Home الصحافة المغربية حوار هادئ مع فضيلة الدكتور عادل رفوش في نقاش التصوف وحدود حجية أقوال الصوفية

حوار هادئ مع فضيلة الدكتور عادل رفوش في نقاش التصوف وحدود حجية أقوال الصوفية

حوار هادئ مع فضيلة الدكتور عادل رفوش في نقاش التصوف وحدود حجية أقوال الصوفية

هوية بريس – د. رشيد بن كيران ■ قرأت للدكتور عادل رفوش مقالا بعنوان نقاش التصوف على صفحته، وجه فيه نصيحة إلى إخوانه السلفيين بألا يخوضوا في مناقشة مسائل التصوف ومعارج السلوك حتى يستكملوا التكوين في علومه، ويمارسوا أحواله ومقاماته، ويلازموا أهله علما وعملا. واستشهد لذلك بكلام للعلامة أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله، في فتواه المتعلقة بعلاج الوسواس، وفي توجيهه لبعض التصرفات المنقولة عن مشايخ الصوفية. ◆ وأحببت أن أقف مع الدكتور وقفة علمية هادئة، لا أقصد بها الانتصار للسلفية على التصوف، ولا التصوف على السلفية؛ فليس هذا هو محل النزاع عندي، ولا أرى أن الحق يعرف بمجرد الانتساب إلى هذه الطائفة أو تلك، وإنما القصد تحرير مسائل منهجية تتعلق بأصول التلقي والاستدلال، وحدود حجية أقوال المشايخ الصوفية، والتمييز بين فهم التجربة الصوفية والحكم على مشروعيتها. ◆ وأبدأ -في تقديري- من موضع الاتفاق ؛ فإن ما ذكره الدكتور عادل من ضرورة فهم علم التصوف ومصطلحات أهله ومناهجهم قبل مناقشتها، كلام صحيح في أصله، بل هو من مقتضيات الإنصاف العلمي. فلا يحسن بمن لم يفهم معنى الفناء أو البقاء أو المقام أو الفرق أو الجمع أو الحال أو الكشف في اصطلاح أهله أن يتعجل في نقدها، كما لا يحسن بمن جهل مصطلحات الأصوليين أو المحدثين أن يتصدر لنقد تقريراتهم. ◆ غير أن الإشكال يبدأ عندما ننتقل من هذه المقدمة الصحيحة إلى نتيجة لا تلزم عنها، وهي اشتراط ممارسة التصوف وملازمة مشايخه وخوض تجاربه التربوية والروحية حتى يحق للباحث نقد أقواله وممارساته. وهنا أقول للدكتور الفاضل: إن فهم الشيء وتصوره شرط في صحة الحكم عليه، لكن ممارسة الشيء ليست شرطا في صحة الحكم عليه. وأزعم أن هذا التقرير عليه اتفاق العقلاء؛ فالحكم على مشروعية اعتقاد أو ممارسة وجدانية أو دعوى دينية لا يتوقف على معايشتها، وإنما يتوقف على فهم حقيقتها والنظر في دليلها. ● فإذا قال قائل من أهل التصوف إن ملازمة الشيخ المربي شرط لا بد منه للوصول إلى الله، أو إن للشيخ إذنا خاصا من رسول الله ﷺ في التربية والإرشاد، أو إن للمريد واجبا شرعيا في طاعة شيخه لا يجوز له الإخلال به، وإن الشيخ الفلاني يمتلك سر الرسول ﷺ وخاتمه وفهمه من فهمه عليه الصلاة والسلام، فقد انتقلنا من وصف تجربة تربوية إلى تقرير أحكام ودعاوى شرعية. ● وهنا يصبح السؤال مشروعا، بل واجبا: ما الدليل على هذه الشرطية؟ وما مستند هذا الإذن؟ ومن أين ثبت هذا الوجوب؟ وأي سر خص به دون غيره ودليل ذلك؟ ● ولا يصح أن يكون الجواب عن هذه الأسئلة أن الناقد لم يمارس التصوف ولم يدخل الخلوة ولم يذق المقامات والأحوال؛ لأن ذلك انتقال من مناقشة الدليل إلى مناقشة حال السائل، وهو خروج عن محل النزاع. والقاعدة أن إثبات الشرط الشرعي يحتاج إلى دليل شرعي، كما أن إثبات الوجوب يحتاج إلى دليل يفيد الإلزام…، ولا يقوم الذوق ولا التجربة ولا الكشف مقام الدليل في شيء من ذلك. ◆ وأحسب أن الدكتور عادل يوافقني على أن التجربة الصوفية، مهما بلغت من العمق والصدق عند أصحابها، لا تستقل بالتشريع، ولا تنشئ أحكاما ملزمة للناس. إن للتجربة اعتبارا -كما جرت العادة- في باب الخبرة والمعالجة والتربية، ولكن نقلها من مرتبة الخبرة إلى مرتبة الحجة الشرعية يحتاج إلى مستند شرعي صحيح؛ وإلا أصبح كل صاحب تجربة قادرا على إحداث شروط وأحكام في الدين، ثم منع الناس من مناقشتها بدعوى أنهم لم يذوقوا ما ذاق الصوفي. وهذا لا يستقيم مع أصول الشريعة، ولا مع المنهج العلمي الذي سار عليه فقهاء الأمة وأئمتها. ■ وأنتقل إلى استدلال الدكتور عادل بفتوى الإمام الشاطبي في علاج الوسواس. ◆ فقد نقل عنه أنه أرشد بعض من ابتلوا بالوسواس الطهارة والصلاة إلى اتخاذ شخص مرضي الدين، سالم من الوسواس، إماما يقتدون به، وألا يخالفوه وإن اعتقدوا أن الفقه عندهم بخلاف ما يفعله. وهذا توجيه تربوي نفيس، لا إشكال في أصل معناه، ولكنه يحتاج إلى فهم سياقه ومناطه. فالشاطبي يتحدث عن أشخاص ابتلوا بالوسواس في الطهارة وغيرها، وأصبح تقديرهم للأحكام مضطربا بما يعرض لهم من شكوك وأوهام. فأرشدهم إلى الاقتداء بمن يجمع بين الاستقامة الدينية ومعرفة الفقه والسلامة من الوسواس، حتى يتخلصوا من الاسترسال مع تلك الشكوك. فالفتوى إذن واردة على واقعة مخصوصة، ومعللة بحالة مخصوصة، ولا يصح تجريدها من علتها ثم تعميم حكمها على جميع أحوال الشيخ والمريد. وهذا من مقتضيات التحقيق في المناط؛ إذ لا يتعدى الحكم المعلل بوصف مخصوص إلى غير محله إلا حيث تتحقق علته. ◆ وأبو إسحاق الشاطبي لم يشترط أن يكون هذا الشخص شيخ طريقة صوفية، ولا صاحب كشف أو مقام، وإنما أرشد إلى الاقتداء بمن يصلح حاله لأن يكون نموذجا عمليا في علاج الوسواس. فما وجه الاستدلال بهذه الفتوى على أن من أراد مناقشة التصوف يجب عليه ملازمة الصوفية وممارسة مقاماتهم وأحوالهم!!؟ إن غاية ما تدل عليه الفتوى أن #التربية_العملية قد تكون أنفع من مجرد التوجيه النظري في معالجة بعض أحوال النفوس، وهذه قضية لا أجد موجبا للاختلاف حولها، لكن إثبات هذا المعنى شيء، وإثبات المرجعية الشرعية الملزمة للمشيخة الصوفية شيء آخر. ■ أما استدلال الدكتور رفوش بقصة أبي يزيد البسطامي مع خادمه، فهو عندي أحق المواضع بالمناقشة. فقد أورد عن الإمام الشاطبي قصة الشاب الصائم الذي طلب منه بعض المشايخ الإفطار معهم فامتنع، ثم نقل توجيه الشاطبي لها، حيث حمل تصرف المشايخ على محمل شرعي سائغ، مراعاة لصلاحهم وفضلهم، وحسنا للظن بهم. وأقول رحم الله أبا إسحاق الشاطبي، فما أحوجنا إلى فقهه في الإنصاف وحسن الظن، ولا سيما في زمن يتعجل فيه بعض الناس اتهام المخالفين وتبديعهم وتضليلهم. لكن ألا ينبغي أن نفهم كلام الشاطبي في ضوء منهجه الأصولي كاملا؟ ◆ إن الشاطبي لا يقول إن أفعال المشايخ حجة بمجرد صدورها عنهم، ولا إن صلاح الشخص يمنع احتمال خطئه، وإنما يلتمس للأفعال المنقولة عن الصالحين وجها سائغا في الشريعة ما دام ذلك ممكنا. ولذلك لم يجعل مقام أبي يزيد البسطامي وولايته -حسب تصوره- دليلا مستقلا على مشروعية التصرف، وإنما خرّجه على مسألة فقهية معروفة، وهي حكم قطع صوم التطوع، وما إذا كان امتناع الشاب عن إجابة المشايخ ناشئا عن اجتهاد أو عناد. ◆ وهذا هو الفارق الدقيق الذي ينبغي الوقوف عنده؛ فالشاطبي لم يجعل الولاية أصلا تردّ إليه أحكام الشريعة، وإنما جعل أحكام الشريعة أصلا يرد إليه ما يصدر عن أهل الولاية. وبناء عليه، فإن حسن الظن بالصالحين لا يستلزم تصحيح جميع أقوالهم وأفعالهم، فضلا عن إثبات الحجية لها. فقد نحمل قول العالم على وجه سائغ، وقد نعتذر له عن اجتهاده، دون أن نلتزم بأن قوله هو الصواب أو أنه حجة على غيره. ◆ غير أن الأمر الأهم، والذي أستغرب عدم استحضاره في كلام الدكتور عادل، هو ما قرره الشاطبي نفسه في تتمة البحث من كتاب الموافقات. فقد ناقش الشاطبي مسألة المكاشفات، وما إذا كان يجوز لأصحابها العمل بأحكام خاصة تخالف مقتضى الأحكام الشرعية الظاهرة، وانتهى إلى أن أصحاب المكاشفات لا يختصون بأحكام تخرجهم عن عموم الشريعة، بل يجب ردهم إلى الأحكام العامة. وقرر هناك أن بناء الأحكام على الخوارق والمكاشفات يؤدي إلى اضطراب القواعد الشرعية؛ إذ يصبح كل فعل قابلا للتصحيح بدعوى وجود معنى خفي لا يعلمه غير صاحبه، وعندئذ يتعذر ضبط المشروع والممنوع. وهذا تقرير أصولي بالغ الأهمية؛ لأن الشريعة إنما جاءت بأحكام وضوابط يمكن للمكلفين معرفتها والاحتكام إليها، ولم تجعل صحة الأفعال متوقفة على دعاوى باطنية لا سبيل إلى التحقق منها. بل إن الشاطبي حذر من أن يؤدي القول باختصاص أهل الخوارق بأحكام استثنائية إلى أن يعتقد من لا خبرة له أن للصوفية شريعة أخرى. ثم قرر في ختام المسألة أن ما يخالف ظواهر الشريعة ولا يصح رده إليها، لا يجوز العمل عليه، ولو كان مستنده ما يعتقد صاحبه أنه كشف صحيح. ● فليتأمل الدكتور الفاضل هذا التقرير؛ فإنه يضع المسألة في موضعها الصحيح، ويكشف عن الفرق بين منهج الشاطبي في احترام الصالحين ومنهج من يجعل خصوصيتهم المزعومة أصلا يحتج به على الأحكام الشرعية. ولا أغفل هنا أن الشاطبي قرر أيضا في موضع آخر من الموافقات فضل ترك الاعتراض المتعجل على الكبراء، واستشهد بالقصة نفسها في بيان أدب المتعلم مع شيخه. وهذا حق في بابه؛ فإن من آداب طلب العلم ألا يبادر التلميذ إلى تخطئة أستاذه قبل فهم كلامه، وألا يجعل الاعتراض غاية في ذاته. لكن أدب المتعلم لا يقتضي عصمة العالم، كما أن توقير الشيخ لا يجعل قوله دليلا شرعيا. ● وإن شئنا الجمع بين كلام الشاطبي -والجمع أولى وأحلى- قلنا: يحفظ للعالم قدره، ويطلب لكلامه المحمل الحسن، وتناقش أقواله وفق القواعد