Home الصحافة المغربية المداخلة بين طاعة الحاكم وجرح المخالف

المداخلة بين طاعة الحاكم وجرح المخالف

المداخلة بين طاعة الحاكم وجرح المخالف

المداخلة بين طاعة الحاكم وجرح المخالف هوية بريس – ذ: يحيى التوزاني ثمة ظاهرة تستحق التأمل في المشهد الإسلامي المعاصر: كيف تحوّل الخلاف في بعض الأوساط السلفية من اختلاف في الفهم والاجتهاد إلى محاكم تفتيش عقدية ومنهجية، يُستدعى إليها العالم والداعية والطالب، ثم يُمنح صك البراءة أو الإدانة بحسب قربه أو بعده من المنهج المرسوم. وليس المقصود هنا مهاجمة السلفية، فهي مدرسة واسعة ومتنوعة، ولا يصح اختزالها في اتجاه واحد. لكن المقصود هو مساءلة الخطاب المدخلي حين يتحول الجرح والتبديع والتحذير من المخالف إلى سلاح دائم في معركة لا تكاد تنتهي. فماذا يحدث حين يصبح العالم الذي يخالفك في مسألة، أو يختلف معك في ترتيب الأولويات، أو يتبنى قراءة أخرى للواقع، هدفًا للطعن والتجريح؟ المفارقة أن الإسلام نفسه لم يبنِ صورة العالم على العصمة. الأئمة اختلفوا، وتراجعوا، وخالف بعضهم بعضًا، وردّ بعضهم على بعض بأدب، ومع ذلك بقي الجميع داخل دائرة العلم والإسلام. أما حين يصبح الخطأ عند بعض الخطابات المعاصرة دليلًا على فساد المنهج كله، وحين يتحول الاختلاف في الاجتهاد إلى تهمة، ثم تتحول التهمة إلى إسقاط للشخص، فإننا نكون قد انتقلنا من نقد الفكرة إلى اغتيال صاحبها معنويًا. والأخطر أن الجرح والتعديل، وهو علم له أصوله وشروطه لا ينبغي أن يتحول إلى بطاقة هوية يوزعها الأتباع على الناس. بل حتى في الخطاب المدخلي نفسه نجد تأكيدًا على اشتراط العلم والتقوى والورع لمن يتصدر للجرح، وعلى معرفة أسباب الجرح. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نرى أحيانًا شابًا لم يبلغ من العلم مبلغًا يتيح له الترجيح بين كبار العلماء، يتعامل مع عالم قضى عشرات السنين في التدريس والتأليف وكأنه موظف صغير ينتظر منه شهادة صلاح أو فساد؟ هنا ينبغي أن نتوقف. ليس كل من حفظ أسماء الرجال صار ناقدًا للرجال، وليس كل من عرف مصطلحات الجرح والتعديل صار أهلًا لإسقاط العلماء. وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية. تؤكد الأدبيات التي تناولت المدخلية أن طاعة ولي الأمر تحتل مكانة مركزية في خطابها، وأنها ترفض أشكالًا من المعارضة السياسية والتنظيم الحزبي والاحتجاج، وترى فيها منازعة لولي الأمر. وطاعة ولي الأمر في أصلها ليست مسألة يمكن إنكارها في الفقه الإسلامي؛ فقد ورد الأمر بالطاعة في المعروف، وجاءت نصوص كثيرة في حفظ الجماعة ودرء الفتنة. لكن السؤال ليس: هل نطيع الحاكم؟ السؤال الأهم: متى تكون الطاعة طاعة شرعية، ومتى يتحول احترام السلطة إلى تعطيل للنصيحة، وتبرير للظلم، وإغلاق لباب النقد؟ فالقرآن لم يقل إن الحاكم معصوم، ولم يمنحه حصانة من الخطأ، ولم يجعل طاعته فوق طاعة الله ورسوله. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. والآية نفسها تفتح باب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع. وفي الحديث: «إنما الطاعة في المعروف». إذن الطاعة ليست شيكًا على بياض. ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل بعض الخطابات التي ترفع شعار الطاعة استطاعت دائمًا أن تحافظ على التوازن بين حفظ الاستقراروقول الحق؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين أن يتحول إلى جدار يحتمي خلفه الظلم. ومن الملاحظ أن الخطاب المدخلي يولي الإخوان المسلمين مساحة كبيرة من النقد والهجوم، حتى إن ربيع المدخلي نفسه أصدر مواقف شديدة النقد للجماعة وأصولها الفكرية. وتعرض الدراسات التي تناولت الاتجاه المدخلي هذا العداء باعتباره أحد أبرز ملامح خطابه السياسي والدعوي. وهنا أيضًا لا بد من التفريق. للإخوان المسلمين أخطاؤهم، ولهم تجارب سياسية ودعوية قابلة للنقد، وقد اختلف العلماء والمفكرون معهم في قضايا كثيرة. لكن السؤال: هل كل خطأ ارتكبه الإخوان يجعل كل من ينتسب إليهم خارج دائرة الاعتبار العلمي؟ وهل يمكن أن نختلف مع مشروع سياسي أو فكري دون أن نحول الاختلاف إلى معركة وجودية؟ الإسلام أوسع من التنظيمات والعلم أكبر من الأحزاب. والحق لا يصبح حقًا لأن جماعة قالت به، ولا يصبح باطلًا لأن جماعة أخرى تبنته. ليس من الدقة أن نقول إن كل من ينتسب إلى المدخلية “دخيل” على المجتمع الإسلامي أو “مخترق حتى النخاع”. هذه أحكام واسعة تحتاج إلى أدلة، كما أن التيارات الدينية لا تُختزل في نوايا أتباعها. المدخلية نشأت داخل البيئة السلفية المعاصرة، ثم تطورت كاتجاه له تصوره الخاص للعلاقة بين الدعوة، والسلطة، والعمل السياسي، والمخالفين. وتؤكد دراسات عن التيار أن من الخطأ مساواته بالسلفية كلها. لكن كون التيار نابعًا من داخل البيئة الإسلامية لا يعني أن كل ممارساته صحيحة. فليس السؤال: من أين جاء؟ بل السؤال: ماذا يقول؟ وكيف يمارس ما يقول؟ وهل تتفق ممارساته مع ميزان العدل الذي جاء به الإسلام؟ هنا مشكلة أخرى. إذا كان الجرح والتعديل علمًا دقيقًا، فليس من المنطقي أن يصبح كل تابع قادرًا على إطلاق الأحكام التي يطلقها العالم المتخصص. ومن المفارقات أن بعض الأدبيات المدخلية نفسها تشدد على ضرورة توفر العلم بأسباب الجرح والتقوى والورع فيمن يتصدر لهذا الباب. إذن لماذا يتحول بعض الأتباع إلى شرطة منهجية؟ هذا يقول: فلان مبتدع وذاك يقول: فلان حزبي. وثالث يسقط عالمًا بأكمله لأن الشيخ الفلاني جرحه. ثم لا يبقى من الدين إلا قائمة من الأسماء: هذا معنا، وهذا ضدنا، وهذا يجوز أن نسمع له، وهذا يجب أن نهجره. وهكذا يتحول الدين من رحابة القرآن إلى ضيق التصنيفات البشرية. إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه أي خطاب ديني ليس احترام الحاكم، وإنما تقديس موقف الحاكم أو من يتحدث باسمه فالسلطان بشر والعالم بشر والداعية بشر. والجماعة بش وكل هؤلاء يُقبل منهم ويُرد عليهم. أما أن يصبح العالم شديد الصرامة مع الداعية المخالف، ثم شديد التساهل مع صاحب السلطة، فهنا يحق لنا أن نسأل عن معيار العدل. لماذا تكون زلة العالم جريمة لا تُغتفر، بينما تصبح زلة السلطة “اجتهادًا سياسيًا”؟ لماذا يُطلب من الداعية أن يعتذر عن كلمة قالها، بينما لا يُطلب من صاحب القرار أن يراجع قرارًا أضر بالناس؟ لماذا يكون الخطأ عند العالم دليلًا على فساد المنهج، بينما يكون الخطأ عند الحاكم مجرد ضرورة من ضرورات السياسة؟ هذه ليست مسألة مدخلية فقط؛ إنها مشكلة دينية وأخلاقية أكبر: مشكلة ازدواجية المعايير العالم الحقيقي ليس موظفًا عند الحاكم، لكنه أيضًا ليس محرضًا على الفوضى. لا يصفق للظلم لأن صاحبه حاكم، ولا يشعل الفتنة لأن خصمه حاكم. إنه يقف في المسافة التي يصعب الوقوف فيها: ينصح الحاكم دون أن يقدسه، وينقد المعارضة دون أن يبرر للسلطة، ويحترم العالم دون أن يعصمه، ويرفض الخطأ دون أن يهدم صاحبه. وهذه هي المنطقة التي تحتاج إلى شجاعة علمية وأخلاقية. فالقرآن لم يجعل العدل خاصًا بالأصدقاء: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. هذه الآية تصلح أن تكون ميزانًا لكل التيارات. إذا كنت تكره الإخوان، فلا يمنعك ذلك من العدل معهم. وإذا كنت تختلف مع عالم، فلا يمنعك ذلك من الاعتراف بعلمه وفضله. وإذا كنت تحب الحاكم، فلا يمنعك ذلك من تسمية الظلم ظلمًا. وإذا كنت تكره المعارضة، فلا تجعل كراهيتك لها سببًا في تبرير كل ما يصدر عن السلطة. ربما يكون السؤال الأهم: هل نحن أمام خلاف على الإسلام، أم أمام خلاف بين قراءات بشرية للإسلام؟ فحين يدّعي كل فريق أنه وحده يمثل السنة، يصبح الخلاف على الأشخاص أخطر من الخلاف على الأفكار. والدين الذي جاء ليحرر الإنسان من عبادة البشر لا ينبغي أن يتحول إلى منظومة جديدة من الولاءات للأشخاص. ليس مطلوبًا أن نحب الإخوان. وليس مطلوبًا أن نكره المداخلة. وليس مطلوبًا أن نتبنى السلفية أو نرفضها المطلوب شيء أبسط وأصعب: أن نضع الجميع تحت ميزان واحد. الحاكم، والعالم، والداعية، والعامي. نزنهم بالحق، لا الحق بهم. ننتقد الخطأ دون أن نُسقط الإنسان. نحذر من الانحراف دون أن نفتح أبواب التشهير. نطيع في المعروف، وننصح في الخطأ، ونحفظ للجميع حقهم في الكرامة. فإذا أصبح العالم لا يُغفر له خطأ، والحاكم لا يُحاسب على خطإ، فالمشكلة لم تعد في عالم أو حاكم. المشكلة أصبحت في الميزان نفسه. وحين يختل الميزان، قد يبقى الاسم إسلاميًا، وقد تبقى الشعارات دينية، لكن روح العدل التي جاء بها الإسلام تكون قد غادرت المكان بصمت. The post المداخلة بين طاعة الحاكم وجرح المخالف appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

four × four =

Check Also

دراسة تكشف أسرار العودة القوية للعدالة والتنمية إلى البرلمان

لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتع…