التويزي.. المٌعلّم الذي تنقّل بين أحزاب السلطة نحو رئاسة البرلمان.. تصريحاته عن “طحن الورق” موضوع بحث قضائي لم تُعلن نتائجه

من صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في سبعينيات القرن الماضي إلى الاتحاد الدستوري أحد أبرز أحزاب الإدارة في عهد الحسن الثاني، ثم إلى حزب الحركة الشعبية قبل أن يحط الرحال في حزب الأصالة والمعاصرة الذي تأسس في محيط السلطة سنة 2008، قطع أحمد التويزي مساراً سياسياً امتد لأكثر من نصف قرن، قبل أن يتوج، الثلاثاء، بانتخابه رئيساً لمجلس النواب المغربي، أحد أرفع المناصب الدستورية في البلاد، رغم الجدل الذي رافق تدبيره للشأن المحلي وتصريحاته البرلمانية خلال السنوات الأخيرة. وانتخب التويزي، البرلماني عن دائرة الحوز والرئيس السابق للفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً للغرفة الأولى للبرلمان بأغلبية 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، ليخلف بذلك راشيد الطالبي العلمي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار. وبهذا الانتخاب، يتولى التويزي منصباً يضعه في مرتبة بروتوكولية متقدمة، بعد الملك ورئيس الحكومة، ويمنحه مسؤولية إدارة أشغال المؤسسة التشريعية وتمثيلها في علاقاتها الداخلية والخارجية. ويأتي صعوده في سياق إعادة ترتيب المؤسسات عقب الانتخابات التشريعية التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في الحزب نفسه، رئيسة للحكومة. ويمثل وصول التويزي إلى رئاسة مجلس النواب محطة جديدة في مسار رجل راكم خبرة طويلة في المؤسسات المنتخبة وما رافق تدبيره من شبهات حول وجود اختلالات وتبذير للمال العام وهو ما جعله موضوع انتقادات من فعاليات حقوقية ومدنية بسبب حصيلة تدبيره لجماعة آيت ورير بإقليم الحوز، التي ارتبط اسمه برئاستها على مدى عقود. من اليسار إلى أ حزاب السلطة بدأ التويزي حياته المهنية في قطاع التعليم، قبل أن ينخرط في العمل السياسي سنة 1974 ضمن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمدينة مراكش، في مرحلة كانت فيها الحركة اليسارية المغربية تعيش مواجهة سياسية حادة مع السلطة. غير أن مساره الحزبي عرف لاحقاً تحولاً لافتاً، إذ انتقل من الانتماء إلى اليسار إلى الاتحاد الدستوري، الحزب الإداري الذي أسسته وزارة الداخلية سنة 1983 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وصُنّف ضمن أحزاب اليمين التي أسستها السلطة، قبل أن يستقر في صفوف الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه فؤاد عالي الهمة، صديق الملك محمد السادس ومستشاره الحالي. ولم يمنع تغير الانتماءات الحزبية التويزي من الاحتفاظ بحضور انتخابي قوي في إقليم الحوز، مستنداً إلى شبكة علاقات محلية وتجربة طويلة في تدبير الجماعات الترابية والمؤسسات الجهوية. وشغل التويزي مسؤوليات في مجلس المستشارين، وتولى رئاسة مجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، قبل أن يصبح رئيساً للفريق النيابي للأصالة والمعاصرة سنة 2021، وهو المنصب الذي عزز حضوره داخل قيادة الحزب وفي مفاوضات الأغلبية البرلمانية. آيت ورير.. عقود من الرئاسة والتنمية الغائبة لكن الوجه الآخر لمسار التويزي يرتبط بمدينة آيت ورير، الواقعة على مشارف مراكش، والتي تولى رئاسة مجلسها الجماعي خلال ولايات متعاقبة. ورغم استمرار انتخابه في موقع المسؤولية المحلية، ظلت حصيلة تدبير المدينة محل انتقادات من فاعلين مدنيين وحقوقيين، اعتبروا أن أوضاعها العمرانية وضعف تجهيزاتها وخدماتها الأساسية لا تعكس طول المدة التي قضاها على رأس المجلس الجماعي. ومن أبرز منتقديه المحامي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، الذي اعتبر أن آيت ورير ما زالت تعاني أوضاعاً تنموية متردية، وشبهها بـ”دوار” يفتقر إلى مقومات المدينة، محملاً المسؤولية السياسية للمنتخبين الذين تعاقبوا على تدبير شؤونها وعلى رأسهم أحمد التويزي. وقد وصلت مساءلة تدبيره الجماعي إلى القضاء، بعدما تقدمت المغربية لحماية المال العام بشكاية استندت إلى ملاحظات وردت في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن تدبير جماعة آيت أورير. وتعلقت القضية بشبهات اختلالات في تدبير مشاريع استثمارية وصفقات عمومية والتعمير والمداخيل الجماعية، وأحيل التويزي إلى القضاء إلى جانب موظف ومقاول بتهم مرتبطة بتبديد أموال عمومية والمشاركة في ذلك. غير أن غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش قضت، في ماي 2024، بعدم مؤاخذة التويزي وببراءته من التهم المنسوبة إليه، إلى جانب باقي المتابعين في الملف. وبذلك انتهت المتابعة القضائية بحكم بالبراءة، وإن بقي الجدل السياسي بشأن حصيلة تدبير الجماعة قائماً، باعتبار أن المسؤولية السياسية عن النتائج التنموية تختلف