Home الصحافة المغربية التفكير فريضة إسلامية

التفكير فريضة إسلامية

التفكير فريضة إسلامية

التفكير فريضة إسلامية هوية بريس – فرج كُندي لم يعد سؤال التفكير في زماننا سؤالًا ترفيًا يخص الفلاسفة وأهل الاختصاص؛ لأن المجتمعات التي تعطل قدرتها على الفهم والنقد والتمييز تصبح أسيرة للشائعة، والدعاية، والتقليد، والقرار المنفرد. وحين يفقد الإنسان ملكة النظر في أسباب الظواهر ومآلات الأفعال، لا يعود قادرًا على إدارة اختلافه، أو اختيار قيادته، أو حماية دينه من الخرافة، أو حماية دنياه من الفساد. من هنا تكتسب عبارة «التفكير فريضة إسلامية» قيمة خاصة. وقد اشتهرت هذه العبارة عنوانًا لكتاب عباس محمود العقاد، الذي سعى إلى إثبات انسجام الفكر والدين، وإلى بيان أن الخطاب القرآني يجعل العقل أداة للفهم والتكليف والتمييز، لا خصمًا للوحي. غير أن العبارة تحتاج إلى تحرير علمي؛ إذ لا يصح أن يتحول إطلاقها إلى تعميم يجعل كل رأي شخصي اجتهادًا، أو إلى تصور يرفع العقل فوق الوحي، أو إلى شعار مضاد للتراث والعلماء. والسؤال المركزي في هذه الدراسة هو: بأي معنى يكون التفكير فريضة في الإسلام؟ وما مجالات هذه الفريضة وضوابطها وحدودها وآثارها في بناء الفرد والمجتمع؟ مفهوم التفكير ومفهوم الفريضة التفكير في اللغة ردُّ الشيء على القلب، وإعمال الذهن في المعلوم للوصول إلى مجهول أو حكم أو غاية، وفي الاستعمال المعاصر هو نشاط ذهني يتضمن الفهم والتحليل والمقارنة والنقد والاستدلال والتقدير واتخاذ القرار. غير أن هذا التعريف الواسع لا يكفي وحده في المجال الإسلامي؛ لأن التفكير هنا ليس حركة ذهنية بلا معيار، بل هو فعل إنساني يقع تحت الحكم الأخلاقي والشرعي. فالقرآن لا يستخدم لفظ التفكير استخدامًا واحدًا، وإنما يوزع وظائفه على ألفاظ متقاربة. التفكر هو إعمال النظر في الآيات والظواهر والمعاني. والتدبر نظر في العواقب والنتائج وعمق المعنى، ولذلك تعلق بالقرآن في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: 24]، وقد فسر ابن كثير الآية بأنها أمر بتدبر القرآن وتفهمه، ونهي عن الإعراض عنه. أما التعقل فيجمع بين الإدراك والضبط؛ فالعقل ليس آلة تعرف فقط، بل قوة تمنع صاحبها من الانحراف حين يتبين له الحق. والنظر فعل فحص واستدلال في النفس والكون والتاريخ. والاعتبار انتقال من مشاهدة الحادثة إلى فهم قانونها ومآلها، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]. والتفقه تجاوز المعرفة السطحية إلى الفهم العميق الذي يربط الحكم بعلته ومقصده ومآله. أما الفريضة فهي ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا، مع اختلاف متعلقها بين فرض عين وفرض كفاية وما لا يتم الواجب إلا به. ومن ثم لا يصح القول إن كل صور التفكير واجبة بالدرجة نفسها. التفكير في أصل الإيمان، وفهم ما يتوقف عليه التكليف، وتمييز الحق من الباطل في حدود القدرة، واجب على كل مكلف. أما التخصص في الطب والهندسة والاقتصاد والقضاء والفتوى، فهو من فروض الكفايات التي يأثم المجتمع بتركها إذا لم يقم بها من يكفيه. وعلى هذا فإن عبارة «التفكير فريضة» تعني وجوب استعمال العقل في مجالات المسؤولية، لا وجوب إنتاج رأي جديد في كل مسألة، ولا إلغاء دور الخبرة أو الرجوع إلى أهل العلم. إنما الممنوع أن يتخذ الإنسان جهله عذرًا دائمًا، أو يسلم عقله لمن يملك الشهرة أو السلطة، أو يخلط بين التوكل وتعطيل الأسباب. مركزية العقل في الخطاب القرآني يقدم القرآن الإنسان بوصفه كائنًا مسؤولًا، وهذه المسؤولية لا تستقيم من غير قدرة على الفهم والتمييز والقصد. ولذلك يكرر القرآن ذم الذين يعطلون عقولهم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22]. فالمشكلة