أُمِّية الرسول

أُمِّي كثيرا ما نسمع بأن النبي كان أُمِّيا بمعنى أنه كان لا يقرأ ولا يكتب. وهذا لا يتماشى مع معنى “أمي” كما جاءت في كتاب الله. إذ أن هذه الكلمة قد تعني الإنسان، من اليهود مثلا، الذي لا يعلم من كتابه المنزل عليه إلا قليلا. وقد تعني الناس الذين ليسوا من أهل الكتاب، كالذين ليسوا لا من اليهود ولا من النصارى. جاء معنى الأمية بهذا المفهوم عندما استعمل في تقابل وتباين مع معنى أهل الكتاب. اقرأ مثلا. “وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)” (البقرة 78:2). “… وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ … (20)” (آل عمران 20:3). “وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)” (آل عمران 75:3). “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)” (الجمعة 2:62). كان قوم محمد، ومنهم محمد، أميين بمعنى لم يكن لديهم كتاب كما لدى اليهود والنصارى. لم يكونوا أميين بمعنى أنهم لا يعرفون القراءة والكتابة. فبُعث فيهم الرسول فتلا عليهم الآيات، وزكاهم، وعلمهم الكتاب والحكمة. “أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا(93) ” (الإسراء 93:17). كان عدد لا بأس به من قوم محمد يعرف القراءة والكتابة. لهذا طلبوا من محمد كتابا ليقرؤوه، الإسراء 93:17 أعلاه. ومن أتباعه من عُرف بكتَّاب الوحي. الرسول إذن كان أميا بمعنى أنه لم يكن من الذين أوتوا الكتاب من قبل كاليهود والنصارى. لكنه كان يخط، بمعنى يعرف قراءة وكتابة اللسان العربي. وهكذا فإنه هو الذي خط ما أُوحي إليه بيده؛ فوصلنا كتاب الله كما نزل بالحرف الواحد. حساب الجُمَّل روي أن محمدا كان تاجرا غنيا موفقا. “وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)” (الضحى 8:93). كان وقتها يستعمل الناس عموما، والتجار خصوصا، الأرقام في مبادلاتهم التجارية وهو ما يُعرف بحساب الجُمَّل. كفرد من أفراد قبيلة قريش، كان محمد تاجرا يتنقل بين اليمن والشام في رحلتي الشتاء والصيف. “لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4) ” (قريش 1:106-4). كسائر التجار، كان محمد إذن يعرف الكتابة والقراءة. حروف الأبجدية الثمانية والعشرون ترتيبا “ابجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ” ترمز إلى الأرقام الملخصة في الجدول التالي حيث يعطى رقم معين لكل حرف وفقا لترتيبه. فمثلا “بلغ” ترمز إلى رقم 1032، لأن الباء 2، واللام 30، والغين 1000 فيكون المجموع 1032. من 2000 وأكثر، تستعمل الأعداد المركبة؛ “بغ” ترمز إلى 2000 و”غغ” ترمز إلى 1,000,000. كان الرسول ومعاصروه من التجار لا يستعملون الأرقام المتداولة فيما بيننا الآن؛ فهذه الأعداد استعملت فيما بعد عصره. لكنهم كانوا يستعملون حساب الجُمَّل لتسجيل معاملاتهم التجارية. وهكذا فمحمد، كتاجر، كان يعرف كيف يقرأ ويكتب. ولا ننسى أنه يروى أن محمدا قد أشار بيده إلى تصحيح بعض ما كُتِب في وثيقة صلح الحديبية بدون مساعدة أحد. إن صحت هاته الرواية، كيف للرسول أن يفعل ذلك إن لم يكن يعرف الخط؟ يعرف الخط الرسول كان إذن يخط قبل وإبان بعثته، أي كان يعرف الكتابة والقراءة. وما كتاب الله المسطور الذي بأيدينا إلا نسخة طبق الأصل لما خطه بيده مما أُوحي إليه عن طريق جبريل. لِنَر العلاقة بين القراءة والكتابة والخط كما جاء في القرآن. فعل “قرأ” ومشتقاته غالبا ما استعمل في كتاب الله مقرونا مع مشتقة من مشتقات فِعْل “كتب”. كأمثلة على ذلك لنقرأ. “فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)” (يونس 94:10). “اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)” (الإسراء 14:17). “يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71)” (الإسراء 71:17). “أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)” (الإسراء 93:17). “فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)” (الحاقة 19:69). حين طلب، الإسراء 93:17 أعلاه، معاصرو النبي محمد كتابا يقرؤونه، فهذا يعني أنهم كانوا يعرفون القراءة ولم يكونوا أميين بالمفهوم المتداول أي لا يعرفون ذلك. في حالة ما إن كانت القراءة بدون النظر إلى كتاب فهذا يعني ضمنيا أنه قراءة ما حُفظ عن ظهر قلب مما كُتِب، أو إشارة إلى عملية التعلم. هاك أمثلة. قراءة القرآن بالليل “… فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ …” (المزمل 20:73). الرسول أُمر أن يقرأ. “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)” (العلق 1:96). و “سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)” (الأعلى 6:87). أي سنَجعلك تقرأ. فالرسول محمد إذن كان يعرف القراءة. ماذا عن الكتابة؟ جاء في كتاب الله على لسان معاصري الرسول بأن محمدا ليس فقط كاتب ما أوحي إليه من عند الله، بل هو المؤلِّف الفعلي بإعانة من آخرين وبأنه لا علاقة لله عز وجل بالمصحف. “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)” (الفرقان 5:25). فهم لم ينكروا أن من خط الكتاب بيده هو محمد، بل أنكروا أن يكون ما جاء في الكتاب هو كلام الله. لكن الله العليم الخبير برَّأ رسوله من ذلك، مجيبا الكفار “قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)” (الفرقان 6:25). لو لم يكن معاصرو الرسول يعلمون علم اليقين بأن محمدا كان يجيد القراءة والكتابة، لما كان في إمكانهم إذن أن يَدَّعوا أن كتاب الله هو فقط بالنسبة لهم مجرد إملاءات من طرف ما على محمد؛ وأن دوره كان فقط كتابة ما يملى عليه. ثم إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن رسوله لم يخط أي كتاب من قبل الوحي. ولكن، لم ينْف عنه الخط في إطلاقه. حيث إن أول ما خط محمد من كتاب بيده هو كتاب الله الذي أوحاه إليه. “وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)” (العنكبوت48:29). لاحظ استعمال فعل “خط” وليس “كتب”. الوحي يكتب توّاً. “كَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ” عن موسى. “ققَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145) ” (الأعراف 144:7-145). خط محمد رسول الله كتاب الله بيمناه وقت وحيه. رسول الله كان أول خطاط لكتاب الله ولم يكن كاتبا له بمعنى لم يكن كلامه. تاريخيا، المصحف هو أول كتاب كُتب باللسان العربي. ولقد وصلنا أبا عن جد صعودا إلى نسخته الأصلية بيد رسول الله. يُروى أنه ترك تلك النسخة مع زوجته حفصة بنت عمر بن الخطاب. قِس على هذا مثلا موطأ مالك (150 سنة من بعد الرسول) أو صحيح البخاري (200 سنة من بعد الرسول)، اللذَيْن بأيدينا اليوم. إنه ما دوَّنه أتباعهما وليس ما كتباه بأيديهما. بمعنى أنه لم تصلنا النسختان الأصليتان، رغم أنهما متأخرتان زمانيا عن المصحف الشريف. مخطوطة من المرجح أن المخطوطة الأولى لكتاب الله بخط يد محمد عبده ورسوله لا تزال موجودة في مكان ما. يُرَوج أن تاريخ أقدم مخطوطة للمصحف الشريف يعود للفترة ما بين 568 و645. هي حقبة تغطي الفترة الزمنية التي عاشها الرسول، ما بين 570 و632. أي يرجع تاريخها إلى أيام حين كان الرسول لا يزال على قيد الحياة. نحن لا ندري إن كانت هذه المخطوطة صادقة أم لا. يجب توخي كل الحذر مع هكذا أخبار وأحداث. فقد حدث أن بعض المستشرقين روجوا لمخطوطات مزيفة هدفها تشكيك المسلمين في صحة القرآن. كما لا يخفى، ماضي الاستشراق غير مشَرِّف ومليء بالحقد وسوء النية والاستعلاء على خلق الله. لدى الاستشراق سوابق عدلية في التزوير والتزييف. فلا ثقة في مثل هؤلاء المستشرقين الذين أبانوا عن كعب عال وباع في عدم مهنيتهم وعن نيتهم المُبَيّتة للنيل من كتاب الله ومن المؤمنين. لكن في إستانبول، تركيا، توجد نسخة مُنقَّطة ومُشكَّلة من نسخ المصحف التي تعود إلى زمان الخليفة الثالث عثمان بن عفان. إنها نسخة أصلية من ضمن النسخ التي نسخت عن النسخة الإمام المنقطة والمشكلة بيد نبي الله محمد. كانت قد وزعت تلك النسخ على جميع الأقطار والأمصار في أيام خلافته. استقرت نسخة منها في تركيا. خلاصة الأمر هو أن رسول الله كان يقرأ ويكتب وهو من خط ما أُوحي إليه بيده في مخطوطة واحدة. النسخة هذه هي التي كانت النسخة الإمام، أي الأصل، التي نسخت عنها، في زمانه وفيما بعد، المصاحف جيلا عن جيل. “وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)” (الإسراء 106:17). “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)” (القيامة 16:75-19). The post أُمِّية الرسول appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
دراسة تكشف أسرار العودة القوية للعدالة والتنمية إلى البرلمان
لم تكن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتع…











