Home الصحافة المغربية التطبيع ووهم البقاء: «القلق الصليبي» وعقدة الزوال لدى الكيان

التطبيع ووهم البقاء: «القلق الصليبي» وعقدة الزوال لدى الكيان

التطبيع ووهم البقاء: «القلق الصليبي» وعقدة الزوال لدى الكيان

هوية بريس- الطاهر بكني يقف التاريخ على مشارف المنطقة شاهدا على حركة الزمان وسُنن التدافع؛ حيث تلوح في أفق الوجود الصهيوني أشباح الماضي وتستبدّ به عقدة «القلق الصليبي»، ذلك الهوس الهيكلي بقصّة الممالك اللاتينية التي انغرست على ساحل الشام، ثم طواها الفناء بعد حوالي 88 عاما، منذ احتلالها عام 1099م وحتى تحريرها على يد صلاح الدين عام 1187م؛ فلم تبق منها سوى أطلال بالية وآثار تذروها الرياح. لم يكن هذا الهوس المترسب في العقل الإستراتيجي الاستيطاني وليد اللحظة؛ بل رافق الصهيونية منذ إرهاصاتها الأولى. فقد أدرك “ثيودور هرتزل” وهو يضع اللبنات النظرية للمشروع، أن زرع وطن قومي في قلب الشرق الأوسط يتطلب التحول إلى رأس حربة حضارية وعسكرية للمركز الغربي، مع وعيه المكتوم بمخاطر الانفصال الوجودي عن الجغرافيا المحيطة. ثم جاء “دافيد بن غوريون”، مهندس الدعامة العسكرية والسياسية لبناء الكيان، ليعبر صراحة أو ضمنا في مدوناته وقراراته عن خشية عميقة من «عقدة الوجود» ومصير المملكة اللاتينية الثانية مسكونا بهواجس النخبة الأشكنازية الحاكمة وتوجسها من تكرار تجربة ممالك الفرنجة الغربيين، معتبرا أن التفوق العسكري الكاسح (المستمد من المظلة الغربية) والإجهاز الديموغرافي السريع (عبر اقتلاع الساكنة الأصلية بالتطهير العرقي، وتكثيف الهجرات الاستيطانية، والتجميع القسري للشتات) هما السدان الوحيدان أمام الانجراف في مجرى التاريخ. واستمر هذا القلق الهيكلي يسري في شرايين القيادات المتعاقبة؛ فكانت “غولدا مئير” تستحضر دوما فكرة الحصار الدائم والخوف المستمر من لحظة انكسار التوازن العددي مع المدى العربي والإسلامي، متوجسة من تفكك أسباب البقاء. أما “مناحيم بيغن”، فقد مسكونا بهواجس «قلعة الساحل» المطوقة، حريصا على بناء جدران الصلابة والقلعة المسلحة بالأساطير، مع إدراكه العميق في الوقت ذاته أن الاستمرار محكوم بمدى القدرة على شق الصف الإقليمي ومنع تشكل جبهة موحدة تشبه تلك التي أطاحت بعرش بيت المقدس اللاتيني. ومن هنا، تحول الهاجس التاريخي من مجرد مادة للتأمل إلى ناظم أيديولوجي وإستراتيجي يُسيّر عقيدة البقاء والصراع لدى المؤسسين الأوائل واللاحقين على حد سواء. 1. عقدة الوجود والقلق الصليبي إن انشغال العقل الإستراتيجي الاستيطاني بدراسة تجربة «مملكة بيت المقدس» اللاتينية لا ينبع من ترف أكاديمي أو شغف بنيوي بقراءة التاريخ، بل ينبثق من بحث محموم عن سرّ السقوط المفاجئ وتفادي مصير يتربص في أرحام الغيب. ومن هذا المنطلق المأزوم تحديدا، أدرك صُنّاع هذا المشروع: منذ لحظة التأسيس الأولى أنهم لا يفعلون شيئا سوى إعادة نسج الفكرة الصليبية ذاتها، متجسدة عبر أبعاد ثلاثة: • الزرع الإحلالي: