Home اخبار عاجلة “الهمزة” المفترى عليها و”الهموز” السمان…
اخبار عاجلة - 5 hours ago

“الهمزة” المفترى عليها و”الهموز” السمان…

“الهمزة” المفترى عليها و”الهموز” السمان…

قبل أن تكتمل ملامح الأغلبية، وحتى بعد تشكيل حكومة تديرها – لأول مرة في تاريخ المغرب – امرأة تتسنم هذا المنصب الرفيع، كانت الفضائح تسير كظل ملازم لكل الخطوات.. بدءًا من فضيحة “الصاك” الشهيرة، مرورًا بالوزيرة ذات الماضي الحافل بالمعجزات، وصولًا إلى استوزار أسماء أطاحت بها أصوات الناخبين وحاسبتها صناديق الاقتراع، ليكافأ المغضوب عليهم بنشوة الحقائب الوزارية، في استخفاف تام بنبض الشارع وإرادة الصناديق. أما القمة فكانت في لحظة تقديم البرنامج الحكومي أمام المؤسسة التشريعية، حيث شهدنا اعتداءً موصوفًا وقاسيًا على اللغة العربية أداءً ونطقًا وسياقًا. ولعل أكثر ما استوقف المتتبعين هو ذلك التنكيل الشرس الذي تعرضت له حرفيًا “الهمزة” المسكينة، تنكيل بليغ غطى ببراعة فائقة على ما لحق بباقي الحروف والكلمات من كسور بليغة وجروح قطعية… يبدو أن السيدة المنصوري عازمةٌ على إكمال الملحمة اللغوية لسلفها السيد أخنوش، الذي عُرف بمخاصمته العنيفة للغة الضاد بقدر خصامه الممتد مع قضايا المواطنين البسطاء وتكلفة عيشهم. ولكن لا بأس.. فلعل السيدة رئيسة الحكومة تولي كل هذه الرعاية لـ“الهمزة” المظلومة، استباقًا لرعاية “الهمزات” الأخرى.. التي عند جمعها بالعامية المغربية تسمى “الهموز“.. نعم، الهموز السمان التي ينتظرها الفراقشية والمريدون والوافدون الجدد إلى حظيرة الامتيازات. أحد المهتمين بالشأن العام علّق بسخرية موجعة، مشيرًا إلى أنه لو استعملت السيدة الوزيرة اللغة الدارجة – ما دامت لغة دستورية – لكان أهون… غير أن الدارجة، مهما افتخرنا بجمالها وعفويتها، لن تتمكن من استيعاب المصطلحات والمؤشرات الدقيقة في برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي ضخم بحجم برنامج حكومي، والتعبير عنها. بل ذهب آخرون إلى التساؤل عن الأهلية المهنية للوزيرة، متسائلين كيف لمن تنتمي إلى سلك المحاماة أن تقنع المتقاضين، إن كانت تعجز عن قراءة جملة مفيدة في أبسط المرافعات؟ وفي السياق ذاته، وضع الأستاذ والأكاديمي البارز د. عبد العلي الودغيري يده على الجرح عندما دوَّن بمرارة: “كم من الملايير تحتاجها الدولة لتعليم الوزراء وكبار المسؤولين كيف ينطقون لغة بلادهم ويستعملونها استعمالًا سليمًا؟.. عارٍ وأي عار أن ينزل استعمال المسؤولين للغتهم إلى هذا المستوى الصادم. قبل أن تفكروا في معالجة الهدر المدرسي، فكروا في كيفية إعادة الوزراء ورؤساء الحكومات إلى المدارس الابتدائية لتعلم القراءة وحسن التهجي“. حقًّا.. يتضح لمن كان بحاجة إلى مزيد من التوضيح أن قدرة الوزيرة وفريقها التراكتوري في قواعد النحو تختصر تمامًا في أفعال النصب والكسر والجر والرفع.. ويكفي أن تلتفتوا حولكم لتروا تجليات هذه الأفعال ميدانيًا.. إذ يعاني منها الشعب فقرًا وتهميشًا وتسويفًا وتحقيرًا… فالتراكتور اليوم يحرث بشكل أفضل بكثير، يحرث الأرض والجدران، والأرصفة والمباني، والهواء المنطوق في أحرف اللغة والمعاني.. ناهيك بالطبع عن حراثة حقوق الناس وطمسها وتجريف أحلامهم البسيطة… لقد اتضح لمن كان يمنّي النفس بتوضيح أو بوادر أمل أننا لسنا سوى أمام لوحة استعراضية باهتة لتأثيث المشهد السياسي، فقط لننال نقطة إيجابية خضراء في سلم ترتيب الأمم المتقدمة بشأن تمكين المرأة، بينما الجوهر يعاني الخراب والتصحر. لنترقب إذن.. فالأيام القادمة حبلى بمزيد من الفضائح اللغوية والمشهدية، فضائح بالجملة والتقسيط لن تزيد الواقع السياسي في بلدنا السعيد إلا عراءً وتكشيفًا. لن نطيل الإفصاح أكثر، فكل شيء صار جليًّا واضحًا.. حتى لمن أفقده المشهد القاتم القدرة على النظر البعيد. وحيث إن الشيء بالشيء يُذكر، وحيث إن لغتنا الجميلة حبلى بالدلالات والرموز الرهيبة، فلا بأس أن نختم مسك هذا الكلام بتلاوة من الذكر الحكيم، ففي كتاب الله سورة كريمة باسم “سورة الهمزة“، من السور القصار ذات الوقع الرهيب، نوردها هنا لعلها تجد آذانًا واعية ووعيًا يتدبر عاقبة الطغيان: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ، كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ، نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ). آمين. اعتدنا في أدبياتنا السياسية واللغوية على مقولة “اجزمْ تسلمْ“… لكن السيدة الوزيرة جادت علينا بفتح لغوي غير مسبوق، لعل شعاره: “اترك الهمزة وتحزم في الركزة!” غير أن هذه “الهمزة“، وإن صغر حجمها وأتت أحيانًا مذيلة في أواخر الكلمات، لا يجب الاستهانة بوزنها ووقعها، ففي مقاطع أحرفها تتخفى ذات الحروف التي تشكل الهَزْم، والهَزِيمَة، واللَّيْل الهَزِيم… لطفك يا رب.. يا أرحم الراحمين.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

16 − 7 =

Check Also

احتجاجات فرنسا تفجر الخلاف حول المسؤوليات والدروس المستخلصة

هذا ليس وجه فرنسا! جميع وسائل الإعلام تركز على أعمال العنف والتدمير في احتجاجات يوم السبت.…