الصحافة الإسبانية تقرأ بحذر خطاب محمد السادس بشأن الهجرة والعلاقات مع مدريد قبيل زيارة فيليبي السادس لسبتة ومليلية

أثار خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان المغربي، الجمعة، اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام الإسبانية، التي ركزت على تصريحاته بشأن العلاقات بين الرباط ومدريد، وانتقاده توظيف أزمة الهجرة في سبتة سياسياً، وإعلانه أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزاً، وذلك قبل أيام من زيارة مرتقبة للعاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر الجاري. وأظهرت التغطيات التي نشرتها صحف إسبانية بارزة، بينها “إل باييس” و”لا فانغوارديا”، إلى جانب وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” والتلفزيون العمومي الإسباني وشبكة “كادينا سير” الإذاعية، تقارباً في تحديد الرسائل الأساسية للخطاب، مع اختلاف في تفسير دلالاتها السياسية وانعكاساتها المحتملة على العلاقات الثنائية. واعتبرت وسائل الإعلام الإسبانية أن الخطاب، الذي جاء بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة عقب الانتخابات البرلمانية المغربية في 23 شتنبر الماضي، يمثل أول موقف علني للملك محمد السادس من أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز، عندما عبر عشرات الآلاف من المهاجرين، معظمهم مغاربة، الحدود نحو المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية. التحذير من الابتزاز والتهديد وفي هذا السياق، اختارت صحيفة “إل باييس” إبراز تحذير الملك من إخضاع التعاون بين البلدين لأي ضغوط أو تهديدات أو ابتزاز، معتبرة أن الرسالة جاءت في توقيت سياسي حساس، قبيل الزيارة المرتقبة لفيليبي السادس إلى سبتة ومليلية. ولفت مراسل الصحيفة في الرباط، إلى أن الملك محمد السادس انتقد ما وصفه بـ”التصريحات غير المسؤولة”، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، دون أن يسمي الجهات المقصودة، كما لم يشر صراحة إلى الزيارة الملكية الإسبانية المرتقبة. وركزت الصحيفة على تأكيد محمد السادس أن المغرب عزز مكانته الدولية باعتباره شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، يفي بالتزاماته وينتظر من شركائه المعاملة بالمثل. وقرأت هذا الموقف في سياق التعاون الأمني والحدودي مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، خصوصاً ما يتعلق بمراقبة تدفقات الهجرة غير النظامية. وأوردت “إل باييس” أن المغرب يقدر كلفة جهوده في مراقبة الهجرة نحو أوروبا بنحو 500 مليون يورو سنوياً، مقابل حصوله على أقل من 150 مليون يورو من التمويلات الأوروبية، وهي أرقام تعكس، بحسب المعطيات التي نقلتها الصحيفة، التفاوت بين الكلفة التي تعلنها الرباط والمساعدات التي تتلقاها. انتقاد “عدم المسؤولية” أما وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، فقد اختارت عنواناً يركز على انتقاد الملك لـ”عدم مسؤولية” بعض السياسيين الإسبان ورفضه الضغوط، مع إبراز إعلانه أن الشراكة مع إسبانيا خيار سيادي والتزام طوعي، لا يمكن أن يخضع للتهديد أو الابتزاز. ونقلت الوكالة اعتراف الملك بأن التعاون الثنائي حقق تقدماً في مجالات عديدة، بما فيها مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه بات يواجه تحديات مرتبطة بما وصفه بتشريعات متجاوزة وقرارات قضائية بعيدة عن الواقع، تعرقل إعادة القاصرين وبعض المهاجرين المغاربة. وفي المقابل، تبرز في التغطية الإسبانية زاوية قانونية مختلفة، تتعلق بضرورة احترام الضمانات التي توفرها القوانين الإسبانية والاتفاقيات الدولية لحماية القاصرين وطالبي اللجوء. وهو ما يجعل مسألة إعادة المهاجرين ليست مجرد قضية تعاون أمني بين دولتين، بل ملفاً تحكمه أيضاً التزامات قانونية وحقوقية. وتوقفت “إل باييس” خصوصاً عند الأحكام القضائية الإسبانية المتعلقة بإعادة المهاجرين، مشيرة إلى قرار للمحكمة العليا سبق أزمة سبتة، وفرض قيوداً على عمليات الإرجاع الفوري للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى المدينتين سباحة. ويكشف هذا الجانب عن اختلاف في مقاربة القضية بين الرباط، التي تشدد على فعالية التعاون في إعادة المهاجرين، والمؤسسات القضائية الإسبانية الملزمة بتطبيق الضمانات القانونية. إدانة “التوظيف السياسي” لأزمة سبتة ومن جانبها، ركزت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية العمومية “آر تي في إي” على إدانة محمد السادس لما وصفه بـ”التوظيف السياسي” لأزمة سبتة من طرف بعض الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا، وتحذيره من استخدام التعاون الثنائي وسيلة للضغط. وأبرزت الهيئة أن تصريحات الملك جاءت بعد أكثر من شهرين على أزمة يوليوز، التي شهدت، وفق المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية، عبور