اقتطاع نسيج غريب وغرسه قسرا في قلب الجغرافيا الإسلامية بذريعة أساطير ومرويات مقدسة. وكما اتخذ الصليبيون قديما شعارات «تخليص القبر المقدس» و«الحرب المقدسة» مسوغا أيديولوجيا لاقتلاع السكان الأصليين ومحو حوضهم الحضاري، أي النطاق الجغرافي والاجتماعي الشامل الذي تتشكل فيه هوية أهل الأرض. استدعت الصهيونية مقولات ومرويات توراتية ذاتية، من قبيل «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ومقولة «أرض الميعاد» لإحلال مجتمع استيطاني إحلالي مكان أصحاب الحق الأصليين. واستخدمت في سبيل ذلك القوة الغاشمة والشرعنة الميتافيزيقية كالادعاء الميثولوجي بـ «الحق الهيستيري المقدس في الأرض» و«عقيدة الشعب المختار» لفرض واقع ديموغرافي هجين يرفضه المحيط الجغرافي العريض ويمجه الوعي الحضاري للمنطقة؛ • الارتهان للمركز الغربي: القيام بدور رأس الجسر والقلعة المتقدمة لحماية مصالح الغرب الإمبريالي، والاعتماد المطلق على الشرايين الممتدة عبر البحار بالمال والسلاح والعتاد البشري. فمثلما عاشت ممالك الفرنجة كإقطاعيات متقدمة تُدار لحساب العرش البابوي والملوك الأوروبيين، وتتغذى على خطوط سفن الإمداد ودفق الفرسان المهاجرين، يظل الكيان الصهيوني اليوم مرتكزا بالكامل على خطوط الجسر الجوي والبحري الغربي وعلى التحالفات الإستراتيجية العابرة للأطلسي؛ بحيث يغدو قطعه عن هذا الشريان الحيوي بمثابة حكم بالإعدام النافذ وجفاف مباغت لأسباب بقائه؛ • الكينونة المعزولة: القلعة البحرية المتوجسة التي تعيش في استنفار دائم، واعية في عمقها الباطني بانتفاء شرعيتها في المحيط الحضاري المتصل. وهنا يبرز التجلي الهيكلي الأكثر وضوحا؛ إذ إن نموذج «الدولة-القلعة» المحصنة بالأسوار والجدران العازلة والمتكئة على البحر يمثل التطابق التام بين عكا ويافا الصليبيتين والواقع الصهيوني المعاصر والذي تجسد في «جدار الفصل العنصري» و«الشبكات العازلة على الحدود». وفي ظل هذه الهندسة الأمنية المغلقة، تحيى هذه الكيانات الاستيطانية في حالة طوارئ عسكرية دائمة، متحولة إلى «مجتمعات ثكنية» يُعَبَّأ فيها الفرد منذ نعومة أظافره، لا لشيء إلا لشعورها الباطني المستبد بأنها مجرد أجساد غريبة طارئة تفتقر إلى جذور الانتماء العميق للجغرافيا والتربة. 2. التغلب الديموغرافي وانقطاع شريان الحماية تتجلى هشاشة البقاء في حقيقتين تاريخيتين لا يمكن الالتفاف عليهما: 1. الوزن الديموغرافي الكاسح: أمام المدى البشري والحضاري للأمة المسلمة، يغدو الجيب الاستيطاني مجرد ثغر محاصر تتآكل قواه بمرور الوقت، وتتسرب من بين يديه قدرة السيطرة الدائمة. وكما أدرك الفرنجة قديما أن محيطهم الشامي والمصري والجزيري يمثل بحرا ديموغرافيا يبتلع القلاع المفرغة من عمقها البشري، حيث ظلت حاميات «عكا» و«طرطوس» و«أنطاكية» تحسب بالآلاف وسط ملايين من أصحاب الأرض. يواجه الكيان اليوم المأزق ذاته؛ إذ يظل الخوف من «القنبلة الديموغرافية» هوسا إستراتيجيا يقضّ مضاجع