حنان فطراس تكتب.. حين يجلس الأرشيف على كرسيّ الرئاسة..

في السياسة، لا تكفي المراسم لتغيير السيرة، ولا يكفي الانتقال إلى موقع أعلى لإغلاق الملفات القديمة. فالكراسي تتبدل، والألقاب تتغير، لكن الذاكرة السياسية تحتفظ بما قيل، وبما فُعل، وبالأسئلة التي بقيت معلقة. * حنان فطراس حين يصل السياسي إلى رئاسة مجلس النواب، فإن ماضيه لا يصبح محرّماً على النقاش؛ بل تصبح مساءلته أكثر إلحاحاً، لأن المسؤولية الجديدة أكبر من كل المواقع التي سبقتها. أحمد التويزي ليس وافداً جديداً على المؤسسات. فنحن أمام سياسي راكم نحو 33 سنة من المسار البرلماني بين مجلس النواب ومجلس المستشارين، إلى جانب تجربته في تدبير الشأن المحلي والجهوي؛ إذ ترأس جماعة آيت أورير، وقاد مجلس جهة مراكش–تانسيفت–الحوز بين 2011 و2015، قبل أن يعود إلى مجلس النواب سنة 2021 رئيساً لفريق الأصالة والمعاصرة، ثم يصل اليوم إلى رئاسة المؤسسة التشريعية. إنه مسار طويل في تدبير الشأن العام، ومن حق الرأي العام أن يسأل عن حصيلته، لا أن يكتفي بتعداد مناصبه. في آيت أورير، ارتبط اسمه بملف قضائي انطلق إثر شكاية استندت إلى ملاحظات وردت في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن اختلالات في تدبير الجماعة. لكن القضية انتهت بصدور حكم بالبراءة في ماي 2024، وهو حكم يجب احترامه، ولا يجوز تحويل المتابعة إلى إدانة. ومع ذلك، فإن السؤال عن حصيلة التدبير المحلي، وعن المشاريع والخدمات التي استفادت منها الساكنة، يظل سؤالاً سياسياً مشروعاً، لا تلغيه البراءة ولا تحسمه الاتهامات. وعلى مستوى الجهة، تولى التويزي رئاسة مجلس جهة مراكش–تانسيفت–الحوز في مرحلة كانت فيها التنمية المجالية وتفاوتات البنيات التحتية والخدمات من أبرز التحديات. وهنا أيضاً، لا يكفي استحضار المنصب أو الاتفاقيات التي صودق عليها؛ فالحصيلة تقاس بما تحقق على الأرض، وبالأثر الذي تركته المشاريع في حياة المواطنين. وما يحتاجه النقاش العمومي هو تقييم موثق لما أُنجز وما تعثر، لا الاكتفاء بالوعود ولا إطلاق الأحكام دون أرقام. أما في مجلس المستشارين، فقد ترأس لجنة تقصي الحقائق الخاصة بترخيص الحكومة باستيراد النفايات، التي شُكلت في دجنبر 2017. وكانت تلك مسؤولية رقابية ثقيلة، بالنظر إلى الجدل الذي رافق الملف وأسئلته البيئية والتدبيرية. واليوم، حين يصبح رئيساً لمجلس النواب، تستحق هذه التجربة أن تُستحضر: فالرقابة ليست امتيازاً ظرفياً، بل وظيفة دستورية ينبغي أن تتعزز كلما انتقلت المسؤولية إلى مستوى أعلى. ثم تأتي تصريحاته لتضيف إلى الأرشيف أسئلة أخرى. ففي سنة 2013، احتج صحافيون بمراكش على تصريحات نُسبت إليه واعتبروها مسيئة للمهنة. وفي نونبر 2023، وخلال نقاش برلماني حول محاربة الفساد، تحدث عن إمكان معرفة الفاسدين، مستحضراً التصريحات بالممتلكات المودعة منذ سنة 1996. ثم عاد الجدل في مارس 2025، بسبب العبارات الحادة المنقولة عنه في حق جمعيات تُعنى بحماية المال العام، ومنها وصف بعض من يتصدّرون هذا المجال بـ«الشرذمة»، والقول إن من يقدمون أنفسهم حماةً للمال العام هم، في الواقع، «أكبر الفاسدين». وبين التصريحين سؤال لا يحتاج إلى اتهام أحد، بل إلى اتساق في الموقف: إذا كان الفاسدون قابلين للكشف بالرجوع إلى الوثائق والتصريحات