“إصابة عمل صامتة” .. حين يتحول غياب التقدير إلى أخطار نفسية

مع اعتماد شعار “لنعمل معًا من أجل ضمان بيئة عمل نفسية واجتماعية صحية” تخليدًا لليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل، الموافق لـ28 أبريل من كل سنة، يتعزز النقاش حول التحول في مقاربة مفهوم السلامة داخل بيئات العمل، حيث لم يعد الاهتمام مقتصرًا على الوقاية من المخاطر الجسدية، بل اتسع ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية بما لها من تأثير مباشر في توازن الأفراد وجودة أدائهم.
السلامة النفسية
إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال: “حين نرتدي بزة العمل كل صباح، نحن لا نحمل معنا مهاراتنا التقنية فحسب، بل نجرّ خلفنا تاريخًا طويلاً من الحاجات النفسية، المخاوف، والتوقعات”، مضيفا أنه “في اليوم العالمي للسلامة والصحة في العمل لهذا العام، الذي يرفع شعار ‘لنعمل من أجل بيئة عمل نفسية واجتماعية صحية’، نجد أنفسنا أمام ضرورة ملحة لتجاوز المفهوم التقليدي للسلامة (الخوذة والحذاء الواقي) لنلامس ‘الجلد النفسي’ للعامل”.
ومن منطلق إكلينيكي، أكد الحسناوي أن “جودة بيئة العمل لا تقاس بغياب الحوادث الجسدية فقط، بل بمدى توفر الأمان السيكولوجي”، موضحا أن “هذا الأمان هو المساحة التي تسمح للفرد بأن يكوّن ‘ذاته’ دون خوف من التهميش أو العقاب النفسي”، موردا أن “المؤسسة التي لا تسمح لموظفيها بالخطأ، أو لا تعترف بلحظات ضعفهم، هي في الحقيقة مؤسسة تُنتج ‘أجسادا تعمل وعقولا تتآكل’، لذلك يُعتبر غياب التقدير والاعتراف، بمنظور علم النفس، بمثابة ‘إصابة عمل صامتة’ تؤدي إلى نزيف داخلي في دافع الفرد”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “ما نسميه ‘المخاطر النفسية والاجتماعية’ هو في جوهره اضطراب في العلاقة بين الأنا والبيئة، وعندما يتجاوز الضغط قدرة الجهاز النفسي على الاحتواء، يبدأ الإنسان بفقدان ‘المعنى’، وهنا يبرز دور الأخصائيين النفسيين؛ ليس فقط لعلاج ‘الاحتراق المهني’ بعد وقوعه، بل لتفكيك البنيات التنظيمية التي تخنق الإبداع وتولد القلق”، مشددا على أن “العمل يجب أن يكون فضاءً للتسامي (Sublimation)، حيث يحول الإنسان طاقاته إلى إنجاز، لا أن يتحول إلى فضاء للاستنزاف الوجداني”.
وقال إبراهيم الحسناوي: “إن شعار 2026 يدعونا للتركيز على الجانب الاجتماعي أيضًا، لأن الإنسان كائن علائقي بامتياز، والتفاعلات اليومية في العمل تشكل الوسط المغذّي للصحة العقلية، كما أن المناخ المشحون بالصراعات الصامتة أو المنافسة الشرسة يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، مما يؤدي على المدى الطويل إلى أمراض سيكوسوماتية واضطرابات في المزاج”، منبهًا إلى أن “البيئة الصحية هي تلك التي تستثمر في الذكاء الوجداني وتعيد الاعتبار للإنصات كأداة وقائية لا تقل أهمية عن الفحص الطبي الدوري”.
وشدد الأخصائي النفسي الإكلينيكي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن “إصلاح بيئة العمل يبدأ من الاعتراف بأن العامل هو قبل كل شيء ذات إنسانية تمتلك عالما داخليا ثريا ومعقدا، وحماية هذه الذات من التشظي تحت وطأة الإنتاجية العمياء هي المعركة الحقيقية لعام 2026”.