قادته. ومع تآكل معدلات المواليد وتراجع جاذبية المشروع، جاءت الهزات العسكرية والميدانية الكبرى — وعلى رأسها محطة «طوفان الأقصى» — لتضرب الشريان الرئيسي للوجود الاستيطاني؛ فلم تكتف بوقف تدفق الهجرات اليهودية الوافدة، بل أطلقت موجة كاسحة من «الهجرات العكسية» وفرار مئات الآلاف من المستوطنين حاملي الجنسيات المزدوجة بجلداتهم نحو الخارج، مما كشف هشاشة ارتباطهم بالأرض واستحالة صمود القلعة أمام البحر الديموغرافي المحيط؛ 2. شريان الدعم الغربي المترنح: تعد الاستماتة في التعلق بالدعم الغربي، تحقيقاً للمفهوم القرآني الخالد في الاتكاء على ﴿حَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ طوق النجاة الوحيد والضمانة الأخيرة للهرب من «مقبرة التاريخ». غير أن الاستقراء التاريخي يؤكد أن هذا الشريان الخارجي ليس قدرا أبديا؛ فقد انقطع ذات يوم عن ممالك الفرنجة حين انشغل المركز الأوروبي بأزماته الداخلية والصراعات البينية بين الملوك، وتحولت خريطة المصالح الدولية، فتهاوت القلاع الصليبية العاتية واحدة تلو الأخرى أمام ضربات صلاح الدين والأشرف خليل. واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ فبالرغم من اندفاع الدول الغربية الحاكمة لتقديم دعم عسكري ومالي وسياسي غير مشروط لحماية الكيان إثر انكساراته الأخيرة، إلا أن تبعات هذا الاندفاع المطلق ومشاهد الإبادة الجماعية، بدأت تفعل فعلها في عمق المجتمعات الغربية. فقد أدى هذا الارتهان إلى صحوة شعبية وأخلاقية غير مسبوقة، وتصاعد حراكات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية (BDS)، وتآكل شرعية الكيان في الشارع الغربي والشبابي، مما يُنبئ بتشكل ضغط جيوسياسي وتاريخي متزايد سيفضي حتما إلى تحول هذا الدعم المطلق إلى عبء إستراتيجي ثقيل يجبر الغرب في نهاية المطاف على رفع يده وحبس شريان الحياة عن قلعة آيلة للسقوط. 3. السعي نحو التطبيع وفشل الاندماج تتجسد الخشية الكبرى للكيان الاستيطاني في الاغتراب العميق عن البيئة المحلية وفشل الامتصاص والاندماج الحضاري. فمهما بلغت مستويات التفوق العسكري والترسانات التكنولوجية، يظل الكيان جماعة منغلقة، منبتّة الثقافة والاجتماع عن محيط واسع يجمعه دين واحد وتاريخ مشترك؛ فلم يفلح الغزاة قديما ولن يفلحوا حديثا في محو هذه الهوية أو صهرها في البوتقة الاستعمارية. ومن هنا تحديدا، ينبع السعي اللاهث والمحتم من قبل الكيان نحو «التطبيع»؛ إذ ليس التطبيع بالنسبة له مجرد رفاهية سياسية أو رغبة دبلوماسية لتبادل السفراء والتقاط الصور التذكارية في أروقة البروتوكول، بل هو طوق النجاة الأهم والوحيد الذي يستميت للتعلق به هربا من «مقبرة التاريخ». لقد أدرك قادة الكيان أن التفوق العسكري المادي المباشر والدعم الغربي قد ينقطعان أو يتراجعان في أية لحظة متغيرة من لحظات التحول الدولي— تماما كما جف الدعم عن ممالك الفرنجة فتهدمت أركانها — ومن ثم يغدو زرع الكيان في شرايين المنطقة عبر