هنا ليست فقدان القدرة البيولوجية، بل رفض سماع الحق وفهمه وتحويله إلى موقف. ويجعل القرآن النظر في الكون طريقًا إلى المعرفة والإيمان، لا منافسًا لهما. يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]. ولا تقف الآية عند وصف الظاهرة، بل تجعلها آية؛ أي علامة تقود العقل إلى معنى يتجاوز صورتها المباشرة. ثم تصف أولي الألباب بأنهم الذين يذكرون الله ويتفكرون في الخلق، فتجمع بين الذكر والتفكير، وبين الروح والعقل، وبين التأمل والسلوك. ويفتح القرآن مجال النظر في النفس والتاريخ. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: 8]، ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]. فالتاريخ في المنظور القرآني ليس حكايات للتسلية، ولا سجلًا للانتصارات، بل ميدان لاكتشاف السنن، وفهم عواقب الظلم والترف والتكذيب والتنازع. كما يرفض القرآن بناء الاعتقاد على الظن غير المنضبط، فيقول: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: 36]. ويحذر من القول بلا علم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وهاتان الآيتان تؤسسان أخلاقية المعرفة: لا يكفي أن يملك الإنسان حماسة أو نية حسنة؛ بل عليه أن يميز بين العلم والظن، وبين الدليل والانطباع، وبين الخبر والتحقق. التفكير في القرآن ليس شكًا عبثيًا قد يلتبس على بعض الناس معنى إعمال العقل في الدين؛ فيظنون أن التفكير يعني الشك الدائم أو التمرد على كل ثابت، وهذا خلط بين التفكير المنهجي وبين النزق الذهني. فالتفكير الإسلامي لا يبدأ من رفض الحقيقة بل من طلبها، ولا يجعل الشك غاية؛ بل قد يجعله مرحلة للفحص إذا أدى إلى يقين أرسخ. القرآن نفسه يعرض أسئلة المعاندين، ويفكك حججهم، ويطلب إقامة البرهان. كما يعرض قصة إبراهيم عليه السلام في النظر في ملكوت السماوات والأرض، لا بوصفها بحثًا عن إله يجهله، بل بوصفها تربية على الاستدلال ومواجهة الوهم، واليقين في الإسلام ليس تعطيلًا للسؤال، وإنما هو نتيجة سؤال صحيح ونظر مستقيم واستسلام للحق حين يظهر. من هنا لا يكون الإيمان ضد العقل، كما لا يكون العقل المكتفي بذاته قادرًا على الإحاطة بكل مجالات الوجود. العقل يعرف ويستدل، لكنه محدود بالزمان والمكان والحواس واللغة والتجربة. والوحي يضيف إليه خبرًا عن الغيب ومعيارًا للقيمة وغاية للوجود. العلاقة الصحيحة إذن علاقة تكامل: الوحي يهدي العقل إلى ما لا يستقل به، والعقل يفهم الوحي ويميز وجوه تطبيقه ويكشف الخرافة والتلاعب. السنة النبوية والتفكير العملي لا تكتفي السنة بالدعوة النظرية إلى العلم، بل تقدم نموذجًا للتفكير العملي القائم على السؤال والمشاورة وتقدير المآلات؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إلى أصحابه، ويأخذ بالرأي في شؤون التدبير والحرب والسياسة، ويقبل تصحيح المعلومة والخبرة في مجالها. ومن الأحاديث الدالة على التمييز بين الوحي والخبرة البشرية حديث تأبير النخل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وهو حديث صحيح رواه مسلم. ولا يعني ذلك فصل الدين عن الحياة؛ بل يقرر أن الخبرة الفنية والتجريبية في شؤون الدنيا لا تستبدل بالنصوص العامة، وأن أهل الاختصاص أدرى بآليات مجالاتهم ما لم يصادم ذلك حكمًا شرعيًا قطعيًا. ومن السنة كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وهو حديث صحيح رواه البخاري. والتفقه ليس حفظ الأحكام فحسب؛ بل الفهم الذي يربط النص بالواقع، ويمنع التسرع في الفتوى، ويميز بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والوسيلة. ويقرر حديث اجتهاد الحاكم أن الاجتهاد عمل بشري قابل للصواب والخطأ، مع بقاء الأجر للمجتهد