إعادة بناء الجامعة المغربية

التعليم العالي في المغرب: بين التيه وإمكانية الانبعاث، هل نملك الشجاعة لإعادة بناء الجامعة المغربية؟ بين الحكامة والهندسة واللغة والذكاء الاصطناعي: سبعة تحولات كبرى لإنقاذ التعليم العالي من الهامش إلى قلب السيادة الوطنية في عالم يُعاد فيه تشكيل موازين القوة على أساس المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، لم يعد التعليم العالي مجرد قطاع عمومي تقليدي يُعنى بتكوين الطلبة ومنح الشهادات. لقد أصبح أحد الأعمدة الاستراتيجية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ومؤشراً حقيقياً على قدرتها على حماية سيادتها، وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية، وصناعة نخبها، وتوجيه مستقبلها الحضاري. الدول التي أدركت مبكراً تحولات القرن الحادي والعشرين لم تعد تنظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية معزولة، بل باعتبارها العقل المنتج للأفكار، والحاضنة الطبيعية للبحث العلمي، والمختبر الذي تُصاغ فيه حلول المستقبل. كوريا الجنوبية، التي خرجت من الحرب مدمرة وفقيرة، لم تراهن على الموارد الطبيعية، بل راهنت على الإنسان والمعرفة، فكانت جامعاتها جزءاً من مشروعها الصناعي والتكنولوجي. سنغافورة، الدولة الصغيرة مساحةً، أدركت مبكراً أن رأس مالها الحقيقي هو العقل البشري، فربطت جامعاتها مباشرة باستراتيجيتها الاقتصادية. والصين، التي تحولت في بضع عقود إلى قوة تكنولوجية عالمية، لم تعتبر الجامعة قطاعاً إدارياً، بل ذراعاً استراتيجياً للدولة في معركة السيادة التكنولوجية. أما في المغرب، فقد حان الوقت لطرح السؤال الحقيقي دون مواربة: هل ما يزال التعليم العالي يُدار بوصفه قضية استراتيجية للدولة، أم أنه أصبح مجرد ملف إداري ضمن ملفات القطاع العام؟ الحقيقة المؤلمة التي ينبغي الاعتراف بها بكل شجاعة هي أن الجامعة المغربية تعيش منذ زمن حالة من “التيه الاستراتيجي”. ليست الأزمة فقط في ضعف الميزانيات أو محدودية البنية التحتية أو تعقيد المساطر الإدارية، بل هي أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة رؤية، ونموذج، وموقع داخل المشروع الوطني. لقد راكمنا إصلاحات جزئية، ومبادرات متفرقة، ونصوصاً تنظيمية متعددة، لكننا لم نحسم بعد السؤال الجوهري: ما هو النموذج الجامعي الذي يحتاجه المغرب في القرن الحادي والعشرين؟ وهذا بالضبط ما أشار إليه جميع المفكرين المغاربة، وعلى رأسهم المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، الذي نبه إلى أن النهضة لا تتحقق باستعارة أجوبة الآخرين، بل ببناء أسئلتنا نحن، انطلاقاً من واقعنا وتاريخنا وخصوصيتنا، مع انفتاح عقلاني على التجارب الإنسانية. وهذه الفكرة لا تنطبق فقط على الفكر والثقافة، بل على الجامعة أيضاً. وانطلاقاً من تجربتي كأستاذ باحث وممارس داخل الجامعة المغربية، أعتقد أن الحديث عن إصلاح التعليم العالي لم يعد يحتمل المقاربات الجزئية أو الحلول الترقيعية التجميلية؛ لأن الأزمة أعمق من أن تُختزل في تعديل برنامج، أو رفع ميزانية، أو تغيير مسطرة إدارية هنا أو هناك. نحن، في تقديري، أمام حاجة إلى مشروع إعادة تأسيس حقيقي، يقوم على سبعة تحولات كبرى تشكل المداخل الاستراتيجية لانبعاث جامعة مغربية جديدة، قادرة على مواكبة تحديات القرن الحادي والعشرين، ومؤهلة لتكون رافعة للسيادة المعرفية، والتنمية الاقتصادية، وصناعة النخب الوطنية. لكن كل مشروع إصلاحي، مهما كانت جودة أفكاره، يظل حبراً على ورق إذا لم يُطرح السؤال الأكثر حسماً: من يقود الإصلاح؟ المستوى الأول: الحكامة: حيث يبدأ الإصلاح الحقيقي لا توجد جامعة قوية من دون حكامة قوية، ولا حكامة قوية من دون ثقة. والمشكلة في المغرب ليست فقط في غياب النصوص أو القوانين، بل في مستوى الثقة في عدالة المساطر وشفافيتها. فالجامعة، بحكم طبيعتها، فضاء يقوم على العقل النقدي والجدارة العلمية والاستقلال الفكري. وإذا ضعفت الثقة في عدالة الوصول إلى القيادة، فإن المؤسسة كلها تدخل في حالة إنهاك معنوي صامت، حيث تتراجع الحوافز، وتضعف روح المبادرة، ويتحول الإصلاح إلى خطاب شكلي. والواقع أشد إِنْبَاءً من الكتب، إن صح استعارة بيت الشاعر الكبير أبي تمام. حين ننظر إلى الجامعات الكبرى في العالم، نكتشف أن نجاحها لا يقوم فقط على جودة البحث أو حجم التمويل، بل على صلابة حكامتها. في الولايات المتحدة، لا يُنظر إلى رئيس الجامعة باعتباره مجرد مسؤول إداري، بل قائداً استراتيجياً لمؤسسة معرفية معقدة، يُختار عبر مسارات تنافسية دقيقة تشرف عليها لجان مستقلة. في ألمانيا، نجد توازناً بين الاستقلال الأكاديمي والحكامة المؤسسية. وفي كوريا الجنوبية وسنغافورة، ترتبط القيادة الجامعية مباشرة بالمشروع الوطني. أما المغرب، فلا يحتاج إلى استنساخ أي نموذج، بل إلى بناء نموذج مغربي أصيل، يقوم على فصل واضح للسلطات وتوازن في مراكز القرار وربط المسؤولية بالمحاسبة، كفعل وليس كشعار فقط. واقتراحي هنا ليس ترفاً تنظيرياً، بل هندسة بسيطة وواضحة: مجلس وطني مستقل لحكامة التعليم العالي والبحث والابتكار، يضع القواعد العامة، ويدير سجلاً وطنياً للخبراء، ويراقب نزاهة المساطر؛ وداخل كل جامعة، مجلس توجيه استراتيجي حقيقي يربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والثقافي والمجتمعي، مقابل مجلس أكاديمي/علمي يحمي القرار البيداغوجي والبحثي من أن يُبتلع إدارياً. هذه الطبقات لا تعني تضخيم الهياكل، بل توزيع السلطة وتوضيح المسؤولية. أما اختيار رئيس الجامعة نفسه، فيجب أن يتحول إلى مسار من مرحلتين. المرحلة الأولى: انتقاء موضوعي مبني على ملف المترشح، وسيرته العلمية، وخبرته التدبيرية، ومشروعه الجامعي، ومؤشرات أدائه. وهنا يمكن للمغرب أن يبتكر دون تهور: منصة وطنية للدعم في اتخاذ القرار بالذكاء الاصطناعي، لا لتحل محل الإنسان، بل لتقوم بفرز أولي قابل للتدقيق، يحد من الاعتباط، ويكشف التباينات، ويقارن المشاريع على أساس شبكة معلنة. والمرحلة الثانية: عروض علنية ومقابلات أمام لجنة خبراء مستقلة تُسحب أسماؤها رقمياً بطريقة مؤتمتة من السجل الوطني للخبراء، ثم يُتخذ القرار على أساس تقرير معلل، ويُوقَّع مع الرئيس عقد أهداف منشور للرأي العام الجامعي، مع تقييم نصف مرحلي ونهائي. الذكاء الاصطناعي هنا ليس حاكماً خفياً؛ هو أداة قرار مساعدة، بينما يبقى القرار النهائي بشرياً ومؤسساتياً ومسؤولاً. لكن كل هذا لن يكون كافياً إذا ظل الشكل المؤسسي نفسه يعيد إنتاج الاختلالات. المستوى الثاني: إعادة بناء الجامعة… حين يصبح الشكل المؤسسي جزءاً من الأزمة إذا كانت الحكامة تحدد من يقود المؤسسة الجامعية وكيف يُتخذ القرار داخلها، فإن السؤال التالي لا يقل أهمية: ما طبيعة المؤسسة نفسها؟ وهل النموذج الجامعي المغربي الحالي، كما تشكل تاريخياً وتطور عبر تراكمات متتالية، ما يزال قادراً فعلاً على مواكبة تحديات القرن الحادي والعشرين؟ هذا سؤال جوهري؛ لأن جزءاً مهماً من أزمات التعليم العالي لا يرتبط فقط بكيفية التدبير، بل بطبيعة البنية المؤسسية ذاتها. فليس كل خلل ناتجاً عن سوء إدارة؛ أحياناً يكون الشكل نفسه قد بلغ حدوده الموضوعية، ويصبح جزءاً من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل. لقد جاءت بعض الخيارات البنيوية التي اعتمدها المغرب في مراحل مختلفة استجابة لسياقات تاريخية معينة، وربما كانت مبررة في زمنها، لكن الزمن المؤسسي ليس ثابتاً، وما كان مناسباً في مرحلة ما قد يصبح عبئاً في مرحلة أخرى إذا لم يخضع للتقييم والمراجعة. ومن أبرز هذه الاختيارات سياسة دمج الجامعات وتوسيعها بشكل أفقي واسع، على أمل خلق مؤسسات ذات كتلة حرجة قادرة على تعزيز الحضور العلمي، وتحسين النجاعة، وتقوية التموقع الدولي. غير أن الواقع كشف أن تضخم الحجم لا يعني بالضرورة ارتفاع الجودة، وأن توسيع البنية المؤسسية دون إعادة هندسة عميقة للحكامة ينتج كيانات يصعب تدبيرها أكثر مما ينتج جامعات قوية. كما أن الجامعات المترامية الأطراف جغرافياً، الممتدة عبر مدن متعددة، تطرح تحديات حقيقية في الحكامة، والهوية المؤسسية، والفعالية التدبيرية. فمن الصعب أن نطالب رئيس جامعة بأن يكون قائداً استراتيجياً، بينما يُستنزف جزء كبير من طاقته في تدبير المسافات، والتنسيق بين وحدات متباعدة، وحل إشكالات يومية ذات طابع تشغيلي. ثم إن المنظومة الجامعية المغربية ما تزال تعاني من نوع من التشتت البنيوي الموروث، خاصة في بعض التكوينات الاستراتيجية مثل تكوين المهندسين، حيث تتوزع المؤسسات بين وصايات مختلفة، ومقاربات متباينة، ونماذج تنظيمية غير مندمجة، حيث كل قطاع يدلو بدلوه في مجال التعليم. وقد يكون لهذا الوضع تفسير تاريخي مفهوم، لكنه لم يعد ينسجم مع الحاجة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للمعرفة والابتكار والتكوين. ولا يمكن هنا تجاهل قضية العدالة المجالية، التي تمثل أحد الأسئلة الصامتة في التعليم العالي المغربي. فكيف يمكن لبلد بحجم المغرب (يناهز 40 مليون نسمة)، بطموحاته التنموية، وبامتداده الترابي، أن يظل معتمداً على عدد محدود نسبياً من الجامعات العمومية (فقط 12 مؤسسة)، بينما تتزايد الفوارق المجالية في الولوج إلى التكوينات النوعية، ويتوسع القطاع الخاص بوتيرة متسارعة؟ إن إعادة التفكير في الهندسة الجامعية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية. إن ما يحتاجه المغرب اليوم هو إعادة بناء جذرية للهندسة الجامعية، يمكن تصورها في خمس عائلات كبرى: الأولى: جامعات علوم المهندس والتكنولوجيا، في فضاء موحد مرتبط بالصناعة والابتكار، يضم مدارس المهندسين، والمعاهد التقنية، وكليات العلوم، وكليات العلوم والتقنيات، مع القطع مع جميع الوصايات. كذلك يجب إعادة النظر في نظام الأقسام التحضيرية التي كان لها منطقها في سياق تاريخي معين، لكنها لم تعد الخيار الوحيد الممكن. الثانية: تتمثل في جامعات علوم الصحة، التي تضم الطب، والصيدلة، وطب الأسنان، وعلوم البيولوجيا، ومدارس ومعاهد مهن الصحة، في إطار منظومة صحية أكاديمية متكاملة تستجيب للتحولات العميقة التي يعرفها القطاع الصحي. الثالثة: فتتمثل