جسور العلاقات الممتدة مع دول الجوار، وتفكيك العزلة الإقليمية، وخلق أزمات إقليمية ممتدة يصبح فيها الكيان الهجين مركز الهيمنة والإدارة لشرق أوسط غارق في صراعات لا تنتهي، هو الضمانة الإستراتيجية الوحيدة لاستمراره وقيمته الحيوية. غير أن هذا التطبيع يصطدم دوما بالصخرة الصلبة للوعي التاريخي والمجتمعي. إذ إن هذا الانعزال التام عن المحيط كان الحافز الأساسي لما تجسد تاريخيا في «لاءات الخرطوم الثلاث عام 1967م » (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض)، والتي لم تكن مجرد قرارات سياسية طارئة، بل كانت تعبيرا شموليا عن بوصلة الوجدان الشعبي النافض لشروط الاستسلام. وهي المعضلة ذاتها التي يحاول الكيان فك أغلالها اليوم عبر عقود من الاتفاقيات والإدماج القسري. غير أن التجربة الإستراتيجية أثبتت عقم هذا المسار؛ فمنذ توقيع معاهدة «كامب ديفيد» مع مصر (1979م)، واتفاقية «وادي عربة» مع الأردن (1994م)، ومسار «أوسلو» (1993م)، ظلت تلك التفاهمات حبيسة المكاتب الرسمية والبروتوكولات الفوقية، وعجزت تماما عن النفاذ إلى المستوى الشعبي والمجتمعي الذي واصل رفض الكيان واعتباره عدوا وجوديا. وحين جرى استنساخ المسار ذاته عبر «الاتفاقيات الإبراهيمية» (عام 2020م)، والتي قُدِّمت كفتحٍ إستراتيجي يُبشِّر بجرّ دول المنطقة والعالم الإسلامي برمتها إلى قطار التطبيع، سرعان ما ارتدت هذه الوعود القهقرى وتراجعت اندفاعاتها أمام أول اختبار ميداني وحضاري حقيقي. فقد ظلت هذه الاتفاقيات، حتى بالنسبة لمن وقّعها، حبيسة الجدران الرسمية والمصالح العابرة، دون أن تمنح الكيان الشرعية الشعبية أو الأمان الوجودي المنشود؛ إذ تظل الهوية الصهيونية في الوجدان الشعبي للأمة كائنا محصنا بالرفض الكلي، غير قابل للاندماج أو التقبل، وتظل كل محاولات شرعنته مجرد تفاهمات هشة فوق أرض متحركة لا تلبث أن تميد تحت أقدام الغزاة. حتمية الزوال وسنن التدافع مهما تشابكت خيوط المهادنة، ومهما امتدت جسور التطبيع مع العروش والأوراق الرسمية، فإن التناقض البنيوي بين المشروع الإحلالي والأرض وصاحبها لا يُحل باتفاقيات سياسية معزولة عن إرادة الشعوب الحية. إن قوانين الاجتماع البشري وسنن التدافع الحضاري تظل حقيقة ثابتة لا تتخلف؛ فالبيئة التي اقتلعت الجيب الصليبي رغم قلاعه وحصونه، ما زالت تحتفظ بنفس الخصائص الحضارية والديموغرافيّة والعقائدية التي تجعل من الكيان الصهيوني مجرد ظاهرة استعمارية طارئة، وفصلٍ مؤقت يُوشك أن يُطوى في سجل التاريخ العريض لفلسطين والأمة. The post التطبيع ووهم البقاء: «القلق الصليبي» وعقدة الزوال لدى الكيان appeared first on هوية بريس.

عبد الصمد ايشنمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

four × five =

Check Also

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة

The post المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة appeared first on Hespress – هسبريس …