المستفرغ وسعه؛ فقد جاء في الحديث: {إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر}، وهو في الصحيحين. وهذا يفتح بابًا مهمًا في الثقافة الإسلامية: الخطأ الناتج عن اجتهاد مؤهل ليس كالخطأ الناتج عن الهوى أو الجهل أو التسرع، كما أن تقديس رأي البشر يقتل معنى الاجتهاد ويحول الاختلاف إلى صراع على الأشخاص. من التفكير إلى الاجتهاد يظهر الأثر الفقهي لفريضة التفكير في باب الاجتهاد. فالنص الشرعي لا يطبق نفسه في الواقع دون فهم للمناط واللغة والعلل والظروف والمآلات. لذلك نشأ علم أصول الفقه بوصفه محاولة لضبط عملية الانتقال من النص إلى الحكم، ومن الحكم إلى الواقعة، ومن الواقعة إلى تقدير المصلحة والمفسدة. ولا يعني الاجتهاد تجاوز النص؛ بل يعني بذل الوسع في فهمه وتنزيله في موضعه. فالاجتهاد ليس رخصة للهوى، ولا حقًا لكل من امتلك منصة إعلامية، بل له أدوات وشروط من العلم باللغة والقرآن والسنة وأصول الاستدلال ومعرفة مقاصد الشريعة وواقع الناس. وإذا كان التقليد جائزًا للعاجز عن النظر، فإن العجز ليس فضيلة دائمة، ولا يجوز تحويله إلى نظام عام يعطل طاقات الأمة. وقد عرف تاريخ المسلمين صورًا من الاجتهاد في النوازل والمصالح العامة، مثل جمع القرآن في مصحف واحد، وتدوين الدواوين، وتنظيم القضاء، واتخاذ السجن، وتقدير بعض الإجراءات بحسب تغير الأحوال. وهذه الوقائع تدل على أن الشريعة لم تكن نظامًا جامدًا يعجز عن التعامل مع المستجدات؛ بل كان فيها مجال للنظر المنضبط الذي يحفظ المقاصد ويحقق المصالح. ومن الخطأ المقابل أن يُرفع شعار الاجتهاد دون علم؛ فكما أن إغلاق باب التفكير يفضي إلى الجمود، فإن فتحه بلا أدوات يفضي إلى العبث. والإسلام لا يطلب من الطبيب أن يفتي في دقائق القضاء لمجرد ثقافته العامة، ولا من الفقيه أن يصدر حكمًا فنيًا في جائحة أو سوق مالية دون الرجوع إلى الخبراء. إن التفكير المسؤول يقوم على التخصص والتعاون وتوزيع الوظائف، لا على احتكار الحقيقة من جهة واحدة. موانع التفكير في التصور الإسلامي يبرز في القرآن نقد ثلاثة عوائق كبرى: التقليد الأعمى، واتباع الهوى، والخوف من السلطة. يقول تعالى في ذم الاحتجاج بالآباء: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، ثم يسأل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: 170]. فالتراث لا يرفض لمجرد قدمه، ولا يقبل لمجرد وراثته؛ بل يوزن بالدليل والقدرة على تحقيق الحق والخير. والعائق الثاني هو اتباع الهوى، لأن الإنسان قد يملك عقلًا لكنه يستخدمه لتبرير رغبة سابقة. عندئذ لا يبحث عن الحق، بل يبحث عن حجة تمنحه راحة نفسية أو انتصارًا على الخصم. التفكير الإسلامي يطالب بتحرير القصد قبل تحرير الفكرة؛ لأن فساد النية قد يحول الذكاء إلى أداة للمراوغة. أما العائق الثالث فهو الخوف الذي يجعل الإنسان يعرف الحق ثم يسكت عنه، أو يرى الظلم ثم يزينه، أو يتبع رأي الجماعة حفاظًا على مكانته. وقد ناقش الاستاذ العقاد هذه الموانع في كتابه، فجعل من عبادة السلف، والخضوع لسلطة دينية غير منضبطة، والخوف من السلطة الدنيوية أصولًا لتعطيل العقل. لكن نقد السلطة الدينية لا يعني إسقاط العلماء، كما أن نقد التقليد لا يعني إلغاء التراث، ونقد الاستبداد لا يعني الفوضى. المقصود هو منع تحويل البشر إلى معصومين، ومنع إغلاق باب السؤال، مع بقاء التوقير للعلماء والالتزام بالنظام العام واحترام الاختصاص. التفكير فريضة أخلاقية وحضارية لا قيمة لتفكير يوسع قدرة الإنسان على الخداع، أو يبرر الظلم، أو يحول العلم إلى سلعة بلا مسؤولية. لذلك يرتبط التفكير في الإسلام بالأمانة والعدل والشورى وحفظ المصالح. العقل الذي يكتشف الحقيقة ثم