الصّاكُ

الصّاكُ

لا أقصد بحديثي عن “الصّاكِ” حادثةً بعينها، ولا أستحضر واقعةً محدّدة، ولا أبحث عن صاحب حقيبة لأُفصِّلَ على مَقَاسِه حكايَةً. ولوْ كان الأمر كذلك لَهَانَ عليّ الخَطْب، وأغلقتُ الموضوع. غير أنّني أجد لهذا “الصّاك” في دهاليز السّياسة حضورًا أرسخ من كثير من المبادئ، وقدرةً عجيبة على التّنقّل بين الأيدي والمكاتب والمناصب، دون أن يفقد شيئًا من أسراره أو سحره أو نفوذه. ولستُ أتحدث عن “صَاكٍ” واحد، وإنّما عن سُلالة من الحقائب السّياسية، تختلف ألوانها وأحجامها، وتتباين محتوياتها ووجهاتها، وتلتقي عند موهبة نادرة في حمل ما لا تحتمله الكلمات، وإخفاء ما لا تحتمله الشّفافية. وإذا وجد القارئ في حديثي شبهًا بوقائع يعرفها، فلا أملك أن أعتذر عن واقعٍ باتَ أضحى معلوما، ولا عن “صاكٍ” تكاثرت أشْباهه حتى غدا التمييز بين الأصل والنسخة ضربًا من الاجتهاد السّياسي. ولعلّني لا أظلم السّياسة حين أقول إنّ مِنْ حُسن حظّ بعض أهلها أنّ الحقائب لا تنطقُ، ومن سُوء حظّ الحقيقة أنّها لو نَطقت لاختصرت عليْنا سنواتٍ من التّحقيقات واللّجَان، ورُبّما كشفت لنا أنّ بعض من حسبناهم يحملون هُمومَ الوطن لم يكونوا، في حقيقة الأمر، يحملون سوى “صَاكهم”، وأنّ “الصّاك” نفسه كان يحملُ من أسْرار السّياسة أكثر ممّا تحْمِله رؤوس أصحابه من أفكار. حين تُختصَر السّياسة في حَقيبة في بلادنا، لا يحتاج السّياسي إلى أن يحمل مشروعًا كبيرًا بقدر ما يحتاج إلى “صَاكٍ” يتّسع لِمَا لا تتّسع له البرامجُ. فالأفكار قد تُناقَش، والوعود قد تُحاسَب، والمواقف قد تُراجَع، أمّا “الصّاك” فلَهُ فضيلةٌ نادرةٌ: لا يتكلّم، ولا يعترض، ولا يكشف أسراره إلا لمن يعرف كيف يفتحُه. و”للصّاك” في السّياسة منزلةٌ لا تُدركها الحقائب العادية. قد يدخل صاحبه الاجتماع متأخّرًا، ويكون “صَاكُه” قد سبقه في الحضور المعنوي. وقد يجلسُ السّياسي ساعات يتحدّث عن المصلحة العامّة، بينما تستقرّ إلى جانبه حقيبة صغيرة تختزنُ من المصالح الخاصة ما يكفي لإفراغ الخطاب من معناه. وليس حجمُ “الصّاك” دليلًا على حَجمِ ما يحْتَويه. فقد تكفي حقيبة صغيرة لتغيير موقف كبير، وقد تحمل حقيبة ضخمة ملفات لا تغيّر شيئًا في حياة المواطنين. وفي الحالتين، تظلّ السّياسة فنًّا عجيبًا في تَقديرِ الأوزَان؛ إذ قد تصبح ورقةٌ خفيفةٌ أثقلَ من برنامج حُكومي، ويغدو ظرفٌ صغير أقدر َعلى الإقناع من خِطاب طويل. في البدء كان “الصّاك”… ثم جاءت السياسة! يعرفُ السِّياسي المحنّكُ أن “للصّاكِ” آدابًا لا تُدرَّس في كليّات العلوم السّياسية. يعرف متى يحمله بنفسه، ومتى يتركه في يد مرافقه، ومتى يضعه فوق الطاولة، ومتى يُبقيه بعيدًا عن الأنظار. ويعرف، قبل ذلك