بالممتلكات، فلماذا يتحول النقاش حول حماية المال العام أحياناً إلى مواجهة مع من يرفعون أسئلة الرقابة المدنية؟. فالمعيار ليس هوية من يطرح السؤال، بل الأدلة التي يسند بها كلامه، والجواب الذي يقدمه المسؤول. وفي الحياة العامة، لا يكفي أن نطالب بكشف الفساد؛ بل ينبغي أيضاً أن نقبل مساءلة من يملك سلطة القرار. وفي أكتوبر من السنة نفسها، أثارت عبارته «طحن الأوراق»، في سياق الحديث عن الدقيق المدعم والفواتير، نقاشاً واسعاً، أعقبه الإعلان عن فتح بحث قضائي. وقد أوضح أن العبارة مجازية؛ ولذلك ينبغي التمييز بين ما صدر عنه، وما ادعاه، وما يمكن أن تثبته الجهات المختصة. وفي يوليوز 2026، أثير أيضاً موقفه من فعالية الأسئلة الشفوية، في ضوء ما يعتريها من ضيق الوقت وضعف التتبع. وهذه النقطة بالذات تكتسب دلالة خاصة اليوم: فمن يصف أداة رقابية بأنها محدودة الفعالية، ثم يصبح على رأس المؤسسة التي يفترض أن تضمن عملها، يصبح مطالباً بتحويل التشخيص إلى إصلاح، لا أن يتركه مجرد تصريح في أرشيف السياسة. وثمة ملفات أخرى لا تحتاج إلى ضجيج الأسماء حتى تظل دلالتها حاضرة؛ فبعض ما جرى في الكواليس الحزبية، وما رافقه من تدبير للتداعيات ومحاولات لاحتواء آثارها، يذكّر بأن المؤسسات لا تُختبر فقط بما تعلنه من مبادئ، بل أيضاً بكيفية تعاملها مع الملفات الحساسة التي تمس الكرامة والإنصاف. فطريقة تدبير هذه الملفات جزء من الاختبار الأخلاقي لأي قيادة، والإنصاف لا ينبغي أن يتبدّل بتبدّل المواقع أو موازين القوة. ليس المطلوب أن تتحول كل واقعة إلى إدانة، ولا أن يُعامل كل خلاف باعتباره فضيحة. المطلوب هو معيار واحد: أن تُعرض الوقائع كما حدثت، وأن تُحترم الأحكام القضائية، وأن تُقاس حصيلة المسؤولين بما أنجزوه فعلاً، وأن تخضع تصريحاتهم للمساءلة نفسها التي يطالبون بها الآخرين. لكن رئاسة مجلس النواب تفرض امتحاناً إضافياً. فالرئيس لا يمثل حزبه وحده، ولا يدير المؤسسة بمنطق الفريق الذي كان يقوده. إنه مسؤول عن ضمان حقوق الأغلبية والمعارضة، وعن حماية النقاش البرلماني، وعن تمكين النواب من مساءلة الحكومة ومراقبة السياسات العمومية دون انتقائية أو تضييق. وتبقى ميزانية مجلس النواب بدورها جزءاً من امتحان الرئاسة الجديدة؛ فالأمر لا يتعلق فقط بتدبير الاعتمادات المرصودة للمؤسسة، بل بضمان الشفافية في صرفها، وربط النفقات بفعالية العمل التشريعي والرقابي، حتى لا تنفصل كلفة المؤسسة عن مردوديتها في خدمة المواطنين. هنا يصبح الأرشيف أكثر من مجرد ذاكرة؛ يصبح معياراً للمقارنة بين الأقوال والممارسة. فهل ستنعكس التجربة الطويلة في الجماعة والجهة ومجلس المستشارين على رئاسة أكثر انفتاحاً على الرقابة والمساءلة؟ . وهل سيبرهن الرئيس الجديد أن موقعه الدستوري أوسع من حساباته الحزبية، وأن حق الاختلاف لا يتغير بتغير هوية صاحبه؟. لا تمنح الرئاسة صاحبها صفحة بيضاء، كما لا يمنح الماضي أحداً حق إصدار حكم نهائي على المستقبل. لكن من راكم سنوات طويلة في تدبير الشأن العام، ثم وصل إلى قمة المؤسسة التشريعية، لا يمكنه أن يطلب من الرأي العام أن ينسى الأسئلة بمجرد أن تغيّر الكرسي. فهنيئاً لنا برئيسٍ أمضى ثلث قرنٍ في البرلمان… فماذا تُراه سيحتاج بعدُ ليُتقن فنَّ الرئاسة؟. * كاتبة سياسية وبرلمانية اتحادية سابقة











