حين تكشف الانتخابات أعطاب الفكر والخطاب

هوية بريس – د.رشيد بن كيران أتوجه بهذه الكلمة إلى المتدينين، ولا سيما من يُعرفون في التداول العام بـ”الملتزمين“. ولا أقصد بهذا الخطاب التعميم عليهم، ولا نسبة هذه الأعطاب إلى جميعهم، وإنما أقصد أنماطا من التفكير والخطاب أظهرتها مواقف بعضهم خلال الحملة الانتخابية، وكشفت من خلالها عن اختلالات فكرية ومنهجية وأخلاقية لا يصح تجاوزها دون نقد ومراجعة؛ إذ لا يليق بمن يستند في مواقفه إلى المرجعية الشرعية أن يكون بعيدا عن فقه الخلاف، وضبط الأحكام، والعدل مع المخالف. لقد تبين أن بعض المعارضين للتصويت لفائدة المرشح الأنفع، أو الأقل مفسدة عند تعذر الأصلح، لم يكونوا على قول واحد ولا على مأخذ واحد؛ بل انقسموا إلى أصناف ينبغي التمييز بينها، حتى لا تسوى المواقف المختلفة في أصولها وأحكامها. ▪︎ فمنهم صنف لم يحسن تكييف مسألة التصويت ولا تدبير الخلاف فيها، فنقلها من مجال الاجتهاد في مسائل السياسة الشرعية إلى مجال محاكمة الأشخاص علميا ومنهجيا؛ فرمى مخالفيه بالجهل أو الانحراف عن المنهج، مع أن طبيعة المسألة ومحل النزاع فيها لا يسوغان هذه الأوصاف. ذلك أن المشاركة الانتخابية ليست من أصول الاعتقاد، ولا من مسائل الولاء والبراء التي يمتحن بها الناس، وإنما هي وسيلة مستحدثة لتدبير النزاع واختيار من يسوس الشأن العام، لم يرد نص خاص بتحريمها، وإنما يعرف حكمها من خلال تكييفها، والنظر في مقاصدها وآثارها، والموازنة بين مصالحها ومفاسدها، واعتبار اختلاف الأحوال والمآلات. ومن الخطأ المنهجي تحويل الخلاف في تقدير وسيلة سياسية، مدار حكمها على النظر والاجتهاد وغلبة الظن، إلى معيار للحكم على علم المخالف أو استقامته أو سلامة منهجه؛ فإن الخطأ في الاجتهاد، إن ثبت، يناقش بالحجة والبرهان، ولا يعالج بالطعن والتجهيل والتبديع أو إسقاط العدالة. ▪︎ ومنهم صنف يقر بأصل فقه المصالح والمفاسد، ويعترف بمشروعية الموازنة بينهما، لكنه انتهى، بعد نظره في الواقع، إلى أن مفسدة المشاركة أعظم من مصلحتها، وأن المقاطعة قد تبعث برسالة سياسية قوية ومؤثرة إلى صانعي القرار في الدولة العميقة أو المخزن. وهذا الموقف، من حيث الأصل، اجتهاد سياسي محتمل قابل للنظر والمناقشة، لا يجوز إخراجه من دائرة الاجتهاد المعتبر، كما لا يجوز لأصحابه أن يحولوا ترجيحهم الظني إلى حكم شرعي قطعي يلزمون به غيرهم. فموضع المؤاخذة ليس مجرد اختيار المقاطعة، وإنما في القطع بأنها الموقف الشرعي الوحيد، وتجريد المشاركة من كل مصلحة محتملة، ثم الإنكار على من خالف ذلك. فالموازنة بين المشاركة والمقاطعة واختيار الأرجح منهما مدارها على غلبة الظن، لا على القطع واليقين، ولا يصح بناؤها على مجرد الانطباعات والرغبات. وإنما تحتاج إلى تحقيق المناط، واستقراء الواقع، وتقدير مدى احتمالات التأثير لكل اختيار، ومقارنة البدائل المتاحة ومآلاتها. وليس كل ترك للمشاركة دفعا للمفسدة، كما أن المشاركة ليست في كل حال تحصيلا للمصلحة؛ بل العبرة بما يترتب على كل اختيار من نتائج وآثار، لأن المصالح المعتبرة شرعا هي المصالح المتحققة أو الغالبة على الظن، لا المصالح الموهومة، ولأن الوسائل تأخذ أحكامها من مقاصدها ومآلاتها. وهذا لا يخفى على من شم رائحة فقه المصالح والمفاسد وتبصر بقواعده. وفي هذا النوع من الخلاف ينبغي أن يقال: اختيارنا صواب يحتمل الخطأ، واختيار مخالفنا خطأ يحتمل الصواب، بدل تحويل الاجتهاد السياسي إلى أصل عقدي ومنهجي يوالى ويعادى عليه. ▪︎ أما الصنف الثالث، فهو أشد الأصناف غلوا واضطرابا؛ إذ يعتقد أن