كلّه، أن بعض الحقائب ينبغي أن تظلّ مغلقة، لا حرصًا على محتوياتها، وإنّما حِرصًا على سلامة الرِّواية الرَّسمية. لذلك، قدْ يثيرُ “الصّاكُ” المفتوح أسئلة مُحرجة، أمّا “الصّاك” المغلق فيُتيح للجمِيع مُمارسةَ فضِيلة الصَّمت، وهي فضيلَةٌ تحظى في بعض الأوسَاط السِّياسية بتقديرٍ يفُوق تقديرَ الكفاءَة والنَّزاهة. و”للصّاك” الانتخابي قُدرة عجيبة على التكيّف مع الظروف. قبل الاقتراع يمتلئ بالوعود، ثمّ لا يلبثُ أن يضيقَ بالاعتذارات والتَّبريرات؛ وتُصبح المشاريع التي كانت جاهزةً للتنفيذ بحاجَة إلى دراساتٍ، والدراساتُ بحاجةٍ إلى لجان، واللّجانُ بحاجةٍ إلى اعتمادات، والاعتماداتُ بحاجة إلى ظروفٍ مُلائمة. أمّا “الصّاك”، فلا ينتظر شيئًا من ذلك؛ ينتقل من اجتماع إلى آخر، ومن مكتب إلى آخر، ومن ولاية إلى أخرى، محافظًا على نشاط إداري تحسده عليه المشاريع المتعثّرة. وفي الاجتماعات الرسمية، يحتلّ “الصّاكُ” مكانًا يتناسب مع مكانة صاحبه. فصاحب المنصب المتواضع يحتفظ بحقيبته قُرب قدمَيه، وصاحبُ المنصبِ الرّفيع يضعها إلى جانبه، أمّا من بلغ مرتبة أعلى في سُلّم النُّفوذ فقد لا نراهُ حاملًا شيئًا على الإطلاق، يحملُ الآخرون “صَاكَهُ”، ويفتحون له الأبواب، ويرتّبون أوراقه، ويحرصُون على ألّا تَثقُل يداه بما يمكن أن تَثقُل به أيْديهم. “صَاكٌ” صغيرٌ يتّسِع لكلّ التّناقُضات! و”للصّاك” علاقة حميمة بالتّحالفات السّياسية. فقد تتباعد البرامج وتتعارض المبادئ وتشتدّ الخصومات أمام الكاميرات، ثمّ يكتشف المختلفون، في مكان أكثر هدوءًا، أن حقائبهم تتّسع لمصالح مشتركة. وتتحوّل الخلافات العميقة إلى تفاصيل قابلة للتَّفاوض، والمواقف المبدئية إلى صيَغ مَرنة، والخُصومات التّاريخية إلى سُوء تفاهم عَابر. ومن طرائف السّياسة أن “الصّاك” قد يُغيّر محتواه دون أن يغيّر صاحبُه خِطابه. يتحدّث عن النزاهة في الصباح، وعن الإصلاح في الظهيرة، وعن تخليق الحياة العامة في المساء، ويظلّ “الصّاك” حاضرًا في المناسبات الثلاث، شاهدًا صامتًا على قدرة اللّغة السّياسية على التّعايش مع ما يناقِضها. فالخِطاب لا يدفع ثمن تناقضَاته فوْرًا، و”الصّاك” لا يطالبُ صاحبه بتفسير ما يحمِلُه. وقد يظلّ الاثنان في انسجام تامّ سنوات طويلة، إلى أن يتسرّب شيء من محتويات الحقيبة إلى العَلَن، فتبدأ مرحلة جديدة من البلاغة: بلاغة النّفي والتّوضيح وسُوء الفهم والتّأويل المُغْرِض. “صَاكٌ” مُمْتلئ ورؤوس فارغة! قد يكونُ من الظّلم تحميلُ “الصّاك” كلّ هذه الأوزَار؛ فهو، في نهاية المطاف، قطعةُ جلد أو قماش لا تختار ما يوضع داخلها، ولا تقرّر إلى أين تذهب، ولا تميّز بين المال المشروع والمصلحة المشبوهة، ولا بين وثيقة تخدم الوطن وورقة