النقاش السياسي بالمغرب بين صراع الأشخاص وغياب القضايا الكبرى: هل نتقدم ديمقراطياً أم ندور في الحلقة نفسها؟

الحسن باكريم | أكادير هل أصبح النقاش السياسي بالمغرب أكثر نضجاً وعمقاً، أم أننا ما زلنا نعيد إنتاج الممارسات نفسها، حيث تتقدم الشخصيات والمصالح والحسابات الحزبية على حساب الأفكار والبرامج والقضايا الاستراتيجية التي تهم حاضر المغرب ومستقبله؟ سؤال يفرض نفسه بقوة ونحن نستحضر طبيعة النقاش السياسي والإعلامي الذي رافق الاستعدادات للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وما شهدته الحملة الانتخابية من تجاذبات، وما أعقب الإعلان عن نتائج الاقتراع من سجالات حول التحالفات الحكومية وتوزيع المواقع والمسؤوليات. فالمتابع للمشهد السياسي المغربي، سواء من خلال تصريحات القيادات الحزبية أو وسائل الإعلام التقليدية أو المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، يكاد يخرج بانطباع مفاده أن الحياة السياسية اختُزلت، في جانب واسع منها، في أسماء وشخصيات ومواقف فردية، أكثر مما انصرفت إلى مناقشة المشاريع المجتمعية والاختيارات الاقتصادية والسياسية والثقافية الكبرى. عزيز أخنوش، عبد الإله بنكيران، فوزي لقجع، وغيرهم من الفاعلين السياسيين، كانوا حاضرين بقوة في واجهة النقاش. ماذا قال هذا؟ وكيف رد عليه ذاك؟ ومن هاجم من؟ ومن سيتحالف مع من؟ ومن سيحصل على هذه الوزارة أو تلك؟ أسئلة قد تكون لها أهميتها في متابعة الحياة الحزبية، لكنها لا يمكن أن تشكل جوهر النقاش السياسي في بلد يواجه تحديات استراتيجية عميقة، داخلياً وخارجياً. من التنافس بين البرامج إلى المواجهة بين الشخصيات لا يمكن إنكار أن الأحزاب السياسية المغربية قدمت برامج انتخابية، وأن بعضها حاول عرض تصورات تتعلق بالتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار والقدرة الشرائية. وقد شهدت الحملة بالفعل قراءات ومقارنات لهذه البرامج، وإن ظلت محدودة التأثير أمام الصخب السياسي والإعلامي المحيط بالشخصيات. لكن المشكلة ليست في غياب البرامج من الوثائق الحزبية، بل في ضعف تحولها إلى مادة حقيقية للنقاش العمومي والمساءلة والمقارنة. كان من المفروض، مثلاً، أن يناقش الفاعلون السياسيون حصيلة التجربة الحكومية السابقة، ليس من موقع الدفاع المطلق أو الرفض المطلق، وإنما من خلال تقييم موضوعي لما تحقق وما تعثر، وربط ذلك بالتزامات الأحزاب التي شاركت في تدبير الشأن العام. وكان من المفروض كذلك أن نسمع نقاشاً واضحاً حول الفوارق بين المشاريع الاقتصادية والاجتماعية للأحزاب، وحول طبيعة الإصلاحات المقترحة ومصادر تمويلها ومدى واقعيتها. لكننا تابعنا، في مناسبات كثيرة، انتقال النقاش من مضمون السياسات إلى نوايا الأشخاص، ومن مساءلة القرارات إلى تبادل الاتهامات، ومن التنافس الديمقراطي إلى نوع من الاستقطاب القائم على الولاء أو الخصومة. وهنا تكمن المفارقة: قد تتغير الحكومات والتحالفات والوجوه، لكن أساليب النقاش السياسي تبدو أحياناً وكأنها لا تتغير بالسرعة نفسها. أين القضايا الكبرى للمغرب؟ من أكثر ما يثير الانتباه في النقاش الذي رافق انتخابات 2026 ضعف حضور عدد من القضايا الاستراتيجية الكبرى، أو على الأقل عدم حصولها على المساحة والعمق اللذين تستحقهما. فقضية الوحدة الترابية، على سبيل المثال، لا ينبغي أن تبقى حبيسة الإجماع الوطني والشعارات العامة، على أهمية هذا الإجماع. بل تستدعي نقاشاً سياسياً وفكرياً حول آفاق تنزيل مقترح الحكم الذاتي، ومتطلبات التنمية والديمقراطية المحلية والحكامة في الأقاليم الجنوبية، وكيفية مواكبة التحولات الدبلوماسية المرتبطة بهذا الملف. كما أن العلاقات الدولية للمغرب، وفي مقدمتها علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي ودول إفريقيا، تطرح أسئلة استراتيجية تستحق نقاشاً مسؤولاً داخل الأحزاب والبرلمان والإعلام والجامعة. فما موقع المغرب في التحولات الجيوسياسية العالمية؟ وكيف يمكن التوفيق بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية والمواقف المبدئية؟ وما انعكاسات العلاقات مع إسرائيل، في ظل استمرار القضية الفلسطينية وما تعرفه المنطقة من توترات، على اختيارات السياسة الخارجية المغربية؟ هذه أسئلة لا تمس الثوابت الوطنية، وإنما تعزز الوعي بها وتفتح المجال لفهم أعمق للتحولات التي تحيط بالمغرب. الأمازيغية والدين والمناخ… قضايا لا ينبغي أن تبقى على الهامش ليس أقل أهمية من ذلك واقع النقاش حول القضية الأمازيغية، باعتبارها قضية دستورية ووطنية ومجتمعية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. فبعد مرور سنوات على ترسيم الأمازيغية دستورياً، كان من المنتظر أن يحتل تقييم السياسات العمومية المرتبطة بتفعيل طابعها الرسمي موقعاً بارزاً في النقاش الانتخابي، خاصة في مجالات التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والرقمنة. صحيح أن بعض المنابر والمبادرات المدنية حاولت مساءلة البرامج الحزبية في هذا المجال. وقد أظهرت قراءة مقارنة لبرامج تسعة أحزاب، نشرت خلال شتنبر 2026، تفاوتاً في التفاعل مع مطالب الحركة الأمازيغية، سواء من حيث الالتزامات أو آليات التنفيذ. لكن مثل هذه المبادرات ظلت بحاجة إلى أن تتحول إلى نقاش سياسي وطني واسع، يجعل الأمازيغية جزءاً من تصور الأحزاب لمستقبل الدولة والمجتمع، لا مجرد فقرة ضمن البرامج الانتخابية. والأمر نفسه ينطبق على المسألة الدينية، التي تستحق نقاشاً رصيناً حول دور المؤسسات الدينية، وتأطير الحقل الديني، والعلاقة بين الدين والسياسة، والتربية على قيم التسامح والاعتدال، بعيداً عن توظيف المشاعر الدينية في الصراعات الحزبية. أما التغيرات المناخية، وما يرتبط بها من جفاف وإجهاد مائي وتحولات فلاحية وتهديدات للتوازنات البيئية، فهي من أخطر التحديات التي تواجه المغرب في العقود المقبلة. فهل نوقشت هذه القضايا بما يكفي خلال الحملة الانتخابية؟ وهل قدمت الأحزاب تصورات متمايزة وقابلة للتنفيذ بشأن الأمن المائي والانتقال الطاقي والعدالة المجالية والتكيف المناخي؟ إن هذه الملفات ليست قضايا تقنية ثانوية، بل اختيارات سياسية تمس مستقبل الأجيال القادمة. الإعلام والرقمنة: توسيع النقاش أم إعادة إنتاج السطحية؟ لا يمكن تحميل الأحزاب السياسية وحدها مسؤولية مستوى النقاش العمومي، لأن الإعلام بمختلف وسائطه أصبح طرفاً مؤثراً في تحديد موضوعاته وأولوياته. ففي الوقت الذي أتاحت فيه الرقمنة وشبكات التواصل الاجتماعي فرصاً غير مسبوقة لتوسيع المشاركة السياسية والتعبير عن الرأي، ساهم منطق الانتشار السريع والتفاعل اللحظي في إعطاء أهمية أكبر للتصريحات المثيرة والمواجهات الشخصية والمقاطع القصيرة. وهكذا أصبح تصريح هجومي لزعيم سياسي قادراً على استقطاب اهتمام واسع، بينما قد لا يحظى تحليل جاد لبرنامج اقتصادي أو تقرير حول التعليم أو دراسة بشأن السياسات المناخية بالاهتمام نفسه. وهنا نصل إلى إشكالية إعلامية حقيقية: هل يمارس الإعلام دوره في ترتيب أولويات النقاش العمومي وفق أهمية القضايا، أم أصبح في جزء منه تابعاً لمنطق الإثارة والصراع وجلب المشاهدات؟ إن الصحافة السياسية الجادة ليست مجرد نقل لما يقوله السياسيون، بل هي أيضاً مساءلة لما لا يقولونه، والكشف عما يغيب عن خطاباتهم، ومقارنة الوعود بالإنجازات، وتقديم المعطيات التي تسمح للمواطن بتكوين موقف واعٍ ومستقل. ولا يتعلق الأمر برفض الاهتمام بالشخصيات، لأن المسؤول السياسي يتحمل مسؤولية قراراته ومواقفه، وإنما برفض تحويل الشخصية إلى الموضوع الوحيد للسياسة. أزمة النقاش أم أزمة الثقافة السياسية؟ قد يكون من التبسيط اعتبار ما حدث مجرد انحراف ظرفي رافق انتخابات 2026. فالمسألة تبدو أعمق، وترتبط بطبيعة الثقافة السياسية التي ما زالت تمنح الأشخاص والزعامات والتحالفات أهمية تفوق أحياناً أهمية المؤسسات والأفكار. إن الانتقال الديمقراطي لا يُقاس فقط بانتظام الانتخابات، ولا بتعدد الأحزاب، ولا حتى بالتداول على المسؤوليات، بل يُقاس أيضاً بنوعية النقاش الذي ينتجه المجتمع حول خياراته ومستقبله. فالديمقراطية المتقدمة تحتاج إلى أحزاب تنتج الأفكار، ونخب قادرة على الاختلاف حول المشاريع، وصحافة تمارس التحليل والمساءلة، وجامعة ومراكز بحث تغذي النقاش العمومي بالمعرفة والمعطيات. كما تحتاج إلى مواطن لا يُطلب منه فقط اختيار هذا الزعيم أو معاقبة ذاك، بل تمكينه من المقارنة بين اختيارات سياسية واضحة وآثارها المحتملة على حياته ومستقبل أبنائه. ومن الإنصاف أيضاً الاعتراف بأن المجتمع المغربي لم يبق جامداً، فقد اتسعت فضاءات التعبير والنقد، وتنوعت المنابر الإعلامية، وأصبح المواطن أكثر قدرة على مساءلة المسؤولين. غير أن هذا التطور الكمي في حرية التعبير ووسائل التواصل لا يعني بالضرورة تطوراً موازياً في جودة الحوار وعمق التحليل. وهذا هو التحدي الحقيقي، هل نتقدم أم ندور في الدائرة نفسها؟ إن السؤال المطروح اليوم، بعد انتخابات 2026، ليس فقط من سيحكم المغرب، أو من سيشارك في الحكومة، أو من سينتقل إلى المعارضة، بل أيضاً: ما الأفكار التي ستحكم بها الأغلبية؟ وما المشروع البديل الذي ستدافع عنه المعارضة؟ وما قدرة الطرفين على إنتاج نقاش سياسي يرفع مستوى الوعي الجماعي؟ فالمعارضة ليست مجرد مهاجمة الحكومة، كما أن الأغلبية ليست مجرد الدفاع عن أعضائها. كلاهما مطالب بتقديم تصورات ومواقف وحلول ومحاسبة قائمة على الوقائع والنتائج. لقد أصبح المغرب في حاجة إلى نقاش عمومي يتجاوز الأشخاص دون أن يعفيهم من المسؤولية، ويضع السياسات فوق الحسابات، والمصلحة العامة فوق المصالح الانتخابية الظرفية. نقاش يستحضر التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية، لكنه لا ينسى الوحدة الترابية والحكم الذاتي والعلاقات الدولية والأمازيغية والمسألة الدينية والتغيرات المناخية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. إنها كلها قضايا مترابطة لا يمكن بناء مشروع وطني متكامل دون التفكير فيها بصورة شمولية. وفي المحصلة، يبدو أن المغرب حقق تقدماً في توسيع فضاءات التعبير والتنافس السياسي، لكنه ما زال مطالباً بتحقيق تقدم نوعي في مستوى النقاش الديمقراطي ومضمون الممارسة السياسية. فحين يصبح السؤال الأكثر تداولاً هو ماذا قال فلان عن علان، بدل ماذا يقترح هذا الحزب لمستقبل المغرب، نكون أمام اختلال في ترتيب الأولويات. وحين تصبح التحالفات والمناصب أهم من البرامج والتصورات، فإننا نخاطر بتحويل الانتخابات من لحظة لمناقشة المستقبل إلى مجرد محطة لإعادة توزيع المواقع. إن الديمقراطية لا تتقدم بتغيير الوجوه وحده، بل تتقدم عندما تتغير طبيعة الأسئلة التي نطرحها، ونوعية الأجوبة التي ننتظرها، ومستوى المحاسبة الذي نفرضه على من يتولى تدبير الشأن العام. ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من النقاش السياسي الذي رافق انتخابات 2026: أن المغرب لا يحتاج فقط إلى تجديد نخبه السياسية، بل يحتاج أيضاً إلى تجديد ثقافته في الحوار والاختلاف، والانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة الأفكار والمشاريع. فالأوطان لا تُبنى بالسجالات العابرة، وإنما بالرؤى الواضحة والسياسات المسؤولة والنقاش العمومي الناضج.
الجهوية واللاتمركز في صلب الخطاب الملكي.. دعوة إلى تسريع التنفيذ
شدد الملك محمد السادس على ضرورة تسريع التفعيل الكامل للجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإ…