مجرد الدخول إلى البرلمان كفر أكبر مخرج من الملة، وأن التصويت لمرشح يريد دخوله إعانة على الكفر ورضا به. وهذا القول ناشئ عن خلل في تصور حقيقة المشاركة البرلمانية، وعن عدم التمييز بين الدخول إلى البرلمان بقصد إقرار التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية، والدخول إليه بقصد مدافعتها وتقليل شرها وحماية ما يمكن حمايته مما تبقى من أحكام الشريعة أو حماية المصالح العامة. ولا نزاع في أن جحد حكم شرعي قطعي، أو استحلال ما عُلم تحريمه من الدين بالضرورة، أو اعتقاد أفضلية التشريع المخالف لحكم الله أو مساواته له، سواء في داخل البرلمان أو خارجه، كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام. أما مجرد الدخول إلى مؤسسة تشريعية، أو التصويت داخلها، فلا يصح جعله بمجرده دليلا على أحقية التشريع من دون الله أو الرضا به. فمن دخل البرلمان بقصد الدعوة إلى تحكيم شرع الله، أو رفض تشريع يصادم أحكامه، أو تقليل الشر، أو منع قانون فاسد، أو حماية مصلحة عامة، فلا يسوى بمن دخله لإقرار الكفر أو الباطل وتأييده. وقد لا تكفي النية الصالحة وحدها لتصحيح كل وسيلة أو فعل، لكنها معتبرة إذا انضمت إلى مشروعية المقصد والعمل، كما أن المشاركة في البرلمان لا تعني بالضرورة الرضا بكل ما يصدر عنه. أما ما يترتب عن التشريع المخالف لشرع الله فتقع على من اقترحه، أو صوت عليه، أو دعا إليه، أو سعى في تمريره عالما بمخالفته، وكل مشارك بحسب قصده واعتقاده ودرجة إسهامه. وأما من رفضه وأنكره وبذل وسعه في منعه، فلا يتحمل وزر من أقره، بل يكون قد أدى ما عليه في ذلك الموقف، ويرجى له الأجر بحسب إخلاصه وصواب قصده واجتهاده. وعلى هذا، فالمشاركة في البرلمان ليست كفرا بمجرد صورتها، وإنما ينظر في حقيقتها، وقصد صاحبها، والأعمال التي يباشرها، والمصالح والمفاسد المترتبة عليها. وقد يقصد بها تقليل الشر، أو منع تشريع فاسد، أو حماية مصلحة عامة، أو مزاحمة أهل الباطل في مواقع التأثير، وهي مقاصد معتبرة متى غلب على الظن إمكان تحقيقها، ولم تفض الوسيلة إلى مفسدة أرجح منها. وهذا الصنف يحتاج في مناقشته إلى بسط أوسع وتحرير أدق، مع استحضار النصوص الشرعية وأقوال العلماء، والتمييز بين الصور المتباينة والأحكام المترتبة عليها؛ عسى أن يتيسر تناول ذلك في مقالات مستقلة. وحسبي في هذا المقام أن أنبه إلى أن المسألة ليست من القطعيات المسلمة التي تحتمل مثل هذا الجزم، خلافا لما توحي به عبارات أصحاب هذا القول وإطلاقاتهم. وختاما، هكذا كشفت الحملة الانتخابية أن الموضوع لا يتعلق بمجرد خلاف سياسي عابر لدى فئة عريضة من المتدينين، بل يتصل بخلل أعمق في تصور مسائل السياسة الشرعية، وفي تنزيل الأحكام على الوقائع، وفي التمييز بين القطعي والاجتهادي، وبين الحكم الشرعي وتقدير المصلحة، فضلا عن ضعف ظاهر في أخلاق الخلاف. وإذا كان من حق كل مسلم أن يختار المشاركة أو المقاطعة بناء على ما ترجح لديه أو اتباعا وتقليدا لمن يثق في علمه وأمانته، فليس من حقه أن يحول تقديره أو اختياره إلى أصل من أصول الدين، أو أن يجعل موقفه ميزانا للإيمان والاستقامة وصحة المنهج؛ فإن مسائل الاجتهاد تدار بالعلم والعدل وأدب الخلاف، لا بالتجهيل والتبديع. #لا_للغو_في_التصنيف The post حين تكشف الانتخابات أعطاب الفكر والخطاب appeared first on هوية بريس.
ميسي يلحق برونالدو في نادي المليارديرات
دخل ليونيل ميسي رسميا قائمة الرياضيين المليارديرات بحسب تقديرات مجلة فوربس ، بثروة صافية ت…








_1791679273.webp?w=406&resize=406,233&ssl=1)