تخدم صاحبها. إنما المدهش أن أشياء جامدة قد تكتسب في الحياة السّياسية سُلطة لا تكتسبُها الأفكار، وأن حقيبَة صامتة قد تُسمَع أكثر من صوت المواطن. ولعلّ اليوم الذي تستقيم فيه السِّياسة حقًّا لن يكونَ اليوم الذي تختفي فيه الحقائب من أيدي السّياسيين، سيكونُ حتمًا اليوم الذي تفقد فيه قدرتها على ترجيح القرارات وتحديد المصائر؛ يوم تصبح فيه البرامج أثقل وزنًا من “الصّاك”، والمصلحة العامة أوسع من أيّ حقيبة مهما بلغ حَجْمها. إلى ذلك الحين، سيظلّ “الصّاكُ” حاضرًا في المشهد السّياسي، أنيقًا، متحفّظًا، شديدَ الوفاء لصاحبه، لا يَطرحُ الأسئلة ولا يُجيب عنها. وسيظلّ المواطن يتأمّلُه من بعيد، متسائلًا عمّا تُخبّئه تلك الحقيبة التي تتغيّر أشكالها بتغيّر المناصب، ولا تتغيّر أسْرارها بتغيّر الخطابات. ولعلّ أعظم نجاح حقّقه “الصّاك” في السّياسة أنّه أقنع بعض السّياسيين بأنهم هم الذين يحملونه، بينما هو، في الحقيقة، الذي يحملهم إلى المناصب، ويُبْقيهم فوقَ الكَراسي، ويحفظ لهم من السُّلطة ما قد لا تحفظه لهم صناديق الاقتراع. من لا يملك مشروعًا، فليحْملْ “صَاكًا “! لا يسَعُني في ختام حديثي إلاّ أن أُبْديَ إعجابي بهذه الحقيبة التي استطاعت أن تُحقّق في السّياسة ما عجزت عنه أعْتى البرامج وأفصح الخُطب؛ تجْمعُ المتخَاصِمين، وتُليّن المتشَدِّدِين، وتُقرّبُ المتباعِدينَ. وأعترفُ أنّني لا أخْشى على “الصّاك” من الفَساد بقدر ما أخشى على الفساد من اختفاء “الصّاك”؛ إذ أين سيجدُ بعضُ السَّاسة مُستودعًا أمينًا لمبادِئِهم القابلة للطيّ، وضمائرهم القابلة للإيداع، ومواقفهم القابلة للسَّحْبِ عندَ الطّلب؟ ولستُ أطالب بفتح الحقائب، فذلك شأن قد يُربك من اعتادوا إغلاق الملفات قبل قراءتها، وإنّما أتمنّى أن يأتيَ يومٌ لا يحتاجُ فيه السّياسي إلى “صاك” ليُثبتَ وزْنَه، ولا المواطن إلى واسِطة ليُثبِتَ وجُوده. وإلى أن يَحينَ ذلكَ اليَوم، سأظلُّ على يقينٍ بأنّ أخطر ما في “الصّاك” ليس ما يستقرّ في جوْفِه من أسْرار، وإنّما ما يتوارى خلفَه من حقائق، وأنّ بعض أصحابه لو طالبناهم بالتّصْريح عن ثرواتهم الفِكْرية عِوَضًا عن مُمتلكاتهم المادية، لما احتاجوا إلى “صاك” أصْلًا؛ فَجَيْبٌ صغيرٌ يكفي لحَمْل رصيدهم الفكريّ بأكمله، وسيبقى فيه من الفَراغ ما يتّسع لعُقُولهم أيضًا! لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post الصّاكُ appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

2 × 3 =

Check Also

مهزلة في الدوري الإسباني.. إلغاء مباراة رايو فاييكانو وأتلتيك بيلباو بسبب فوضى غير مسبوقة

<p>إلغاء أو تأجيل مباراة رايو فاييكانو وأتلتيك بيلباو في الليغا بسبب رمي المقذوفات م…