عن المسؤولية الجنائية التي يفصل فيها القضاء. لكن المواجهة بين التويزي والجمعية المغربية لحماية المال العام لم تنته عند حدود المحاكم، بل انتقلت في نونبر 2025 إلى قاعة عمومية بمدينة آيت ورير، خلال ندوة نظمتها جمعيات مدنية لمناقشة الفساد وتداعياته على التنمية المحلية. فقد اتهم محمد الغلوسي التويزي وعدداً من أنصاره باقتحام منصة الندوة وإثارة الفوضى والصراخ، ما أدى إلى توقف أشغالها، معتبراً أن ما حدث شكل تهديداً لسلامته الجسدية واعتداءً على الحق في تنظيم اللقاءات العمومية. وأعادت الواقعة إلى الواجهة العلاقة المتوترة بين المنتخب المحلي والفعاليات الحقوقية المنتقدة لتدبيره، كما أثارت تساؤلات بشأن حدود تقبل المسؤولين العموميين للنقد والمساءلة خارج المؤسسات المنتخبة. من “طحن الورق” إلى البحث القضائي وقبل أيام من تلك المواجهة، كان التويزي قد أثار جدلاً وطنياً واسعاً بتصريحات أدلى بها داخل البرلمان، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، تحدث فيها عن “طحن الورق” في سياق انتقاده منظومة دعم الدقيق والقمح. وفُهمت تصريحاته في البداية على أنها اتهام لبعض المطاحن بخلط الورق بالدقيق الموجه للاستهلاك، ما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط المهنيين، ودفع الفيدرالية الوطنية للمطاحن إلى نفي تلك الادعاءات. واضطر التويزي لاحقاً إلى توضيح كلامه، وغالبا تحت ضغط جهات نافذة خشيت أن تحدث بلبلة داخل المجتمع. فعاد لينفي كلامه ويؤكد بأنه استخدم تعبيراً مجازياً لا يقصد به الخلط الفعلي للورق بالدقيق، وإنما التلاعب بالفواتير والوثائق المتعلقة بكميات القمح المطحون، بهدف الاستفادة من الدعم العمومي دون إنجاز العمليات المصرح بها، رغم أن تصريحه كان واضحا في البداية. غير أن الجدل تجاوز السجال السياسي والإعلامي، بعدما أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، في 30 أكتوبر 2025، فتح بحث قضائي عهد به إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للتحقق من ملابسات التصريحات. ولم تصدر نتائج نهائية معلنة لهذا البحث حتى تاريخ انتخاب التويزي رئيساً لمجلس النواب. صعود داخل حزب يقود الحكومة والبرلمان وعلى الرغم من هذه المحطات المثيرة للجدل، حافظ التويزي على موقعه داخل القيادة السياسية للأصالة والمعاصرة، مستفيداً من تجربته البرلمانية الطويلة وحضوره الانتخابي في إقليم الحوز. وفي الأيام التي سبقت انتخابه، كان اسمه مطروحاً إلى جانب أسماء أخرى داخل الحزب لخلافة راشيد الطالبي العلمي على رأس مجلس النواب، من بينها عبد اللطيف وهبي، وزير العدل المنتهية ولايته. ويعكس اختياره مرشحا للأغلبية الحكومية الجديدة التي تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، المكانة التي بات يحتلها ما يسمى بـ “تيار مراكش” داخل الحزب والذي تقوده منسقته فاطمة الزهراء المنصوري وأحمد اخشيشن عضو المكتب السياسي لنفس الحزب الذي يجمع اليوم بين قيادة الحكومة ورئاسة الغرفة الأولى للبرلمان، في تحول سياسي لافت بالنسبة إلى تشكيل حزبي تأسس سنة 2008، وواجه منذ نشأته انتقادات بسبب علاقته بمراكز النفوذ داخل الدولة. العلاقة بين الشرعية الانتخابية والحصيلة التدبيرية في حوار صحفي يعود إلى سنة 2014، فسر التوزي انتقاله من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الدستوري برغبة جيله في المشاركة الانتخابية، بعدما اعتبر أن قيادة حزبه الأول لم تكن متحمسة لهذا الخيار. كما كشف أنه انتقل لاحقاً إلى الحركة الشعبية بسبب خلافات شخصية داخل الاتحاد الدستوري، قبل أن ينضم إلى الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة تخليه عن قناعاته الأولى. وهكذا، يصل التويزي إلى رئاسة مجلس النواب بعد مسيرة سياسية امتدت لأكثر من خمسة عقود، تنقل خلالها بين اليسار واليمين وأحزاب السلطة، وجمع بين المسؤوليات المحلية والجهوية والبرلمانية. وإذا كانت صناديق الاقتراع قد ضمنت له الاستمرار في المؤسسات المنتخبة، والقضاء قد برأه من التهم المالية التي وجهت إليه، فإن انتخابه على رأس المؤسسة التشريعية يعيد طرح أسئلة تتجاوز شخصه، وتتعلق بمعايير اختيار النخب للمناصب الدستورية العليا، وبالعلاقة بين الشرعية الانتخابية والحصيلة التدبيرية والمساءلة السياسية. فالرجل الذي بدأ حياته السياسية في صفوف حزب معارض في سبعينيات القرن الماضي، أصبح اليوم رئيساً للمؤسسة التي يفترض أن تمارس الرقابة على الحكومة، بينما يقود حزبه نفسه السلطة التنفيذية، في مفارقة تختزل جانباً من التحولات التي عرفتها الحياة الحزبية المغربية خلال نصف قرن.
التعادل الإيجابي يحسم مواجهة الفتح والرجاء لحساب الجولة الرابعة
لم يتمكن الرجاء الرياضي من الحفاظ على تقدمه أمام الفتح الرياضي، بعدما نجح أصحاب الأرض في إ…