العلمية، ولا يقبل منها في الدين إلا ما قام عليه الدليل. ■ وهنا أعود إلى أصل القضية؛ إننا لا نختلف في أن للتصوف تاريخا علميا وتربويا، وأن من أعلامه رجالا عرفوا بالعلم والعبادة والزهد والإحسان، وأن في تراثه من دقائق معالجة النفوس وتهذيب الأخلاق ما يستحق الدراسة والانتفاع. ● لكن الاعتراف بهذا كله لا يستلزم التسليم بكل ما يقرره المنتسبون إليه، وخصوصا الدعاوى العريضة، ولا يمنع من نقد ما استحدث من دعاوى تتعلق بالمشيخة والولاية والكشف والإذن والتربية. ● وإذا كانت المذاهب الفقهية، بما لها من أصول راسخة وأئمة كبار، قابلة للنقد والمراجعة والترجيح، وإذا كانت أقوال أئمة الفقه والحديث والأصول تعرض على الأدلة وتناقش، فبأي أصل علمي تصبح أقوال بعض مشايخ التصوف بمنأى عن هذا المنهج!!؟ ● ولماذا نطالب من ناقد قول فقهي أن يعرف أدلته ومداركه، بينما نطالب من ناقد قول صوفي أن يدخل في التجربة نفسها حتى يحق له الاعتراض!!؟ إن هذا التفريق لا يستقيم إلا إذا قيل إن للتصوف مصدرا خاصا للحجية خارج المصادر الشرعية المعروفة، وحينئذ ينتقل الخلاف إلى قضية أصولية أعظم، وهي: هل الكشف والذوق والإلهام مصادر مستقلة لإثبات الأحكام والعقائد؟ وأحسب أن الدكتور عادل لا يريد تقرير هذا اللازم، لكن بعض عباراته قد تفتح الباب إليه. ● أما تصوير النقاش وكأنه مواجهة بين السلفيين والصوفية، فلا أراه مدخلا موفقا؛ لأن السؤال العلمي لا تتغير حقيقته بتغير هوية السائل. فقد يصيب السلفي ويخطئ، كما قد يصيب الصوفي ويخطئ، والعبرة في الجميع بالعلم والعدل وقوة الحجة. ● ولا ينبغي كذلك أن نحول الاختلاف العلمي إلى خصومة مذهبية تستعمل فيها الأوصاف والألقاب بدل الأدلة. فما أحوجنا إلى أن نزن الأقوال قبل أن ننظر في أسماء أصحابها وانتماءاتهم!!! ◆ وأختم بهذه الكلمة للدكتور الفاضل: لسنا مطالبين بأن نصبح صوفية حتى نفهم التصوف ونناقش دعاوى المنتسبين إليه، كما لسنا مطالبين بأن نصبح سلفيين حتى نفهم السلفية ونناقش تقريراتها. وإنما نحن مطالبون بأن نكون منصفين في التصور، محققين في الاستدلال، عادلين في الحكم. ◆ وإذا كان عالم المقاصد أبو إسحاق الشاطبي قد علمنا أن نحسن الظن بالصالحين، فقد علمنا أيضا أن نزن أحوالهم وأقوالهم بميزان الشريعة، وأنه لا ولاية ولا كشف ولا مقام ينشئ لأصحابه أحكاما دينية مستقلة. فليكن هذا هو موضع الاتفاق ومنطلق الحوار؛ فإن الحق لا تضيق به المناقشة، والعلم لا تضره المراجعة، والصلاح لا يحتاج إلى تعطيل النقد حتى يثبت قدره. والله من وراء القصد. The post حوار هادئ مع فضيلة الدكتور عادل رفوش في نقاش التصوف وحدود حجية أقوال الصوفية appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

eight − one =

Check Also

نفقات الأعوان العرضيين بزاكورة.. اعتمادات بـ500 مليون سنتيم تثير تساؤلات حول التدبير والمردودية

أفادت مصادر مطلعة من زاكورة لجريدة “العمق المغربي” بأن الاعتمادات المالية المخصصة للأعوان …