصورة التي ينشرونها. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى مرآة مشوّهة، تعيد إنتاج التخيلات الجماعية وتدفع إلى قرار الهجرة كرد فعل على ضغط اجتماعي أكثر من كونه حسابًا عقلانيًا للتكاليف والمخاطر. سوسيولوجيًا، لا يمكن فهم قرار الهجرة بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي. فالهجرة هنا ليست خيارًا فرديًا حرًا، بل غالبًا مشروع عائلي وجماعي، تتداخل فيه مسؤولية الإعالة، وضغط الانتظار، وتمثلات النجاح الاجتماعي. وتلعب أسطورة «المهاجر المنتصر» دورًا مركزيًا في بناء هذه التمثلات. فمن يهاجر ويظهر النجاح يصبح مرجعًا، ومن يعود أو يفشل يصبح موضوع سخرية. وهنا يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لإنتاج الرأسمال الرمزي، حيث تُقاس القيمة الاجتماعية بالمظهر لا بالواقع. نفسيًا، تعمل هذه الصور المثالية كآلية مقارنة اجتماعية صاعدة، (تُعلي) ترفع سقفَ التوقعات وتخفض (تُبخسُ) تقدير الذات. فالشاب الذي يرى حياة تبدو كاملة (صورة حياة مثالية) يشعر بالنقص والاستعجال: لماذا لا أكون هناك؟ ولماذا يتأخر نصيبي؟ والحال ما أن يصل إلى إسبانيا حتى يبدأ في الاصطدام بواقع التنافر المعرفي. في فضاءات الحياة اليومية والعلاقات، وفي فضاءات العمل. فالشاب الذي ضحّى بالكثير لا يستطيع بسهولة الاعتراف بأن الصورة كانت مضللة، فيميل إلى إدارة الانطباع، أي عرض الذات في أبهى صورة وإخفاء المعاناة. وهنا تتحول المنشورات إلى عمل عاطفي، يُخفف مؤقتًا الشعور بالفشل، لكنه يزيد العزلة على المدى الطويل. وتكتسي هذه الديناميكيات حساسية مضاعفة لدى الفئات الأكثر هشاشة، ومنها القاصرون، الذين يواجهون مخاطر عديدة في مسارات هجرتهم. وها هنا تعمل الشبكات الاجتماعية كشبكات عائمة، تمنحهم إحساسًا بالانتماء والاستمرارية، لكنها أيضًا قد تعمق لديهم الوهم وتزيد وضعيتهم هشاشة. لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالمنع أو التوعية السطحية. المطلوب هو تربية إعلامية نقدية تُعلّم الشباب كيفية قراءة الصور وفهم الخوارزميات وثقافة العرض. كما ينبغي تفكيك أسطورة المهاجر المنتصر عبر سرديات بديلة، تُظهر التنوع والصراع والتعقيد. فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في أصل الحلم، بل في الانسياق خلف صورةٍ رُسمت لتبدو مثالية، ليفاجأ المرء بواقعٍ قاسٍ لم تنشره الشاشات. وحينها، لا يكون الحل في وأد الأحلام، بل في تحرير الإنسان من أسر الوهم، وتشييد جسورٍ متينة تربط بين بريق الخيال وصلابة الواقع. أستاذ باحث بالمعهد العالي الدولي للسياحة بطنجة
الأمم المتحدة تدين هجوم الحوثيين على مطار الرياض وتحذر من تصعيد إقليمي خطير
أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشدة الهجوم الذي شنه الحوثيون على مطار الم…