يخونها ليس عقلًا راشدًا، والعلم الذي لا يغير السلوك قد يتحول إلى حجة على صاحبه. وتتجلى هذه الحقيقة في الحديث الصحيح الذي شبه العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به بالسراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه؛ فالمعرفة في الإسلام ليست امتيازًا للعرض، بل عهد يقتضي العمل. ولهذا فإن التفكير فريضة على الفرد من جهة، وعلى المجتمع من جهة أخرى؛ لأن المجتمع مطالب ببناء مدارس وجامعات ومؤسسات إعلام ومراكز بحث تسمح بالسؤال، وتعلم التحقق، وتحمي الباحث من الابتزاز، وتربط المعرفة بحاجات الناس. ومن الناحية الحضارية، لا تنهض الأمة بمجرد استيراد التقنية. التقنية ثمرة عقل منظم، ومؤسسات تحمي البحث، وثقافة تحترم الوقت والاختصاص، وأخلاق تمنع الغش، ونظام يكافئ الإتقان. فإذا غابت هذه الشروط تحولت التقنيات إلى أدوات استهلاك أو مراقبة أو تضليل، ولذلك يكون التفكير فريضة عمرانية؛ لأنه ينقل الأمة من رد الفعل إلى المبادرة، ومن تقليد الحلول إلى إنتاجها. التفكير في عصر الإعلام الرقمي أصبحت فريضة التفكير اليوم أكثر إلحاحًا بسبب سرعة انتشار المعلومات؛ فالمتلقي لا يواجه نقصًا في الأخبار، بل يواجه فائضًا من الأخبار المتعارضة، وقد يساهم الهاتف في توسيع المعرفة، لكنه قد يحول الإنسان إلى ناقل لمواد لم يقرأها أو يتحقق منها. وتتأسس المسؤولية الإسلامية في هذا المجال على قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. والتبين ليس إجراءً تقنيًا فقط، بل خلق ديني يحمي الأعراض والدماء والعلاقات العامة. ومن مقتضياته أن يفرق الإنسان بين مصدر الخبر والتعليق عليه، وبين الدليل والدعاية، وبين الصورة المقتطعة والسياق الكامل، وبين الإجماع الحقيقي والانتشار الوهمي. كما أن التفكير النقدي لا يعني سوء الظن بكل شيء، بل يعني تعليق الحكم حتى تتبين الأدلة، وقبول إمكان الخطأ، والاستعداد لتعديل الرأي. وهذه ملكات تحتاج إلى تربية طويلة، لا إلى معلومات متفرقة؛ فالأمة التي تريد مواجهة التضليل تحتاج إلى تعليم المنهج، لا إلى إغراق الناس بمزيد من الشعارات. خاتمة التفكير فريضة إسلامية بمعنى أن الإنسان لا يعفى من استعمال عقله في طلب الحق، وفهم الوحي، وتمييز الباطل، وتقدير المسؤولية، واكتشاف سنن الحياة، وتحقيق المصالح. وهذه الفريضة لا تلغي الوحي، ولا تسقط التخصص، ولا تجعل كل رأي اجتهادًا، بل تؤسس لعقل مؤمن ومسؤول وناقد وعملي. إن الإسلام لا يريد إنسانًا يحفظ الأجوبة دون أن يفهم أسئلتها، ولا يريد مؤمنًا يردد الموروث دون أن يميزه، ولا يريد عالمًا ينفصل علمه عن أخلاقه، ولا مجتمعًا يكثر فيه الكلام وتغيب عنه القدرة على العمل. التفكير في التصور الإسلامي عبادة حين يقصد به وجه الحق، وأمانة حين يتعلق بحقوق الناس، واجتهاد حين يتصل بالنوازل، وعمران حين يتحول إلى علم ومؤسسة وإنتاج. ومن هنا فإن واجب الأمة اليوم ليس أن ترفع شعار العقل فحسب، بل أن تبني شروطه: تعليمًا يربي على السؤال، وبحثًا يحترم الدليل، وإعلامًا يلتزم التبين، ومؤسسات تقبل النقد، وفقهًا يفرق بين القطعي والمتغير، وثقافة تجعل الخطأ العلمي قابلًا للتصحيح لا سببًا للإقصاء. عندئذ يصبح التفكير قوة إيمانية وحضارية، ويخرج العقل من أسر التقليد والهوى والخوف إلى فضاء البصيرة والعمل والشهادة على الناس. The post التفكير فريضة إسلامية appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

five + 19 =

Check Also

96 مليار درهم للسكك الحديدية وقطارات جديدة.. المغرب يرفع إيقاع الاستثمار في البنيات التحتية

96 مليار درهم لتطوير السكك الحديدية.. البنية التحتية للنقل في قلب مشاريع استثمارية كبرى في…