وختم إبراهيم الحسناوي توضيحاته قائلا: “بصفتي ممارسا في الحقل الإكلينيكي، أؤكد أن المؤسسة التي تضع الصحة النفسية في صلب استراتيجيتها، لا تحمي موظفيها فقط، بل تحمي ‘روحها’ من التآكل، لأن السلامة الحقيقية تبدأ من الداخل، أي من طمأنينة الروح قبل سلامة الجسد”.
“جسدية ونفسية”
أكّدت ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، ضرورة “توسيع فهم مفهوم السلامة داخل فضاءات العمل، وعدم اختزاله فقط في معدات الوقاية الجسدية كالخوذة، والقفازات، والحذاء الواقي، وإجراءات الحماية من الحوادث”، مضيفة أن “هذه التدابير، رغم أهميتها، تمثل بعدًا واحدًا من السلامة، بينما يظل بُعد آخر لا يقل أهمية كثيرًا ما يتم إغفاله، والمتمثل في السلامة النفسية للعامل”.
وأضافت المتحدثة ذاتها أن “العمل ليس مجرد مجهود جسدي، بل هو أيضا تجربة نفسية وانفعالية يومية، والعامل الذي يشتغل تحت ضغط مستمر، أو في بيئة يسودها الخوف، التهديد، الإهانة، التنمر، انعدام التقدير، أو القلق الدائم من الخطأ والعقاب، هو عامل معرض لنوع آخر من المخاطر قد لا تُرى بالعين، لكنها تترك آثارا عميقة على الصحة النفسية، وعلى جودة الأداء، وحتى على السلامة الجسدية نفسها”.
وأشارت الفضل، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “السلامة النفسية في بيئة العمل تعني أن يشعر العامل بالأمان النفسي، بأن يعبر عن رأيه دون خوف، يخطئ دون إذلال، يطلب المساعدة دون وصم، ويعمل داخل مناخ يسوده الاحترام والثقة والدعم. هي شعور الفرد بأن كرامته مصانة، وأنه ليس مهددا نفسيًا داخل فضاء عمله”.
وأكدت الأخصائية النفسية أن “التجارب أثبتت أن غياب السلامة النفسية يؤدي إلى ارتفاع التوتر المهني، والاحتراق النفسي، واضطرابات القلق، والاكتئاب، وتراجع التركيز، بل وحتى زيادة احتمالات الحوادث المهنية نفسها، لأن العامل المنهك نفسيًا أكثر عرضة للخطأ والحوادث”.
وأفادت المتحدثة ذاتها بأن الحديث اليوم عن الصحة والسلامة المهنية يجب أن يشمل أيضا “الوقاية من الضغوط المهنية المزمنة”، و”مكافحة العنف والتحرش والتنمر داخل أماكن العمل”، و”تعزيز بيئات عمل داعمة للصحة النفسية”، و”ترسيخ ثقافة الاعتراف بالمجهود والتقدير المهني”، و”إدماج الدعم النفسي ضمن سياسات الوقاية المهنية”، و”اعتبار الرفاه النفسي جزءًا من جودة العمل وليس ترفًا إضافيًا”.
وختمت ندى الفضل توضيحها بالتأكيد على أن “السلامة المهنية الحديثة لم تعد فقط حماية العامل من السقوط أو الإصابة، بل أيضًا حمايته من الإنهاك النفسي، والضغط الصامت، والضرر غير المرئي”، مضيفة أنه “في عالم العمل اليوم، لم يعد السؤال: هل العامل محمي جسديًا؟ فقط، بل أيضًا: هل يشعر بالأمان النفسي وهو يعمل؟ لأن بيئة العمل السليمة ليست فقط تلك التي تمنع الحوادث، بل تلك التي لا تصيب الإنسان من الداخل. وبالتالي، فإن الخوذة تحمي الرأس، لكن السلامة النفسية تحمي الإنسان كله”.
The post "إصابة عمل صامتة" .. حين يتحول غياب التقدير إلى أخطار نفسية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ملتقى الفلاحة يعزز السيادة الغذائية ويكرس موقع المغرب منصة دولية للقطاع
أكدت الدورة 18 من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب مكانة المملكة كفاعل رئيسي في قضايا الأمن …








