Home الصحافة المغربية المسؤولية بين حسابات الدنيا وحساب الآخرة

المسؤولية بين حسابات الدنيا وحساب الآخرة

المسؤولية بين حسابات الدنيا وحساب الآخرة

المسؤولية بين حسابات الدنيا وحساب الآخرة هوية بريس – د. أحمد اللويزة لقد وجد هذا الإنسان على ظهر الأرض منذ أن قال الله لآدم وحواء والشيطان: «اهبطوا منها جميعا»، ليتولى الإنسان مسؤولية عمارة الأرض، ويتحمل أمانة التكاليف، لتكون عمارته للأرض وفق شرع الله المتمثل في أمره ونهيه، ومنذ أن تحمل هذا الإنسان هذه الأمانة يوم عرضها الرب على السماوات والأرض والجبال فأبين حملها شفقة وخوفا، وتحملها الإنسان، والأنبياء والرسل يأتون تترى لتذكيره بهذه الأمانة التي تحملها عن الله، حتى لا يغفل عما يتبعها من الحساب والجزاء يوم يعود الإنسان إلى ربه ليحاسبه على النقير والقطمير. فالقضية إذن ليست تحمل مسؤولية وتولي مهمة تنتهي بتقاعده أو بمجرد عزله أو إعفائه، أو بنهايته وخروج روحه، بل إن لها تبعات إلى يوم القيامة، حيث هناك توضع الموازين ولا يظلم أحد فتيلا، فهي ليست تشريفا بقدر ما هي تكليف، وليست مغنما بل هي مغرم، الأصل أن يفر الإنسان من تحملها إلا أن يُحمل على توليها من طرف جهة معينة أو ظرف يفرض ذلك. وذلك أن الإسلام، كما ورد في نصوص الوحي، يعتبر تولي المهام قضية خطيرة لمن طلبها، وإسنادها يستوجب التثبت والتمعن والانتقاء والاختيار والاصطفاء على أسس ومعايير كفائية صارمة، لا وجود فيها للمحاباة ولا للعاطفة ولا للمحسوبية أو الزبونية أو منطق القرابة أو ما شابه، وذلك أن رب العباد يولي النبوة، وهي أشرف وأخطر مهمة في الحياة، لمن اصطفاهم من البشر، ممن يهيئهم لهذه المهمة ليكونوا أحق بها وأهلها، ويختار للمهمات من هو حقيق بها، ولما اعترض بعض بني إسرائيل على طالوت لأنه في نظرهم ليس أهلا للمسؤولية بموازينهم التافهة (المال والثروة)، جاء الرد من النبي فقال: «إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم»، ليدل هذا على أن الكفاءة هي المعيار، وليس شيئا مما يعتمده الناس اليوم إلا قليلا. وهذا ما يتأكد من خلال النظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته؛ حيث إسناد المهام للأكفاء وعدم اعتبار العاطفة أو المصالح، ولا تعطى لكل طالب راغب، حتى وإن كان سليما في دينه، غير متهم في أخلاقه ولا مشكوكا في مبادئه، كما وقع مع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، وهو يحكي الواقعة حين جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها»، فرغم أن أبا ذر معروف بالصلاح والعبادة والانقطاع عن الدنيا، ولكنها المسؤولية التي لا تحابي أحدا في ميزان الإسلام. حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام مثلا يقول في حق ابنته: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، وهي سيدة نساء الجنة، ولكنه الإسلام الذي يقطع مع العواطف ويضرب بالقرابة عرض الحائط في مقام إحقاق الحق والعدل مع الخلق، كما قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين». وهكذا هو شرع الله الذي أقره فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هديه وفعله في تحميل المسؤولية لمن هو أهل لها، وهو ما سار على نهجه الخلفاء من بعده، وأكتفي بذكر مثال شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه الذي كان واليا على الأردن، فعزله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ولاية الأردن، فقال له شرحبيل: يا أمير المؤمنين، أعجزت أم خنت؟ قال: لم تعجز ولم تخن. قال: فلم عزلتني؟ قال: تحرجت أن أؤمرك وأنا أجد أكفأ منك. قال: فاعذرني يا أمير المؤمنين في الناس. قال: سأفعل، ولو علمت غير ذلك لم أفعل، فقام عمر فعذره. وليراجع رفض الصحابة للمسؤولية والولايات، ومن كان يطلب إعفاءه منها، ستجد العجب العجاب. إن من استوعب خطورة المسؤولية وما يتبعها من حساب دقيق، حساب الآخرة وليس حساب الدنيا، فإنه يفكر ألف مرة قبل تحملها إذا عرضت عليه، بله من يطلبها ويتجرأ في طلبها، بل ويحرص كل الحرص على تحملها، هذا في حق من ينوي أداءها على ما تستحق من الوفاء والأمانة، فكيف ونحن أمام بشر يركبون الصعب والذلول، ويقترفون الصغائر والكبائر، ويعتمدون أبشع الوسائل من أجل تحصيل المسؤولية، ليس لأداء حقها ولكن بنية مبيتة في الغدر والمكر والخيانة وعدم الوفاء، فأي بشر هؤلاء؟ ألا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ حيث توضع موازين الحق، ويقف بين يدي الجبار ظلمة الخلق، فلا يضيع حق مخلوق، ولا يسلم ظالم أكل الحقوق، وقد خاب من حمل ظلما. إن يوسف عليه السلام لم يطلب المسؤولية، وإنما عرضت عليه، ولما عرضت عليه ورأى أنه لن يفلت من تحملها، حينها طلب المسؤولية التي يقدر عليها ويملك فيها الكفاءة المطلوبة، فقال للملك: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، أما اليوم فإن المسؤوليات إنما تفرق بغير ميزان، وتوزع بغير منطق، وتسلم لمن لا يستحق، ولا تجد الرجل المناسب في المكان المناسب، فضاعت الحقوق وانتشر الظلم والحكرة، وساد منطق الزبونية والمحسوبية، وتولى المسؤولية من لا يستحق، حتى تولى الأمي مسؤولية وضع القوانين ومناقشتها، دع عنك الفاسق والفاجر ومن لا دين له يمنعه ويردعه، فماذا تنتظر من مثل هؤلاء الذين جاءوا في زمن قال فيه عليه الصلاة والسلام: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، وقال فيه عن انقلاب الموازين: «يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». هذا هو الحال كما وصفه من لا ينطق عن الهوى. ولعل الناس اليوم لا يرون إلا عشاق المسؤوليات وخونة الأمانات، فلا بأس أن نحكي لهم عن قصص الصالحين الذين كانوا يفرون من تحمل مناصب يسيل لها لعاب القوم اليوم، وربما تقدم فيها قرابين ورشاوى ضخمة. أحيل باختصار على قصة الإمام سفيان الثوري الذي رفض تولي مهمة قاضي القضاة، ويا لها من مسؤولية عظيمة ذات اعتبار سام ومكانة عالية في المجتمع، ومن العجائب أنه أُكره على توليها، فلم يجد أمامه إلا الفرار في جنح الظلام حتى لا يتولى المنصب السامي المرموق. إنهم قوم عرفوا ثقل المسؤولية وعظم الأمانة وخطورة الحساب وجسامة العقاب، وليس مثل قومنا اليوم الذين لا يشبهونهم في شيء، فشتان بين من ينظر إلى المسؤولية بحساب الآخرة وبين من لا يبالي لا بحساب الدنيا ولا حساب الآخرة، ولكننا في آخر الزمان. The post المسؤولية بين حسابات الدنيا وحساب الآخرة appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

17 − 12 =

Check Also

تنازع المصالح وتجريم الإثراء غير المشروع.. “البيجيدي” يودع أربعة مقترحات قوانين لدى مجلس النواب لمحاربة الفساد

تنازع المصالح وتجريم الإثراء غير المشروع.. “البيجيدي” يودع أربعة مقترحات قواني…