في جامعات العلوم الإنسانية والقانونية والاقتصادية، التي ينبغي ألا تبقى مجرد فضاءات لتلقين المعارف الكلاسيكية، بل أن تتحول إلى مراكز حقيقية للفكر الاستراتيجي، والتحليل المجتمعي، ودعم القرار العمومي، والدراسات المستقبلية، والحوكمة، والسياسات العمومية. الرابعة: هي جامعات التعليم العتيق والعلوم الشرعية والحضارية، بما يسمح بإعادة بناء فضاء معرفي يستثمر العمق الحضاري المغربي، ويؤطر التكوين في هذا المجال ضمن رؤية أكاديمية حديثة ومنفتحة ومسؤولة. الخامسة: الجامعة المغربية الهجينة الذكية، كنموذج جديد يجمع بين الحضور الذكي والتعليم الرقمي عالي الجودة والذكاء الاصطناعي. إن هذا التصنيف ليس مجرد تمرين تنظيمي، بل يحمل فلسفة أعمق تتعلق بتحسين الحكامة نفسها. فحين تصبح لكل جامعة هوية واضحة، ومجال تخصص متجانس، ولغة مؤسسية أكثر انسجاماً، ومشاكل وتحديات مشتركة، يصبح القرار أكثر عقلانية، والقيادة أكثر وضوحاً، والحكامة أكثر فعالية. لكن حتى أفضل النماذج المؤسسية ستظل محدودة الأثر إذا لم نُعد الاعتبار للفاعل المركزي في الجامعة: الأستاذ الباحث، وللرأسمال المعرفي الذي ينبغي أن يتراكم بدل أن يتبخر. المستوى الثالث: الرأسمال البشري والتراكم المعرفي لكن حتى أفضل النماذج المؤسسية تظل فارغة إذا لم يُوضع الرأسمال البشري في قلب المشروع. من أخطر أعطاب التعليم العالي المغربي غياب منطق التراكم المعرفي المؤسسي. كم من أستاذ باحث قضى عقوداً في التدريس والبحث والتأطير، ثم غادر إلى التقاعد حاملاً كنزاً معرفياً هائلاً، دون أن تتحول خبرته إلى ذاكرة جماعية؟ وكم من جيل يعيد بناء المادة من الصفر، وكأن المؤسسة بلا ذاكرة؟ في الجامعات الكبرى، لا يُنظر إلى الأستاذ فقط باعتباره ناقلاً للمعرفة أو منتجاً فردياً للأبحاث، بل باعتباره جزءاً من بنية معرفية أوسع، يُفترض أن يترك فيها أثراً منظماً ومستداماً. فالمؤسسات القوية لا تعيش على كفاءة أفرادها فقط، بل على قدرتها على تحويل هذه الكفاءة إلى رأسمال جماعي. في هذا الصدد، أقترح ثلاثة تدابير متكاملة: أولاً، مسار تأهيل إلزامي خلال سنوات التدريب للأساتذة الجدد في البيداغوجيا الجامعية، والإشراف، والتقييم، والتكنولوجيا التعليمية، والملكية الفكرية، وإدارة المشاريع البحثية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. ثانياً، ربط بعض مراحل الترقية الأكاديمية المتقدمة بإنتاج أثر مرجعي: مؤلف علمي وآخر بيداغوجي، مع حزمة موارد تعليمية موثقة، أو دليل مختبر/حقيبة منهجية تُودع كلها في مكتبة وطنية جامعية رقمية مفتوحة يستفيد منها كل الأساتذة. وثالثاً، منطق الانتماء العلمي للتخصص قبل الانغلاق الإداري للمؤسسة، حيث يُوظف الأستاذ داخل شعبة تخصصه ومؤسسة انتمائه العلمي، مع السماح بحركية مقننة للأساتذة بين المؤسسات المتقاربة جغرافياً داخل التخصص نفسه. الجامعة القوية ليست التي تملك أسماء كبيرة فقط، بل التي تعرف كيف توظف الكفاءات وتحفظ أثرها وتوزعه وتحسنه. لكن المعرفة نفسها لا تعيش في فراغ. فهي تُنتَج، وتُنقَل، وتُفكَّر داخل لغة. ومن هنا يفرض سؤال اللغة نفسه بوصفه أحد أعقد وأعمق أسئلة التعليم العالي. المستوى الرابع: اللغة والسيادة المعرفية لا يثير ملف في المغرب من الجدل مثل ملف اللغة، لكن النقاش الحقيقي ينبغي أن يكون أعمق من مجرد الاختيار بين لغة وأخرى. فاللغة ليست فقط أداة