نحو 80 ألف شخص إلى سبتة، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي عرفتها الحدود بين البلدين. كما سلطت التغطية الضوء على إعلان الملك أن المغرب سيقدم وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية جديدة للتعاون، تقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، بدلاً من الاقتصار على المقاربة التقليدية لإدارة الهجرة. وفي الاتجاه نفسه، أعطت إذاعة “كادينا سير” أهمية خاصة لإقرار الملك بأن نموذج التعاون الحالي أصبح متجاوزاً، معتبرة أن الأزمات المتكررة تفرض البحث عن صيغة جديدة للعلاقات في مجال الهجرة، رغم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الماضية. أما صحيفة “لا فانغوارديا” الصادرة في برشلونة، فقد ركزت على انتقاد الملك للتصريحات السياسية والإعلامية الإسبانية، وربطت ذلك بالوضع الذي تعيشه سبتة منذ أحداث يوليوز الماضي. وأشارت الصحيفة إلى أن المدينة لم تستعد بعد وضعها الطبيعي بصورة كاملة، وأن السلطات المغربية والإسبانية تواصلان التعاون لمعالجة أوضاع المهاجرين الذين دخلوا خلال الأزمة، في وقت تستعد فيه المدينتان لاستقبال الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا. وتكشف هذه التغطية عن بعد آخر للأزمة، يتصل بتداعياتها الإنسانية والاجتماعية داخل سبتة، وليس فقط بالخلافات السياسية والدبلوماسية بين البلدين. تزامن الخطاب مع زيارة ملك اسبانيا لسبتة ومليلية ويحتل توقيت الخطاب مكانة مركزية في معظم القراءات الإسبانية، بالنظر إلى تزامنه مع الاستعدادات لزيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، وهي زيارة تحمل حساسية سياسية خاصة بسبب الخلاف التاريخي بين المغرب وإسبانيا بشأن السيادة على المدينتين. وفي تقرير منفصل نشرته الجمعة، كشفت “إل باييس” أن الملك الإسباني والملكة ليتيثيا سيزوران المقبرة الإسلامية في سبتة، حيث دفن عدد من ضحايا أحداث الهجرة الجماعية في يوليوز، وأن فيليبي السادس سيقضي ليلة في المدينة، في خطوة غير مسبوقة لرئيس دولة إسباني خلال الحقبة الديمقراطية. وأشارت الصحيفة إلى أن الزيارة تحمل رسالة تأكيد للسيادة الإسبانية على المدينتين، مستحضرة الأزمة الدبلوماسية التي أعقبت زيارة الملك السابق خوان كارلوس الأول إليهما سنة 2007، عندما استدعى المغرب سفيره في مدريد للتشاور. غير أن الربط الذي تقيمه وسائل الإعلام الإسبانية بين خطاب محمد السادس والزيارة المرتقبة لا يعني بالضرورة أن الخطاب جاء رداً مباشراً عليها، خصوصاً أن الملك المغربي لم يذكر الزيارة في كلمته، ولم يصدر، حتى مساء الجمعة، موقف مغربي رسمي يربط بين الحدثين. ثلاثة مستويات في قراءة الخطاب وتكشف المقارنة بين التغطيات الإسبانية عن ثلاثة مستويات في قراءة الخطاب. يتعلق الأول برسالة سياسية تؤكد رفض المغرب التعامل معه باعتباره مجرد طرف مكلف بضبط الهجرة نحو أوروبا. ويتمثل الثاني في الخلاف القانوني والحقوقي بشأن إعادة المهاجرين، ولا سيما القاصرين. أما الثالث فيرتبط بمستقبل الشراكة المغربية الإسبانية، في ظل إعلان الرباط نيتها اقتراح إطار جديد للتعاون يقوم على التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. ورغم إبراز عدد من العناوين الإسبانية لعبارات التحذير والتهديد والابتزاز، فإن مضامين الخطاب، كما نقلتها هذه الوسائل، تضمنت أيضاً تأكيداً على المكاسب التي حققها التعاون الثنائي، وعلى رغبة المغرب في تطويره وفق مقاربة جديدة. ولا تسمح التغطيات المنشورة حتى الآن بالجزم بأن الخطاب ينذر بأزمة دبلوماسية جديدة بين الرباط ومدريد، مثلما لا تقدم تفاصيل كافية بشأن طبيعة المقترحات التي تعتزم السلطات المغربية تقديمها إلى شركائها الأوروبيين. ويبدو أن العنصر الذي ستتوقف عليه القراءات الإسبانية المقبلة هو مضمون الوثيقة الاستراتيجية التي أعلنها الملك، وما إذا كانت ستتضمن مطالب محددة بشأن التمويل الأوروبي، أو آليات إعادة المهاجرين، أو توسيع التعاون الاقتصادي والتنموي. وفي انتظار اتضاح هذه المقترحات وردود الفعل الرسمية الإسبانية، تعكس تغطيات الصحافة الإسبانية اهتماماً برسالة مزدوجة حملها الخطاب: التأكيد على أهمية الشراكة مع إسبانيا، مع التشديد على أن استمرارها يقتضي، من وجهة نظر الرباط، مراجعة قواعد التعاون القائم في مجال الهجرة واحترام مبدأ المعاملة بالمثل. وتبقى الزيارة المرتقبة لفيليبي السادس إلى سبتة ومليلية أول اختبار سياسي ودبلوماسي قريب لمدى قدرة البلدين على الفصل بين خلافاتهما بشأن الهجرة والسيادة، وبين مصالحهما المشتركة في الأمن والتجارة والاستقرار الإقليمي.
مؤشرات غير عادية في مياه سطات تدفع إلى توقيف التزويد وغسل الشبكة
كشفت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات تفاصيل الاضطراب الذي عرفه التزويد با…