للتواصل، بل بنية تفكير، وهوية ثقافية، وأداة سيادة معرفية. لا يمكن إنكار أن الإنجليزية أصبحت اللغة العالمية الأولى للعلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقياً أن تتجه التكوينات العلمية والتكنولوجية تدريجياً نحو الإنجليزية، شريطة أن يتم هذا الانتقال بعقلانية وتدرج، وليس بمنطق الصدمة. لكن الخطأ سيكون في الانتقال من تبعية لغوية إلى تبعية أخرى. فالدول التي نجحت علمياً لم تنهض لأنها تخلت عن لغاتها الوطنية، بل لأنها جمعت بين الانفتاح والسيادة. اليابان، كوريا الجنوبية، الصين، وحتى تركيا، لم تبن قدراتها العلمية باستبدال لغتها، بل بإحكام المزج بين لغة السيادة الداخلية ولغات التداول الخارجي. ولهذا، ينبغي أن يكون الانتقال نحو الإنجليزية في المجالات العلمية جزءاً من مشروع أوسع للسيادة المعرفية، يقوم على إطلاق مشروع وطني (ويفضل أن يكون عربياً مشتركاً) لترجمة العلوم والتكنولوجيا إلى العربية، مستفيداً من الإمكانات الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في الترجمة ومعالجة اللغة الطبيعية. إن ما كان يتطلب عقوداً ومؤسسات ضخمة أصبح اليوم أكثر قابلية للتحقيق. هذه لحظة تاريخية مختلفة، ويجب ألا تفوتنا. إذا لم تتحول العربية إلى لغة نُعيد بها امتلاك المعرفة، فسنظل نستهلك العلم أكثر مما نملكه. هذا الوضع لا يمكن فصله عما أشار إليه المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، الذي اعتبر أن أحد أعطاب الفكر العربي يكمن في القطيعة بين العقل المنتج للمعرفة والواقع الاجتماعي والثقافي. فاللغة، في تصور الجابري، ليست مجرد أداة، بل هي جزء من بنية العقل ذاته. وعندما يتم إنتاج المعرفة بلغة، واستهلاكها بلغة أخرى، ينشأ نوع من الانفصام المعرفي، يضعف القدرة على الإبداع، ويحول الجامعة إلى فضاء لإعادة إنتاج المعرفة بدل إنتاجها. إن الحديث عن اللغة في التعليم العالي يجب أن يخرج من منطق الصراع الرمزي والعاطفي إلى منطق براغماتي مبني على المصلحة والتخطيط الاستراتيجي. لكن حتى لو نجحنا في بناء معادلة لغوية أكثر اتزاناً، فإن السؤال التالي يظل أكثر حسماً: ماذا ننتج بهذه المعرفة؟ وهل البحث العلمي في المغرب يؤدي فعلاً الدور الذي يفترض أن يؤديه في خدمة الدولة والمجتمع والاقتصاد؟ المستوى الخامس: البحث العلمي من التراكم الأكاديمي إلى السيادة الاقتصادية إذا كانت الجامعة هي عقل الدولة، فإن البحث العلمي هو أداة هذا العقل في فهم الواقع وتغييره. لكن السؤال الجريء هو: هل البحث العلمي المغربي يخدم فعلاً الأولويات الوطنية؟ الدول الكبرى لا تستثمر في البحث العلمي كترف أكاديمي، بل كأداة سيادة. الولايات المتحدة تستثمر في الذكاء الاصطناعي لبناء تفوق استراتيجي، والصين تستثمر في أشباه الموصلات لتحقيق الاستقلال التكنولوجي. بالمقابل، ما يزال جزء كبير من بحثنا الأكاديمي معزولاً عن الاقتصاد الوطني، في بلد يعاني من عجز تجاري بنيوي تجاوز 353 مليار درهم حسب آخر الإحصائيات. النقاش هنا ليس نفعيّاً ساذجاً ضد البحث الأساسي، بل نقاش في توازن السياسة العلمية: كم ننفق، وعلى ماذا، وبأي علاقة مع الدولة والاقتصاد والمجتمع؟ الأهم من عدد المقالات المنشورة أن نسأل: ماذا تُقلّص من التبعية؟ ماذا تحل من مشكلة مائية أو غذائية أو صحية أو رقمية؟ ماذا تضيف إلى الصناعة الوطنية؟ ماذا تمنح القرار العمومي من معرفة قابلة للاستخدام؟ فمن الضروري إعداد لائحة وطنية شاملة للمواد والمنتجات المستوردة، خاصة تلك التي تمثل عبئًا كبيرًا على الميزان التجاري، سواء في مجالات الطاقة أو الصناعة أو التكنولوجيا أو الصحة. هذه اللائحة يجب أن تتحول إلى أداة لتوجيه برامج البحث والتطوير نحو إنتاج بدائل محلية ولو بتكلفة أكبر من استيرادها بقليل؛ لأن ذلك يدخل في إطار السيادة الوطنية وتقليص الاعتماد على الخارج، وهو من ركائز الدولة الاجتماعية الحامية. اقتراحي هنا مزدوج. أولاً: أجندة وطنية للبحث والابتكار تُعلن بوضوح لخمس إلى عشر سنوات، وتُبنى أساساً على لائحة الواردات والأولويات مثل: الماء، والأمن الغذائي، والصحة والسيادة الدوائية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة والطاقات المتجددة، والصناعة المتقدمة وسلاسل القيمة، والزراعة الذكية، والبنيات التحتية الرقمية العمومية، والمواد والتصنيع عالي القيمة. وثانياً: مرصد وطني للمهارات والابتكار، يجمع بين بيانات سوق الشغل، ومسارات الخريجين، وتوقعات القطاعات، واحتياجات الجهات، وأداء البرامج الجامعية، ليصبح الاعتماد والتمويل وفتح المسالك وإغلاقها قرارات مبنية على بيانات، لا على حدس أو توازنات مؤقتة. فالجامعة الحديثة لا تُدرِّس فقط؛ إنها تقرأ الاقتصاد قبل أن يستدير، وتساعد الدولة على أن تتنبأ بدل أن تتأخر. كما أن العلاقة بين الجامعة والاقتصاد الوطني ينبغي أن تنتقل من منطق الاتصال العرضي إلى منطق الشراكة البنيوية. فالجامعة لا ينبغي أن تكون فضاءً منفصلاً عن الصناعة، ولا عن المقاولة، ولا عن الابتكار، ولا عن القرار العمومي. ثم إن سؤال البحث العلمي يقودنا مباشرة إلى سؤال التمويل. المستوى السادس: التمويل… حين يصبح الاستثمار في الجامعة استثماراً في مستقبل الدولة لا يمكن الحديث عن كل هذا بمعزل عن سؤال التمويل. صحيح أن نسبة الإنفاق الوطني على البحث العلمي لا تزال تدور حول 0.8% من الناتج الداخلي الخام، والطموح الوطني الحقيقي يقتضي رفعها تدريجياً إلى 2% على الأقل. لكن القضية ليست أرقاماً فقط، بل فلسفة دولة. الجامعة ليست عبئاً مالياً، بل استثماراً استراتيجياً في الرأسمال البشري والسيادة التكنولوجية. من هنا، يجب تنويع مصادر التمويل، فإذا كنا نعتبر التعليم العالي أولوية وطنية حقيقية، فإن النقاش يجب أن يتجاوز حدود القطاع نفسه ليشمل خيارات الدولة الاقتصادية الكبرى. من هذا المنطلق، يجب تعزيز العدالة الجبائية ومحاربة التهرب الضريبي لإيجاد هوامش مالية جديدة، كما يجب إيجاد حلول مبتكرة لإدماج جزء من الاقتصاد غير المهيكل في الدورة الاقتصادية الرسمية. وكذلك يمكن تفعيل مؤسسة الوقف الجامعي بصيغ حديثة، وبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، وتطوير قدرات الجامعات على خلق القيمة عبر الابتكار وبراءات الاختراع والخدمات الاستشارية، وخلق شركات ناشئة، وتأطير تكوينات مستمرة عالية القيمة. كما يجب التفكير في نظام وطني للقروض الطلابية الذكية، بفوائد رمزية، وسداد مرتبط بالدخل، وإمكانية إعفاء جزئي في التخصصات الاستراتيجية، لضمان ألا يكون الوضع الاجتماعي عائقاً أمام طموح أي طالب متفوق. لكن حتى أفضل النماذج التمويلية ستظل محدودة إذا ظلت الجامعة نفسها تُدار بأدوات القرن الماضي. المستوى السابع: الجامعة الذكية من الإدارة الورقية إلى المؤسسة الرقمية أخيراً، لا يمكن بناء جامعة المستقبل بأدوات الأمس. ما تزال أجزاء واسعة من منظومتنا الجامعية تشتغل بثقافة إدارية تقليدية، قائمة على التشتت المعلوماتي، والوثائق الورقية، والإجراءات اليدوية، والقرارات الحدسية. التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل شرط وجود وبقاء. الجامعة الذكية ليست تلك التي تضع بعض الخدمات على منصة إلكترونية، بل تلك التي تعيد بناء منطق اشتغالها بالكامل حول المعرفة، والبيانات، والتكامل، والذكاء. وفي المغرب، ما يزال جزء مهم من المنظومة الجامعية يشتغل بمنطق إداري تقليدي يستهلك الزمن والجهد والطاقة في عمليات يمكن أن تُدار بكفاءة أعلى بكثير. نحن بحاجة إلى نظام معلومات جامعي مترابط ومتكامل، يربط بين الإدارة والطلبة والموارد البشرية والبحث والبيداغوجيا والتمويل، في بيئة موحدة تسمح بتتبع الأداء واتخاذ القرار بناءً على المعطيات الحقيقية ومعتمدة على لوحات قيادة استراتيجية مبنية على مؤشرات. لذلك يجب الاستثمار في مراكز بيانات، وحوسبة عالية الأداء، وسحابة جامعية وطنية، خصوصاً داخل جامعات علوم المهندس والتكنولوجيا، حيث لا يمكن الحديث بجدية عن تكوين كفاءات في الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني بينما البنية الحاسوبية نفسها محدودة أو متقادمة. الخاتمة: من إدارة الأزمة إلى بناء المشروع هنا ينتهي المقال، لكن هنا يبدأ القرار. فالمغرب ليس بلداً فقيراً إلى الأفكار في هذا الملف، ولا إلى الكفاءات، ولا حتى إلى بعض اللبنات المؤسسية التي بدأت تظهر في الوثائق الرسمية. ما ينقصه، على الأرجح، هو أن ينتقل من إدارة أزمة الجامعة إلى بناء مشروع الجامعة. والفرق بينهما هائل: إدارة الأزمة تُهدّئ الاكتظاظ، وتصلح المساطر، وتعيد توزيع المقاعد، لكن تصبح الجامعة تستهلك المعرفة أكثر مما تنتجها. أما بناء المشروع فيسأل: أي دولة نريد أن نصنع عبر جامعاتنا؟ إذا اكتفينا بالجامعة التي تُسيّر الطلب الاجتماعي على الشهادات، فسنحصل على مزيد من الشهادات ومزيد من القلق الاجتماعي في آن واحد ومزيد من التيه. وإذا أردنا الجامعة التي تُنتج السيادة، فعلينا أن نقبل بالمراجعة العميقة: في الحكامة، وفي الخريطة المؤسسية، وفي مهنة الأستاذ، وفي اللغة، وفي معنى البحث، وفي مصادر التمويل، وفي بنية القرار الرقمي. هذا ليس إصلاحاً قطاعياً؛ هذا تعريف جديد لوظيفة الدولة. إن السؤال لم يعد: هل نملك الموارد؟ فالموارد تُبنى. ولم يعد: هل نملك الكفاءات؟ فالكفاءات موجودة. السؤال الحقيقي هو: هل نملك طموحاً جماعياً وإرادة سياسية وبوصلة استراتيجية لبناء جامعة مغربية جديدة؟ جامعة تُفكر بلغتها، وتنفتح على العالم، وتنتج المعرفة، وتخدم اقتصادها، وتحمي سيادتها، وتُعيد للمجتمع ثقته في مؤسساته. وكما قال المتنبي: “إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ … فَلا تَقنَعْ بما دونَ النُّجومِ” -أستاذ التعليم العالي بالمدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية وتحليل النظم، جامعة محمد الخامس بالرباط The post إعادة بناء الجامعة المغربية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
في يومه العالمي.. كيف تحول الشاي من هدية ملكية إلى نبض الهوية المغربية؟
في الـ21 من شهر ماي، يحتفي العالم باليوم العالمي للشاي، وهي مناسبة تأخذ في المغرب طابعاً ا…





