إفريقيا المعاصرة صناعة إستعمارية: حدود مصطنعة، قوانين مستوردة ودول “فاشلة”

إفريقيا المعاصرة صناعة إستعمارية: حدود مصطنعة، قوانين مستوردة ودول “فاشلة” هوية بريس – ذ. محمد بادرة تقدم الكثير من الدراسات التاريخية والأكاديمية صورة عن نظام الدولة الجديدة في افريقيا ..عن هياكلها الإقتصادية والسياسية والثقافية التي ورثتها الدول الإفريقية عن الحقبة الإستعمارية وهي هياكل وأنظمة غير إفريقية في جذورها وإنما هي نتاج الإستعمار الأوربي تم تصميمها وتسويقها لخدمة المصالح الإستعمارية والتي لا تزال تحافظ على أهدافها حتى اليوم، أما فترة ما قبل الإستعمار فكانت الكثير من الدول والممالك الإفريقية موحدة تاريخا وثقافة ودينا وجغرافية وجرى تفتيتها وتقسيمها وإبادة أنظمتها الثقافية والمعرفية المحلية لأجل رسم حدود اصطناعية دون مراعاة للروابط التاريخية والثقافية والدينية والعرقية والقبلية للشعوب الإفريقية. بلاد الصومال تعرضت للتقسيم الإستعماري بعد أن كانت مجتمعا واحدا يشترك في وحدة اللغة والدين والثقافة فقسمها الإستعمار إلى كيانات ودول منها جيبوتي – صوماليلاند – اقليم (أوغدين) الذي ضم إلى اثيوبيا وأجزاء أخرى الى كينيا.. سلطنة زنجبار (تنزانيا حاليا) قامت المانيا وبريطانيا بتقسيم أراضيها عبر معاهدات واتفاقيات استعمارية. مملكة (الكونغو القديمة) وكانت تضم شعوبا ذات ثقافة متجانسة (شعب الباكونغو) لكن مزقها الإستعمار إلى أشلاء وقسمها بين ثلاث قوى استعمارية أوربية لتتحول اليوم الى جمهورية الكونغو الديموقراطية (مستعمرة بلجيكية) وجمهورية الكونغو(مستعمرة فرنسية) وأنغولا(مستعمرة برتغالية). شعب اليوروبا والهوسا قسمت مناطقهم التاريخية الموحدة الى دول مثل نيجيريا (مستعمرة بريطانية) وبنين(مستعمرة فرنسية ) والنيجر. المغرب لم يسلم من تآمر القوى الإستعمارية (الفرنسية والإسبانية) ولمخططاتهما التقسيمية والتفكيكية.. في 27 يونيو 1900 وقعت فرنسا وإسبانيا معاهدة أولى في باريس تحدد المستعمرات الفرنسية والإسبانية على طول السواحل المغربية الى ساحل غينيا الإستوائية مع فصل شمال المغرب عن جنوبه وفي 03 أكتوبر1904 وقعت فرنسا وإسبانيا معاهدة ثانية كان الهدف منها الحصول على تأييد اسبانيا للإعلان الفرنسي البريطاني في 4 أبريل من نفس العام وذلك مقابل اعتراف فرنسا لإسبانيا بنفوذها في شمال المغرب وفي 27 نوفمبر 1912وقعت فرنسا وإسبانيا معاهدة في مدريد تؤكد حدود مناطق نفود كلا الدولتين الإستعماريتين في إفريقيا. لم يقتصر الإستعمار الأوربي على تفتيت الدول وتوليد دول أخرى جديدة بل سعى إلى إزاحة الأنظمة الإجتماعية والمعرفية المحلية واستبدالها بأنظمة مستوردة مما ترك القارة الإفريقية وأهلها على أرض معرفية هشة تجد فيها بصمات الإستعمار الأوربي بل مسّ التحريف حتى تلك الدول الإفريقية التي تنعت ب”الوطنية”و”القومية” التي ترفع شعار بناء أنظمة ديموقراطية على أنقاض بقايا النظام القبلي والممالكي القديم حيث تجد فيها تلاوين المستعمر وكأن الديموقراطية “المهداة” من المستعمر هي الدواء والبلسم الشافي لكل الأمراض الإجتماعية والسياسية في إفريقيا المعاصرة، أو كأن إفريقيا لم تعرف تأصل الديموقراطية في مجتمعاتها المحلية ولا وجود فيها لمبادئ الحرية والفردانية والتضامن والمساواة !! هذا يعني أن الغرب الإستعماري عمل على تسويق ثقافته وقيمه عبر آليات “الممارسة الديموقراطية الغربية” وما تستبطنه من سلوكات وقيم وثقافة سياسية غربية. قامت المؤسسات الإستعمارية في أفريقيا على تجفيف وإبادة ممارسات الشعوب الإفريقية حيث العديد من هذه المجتمعات الإفريقية الأصيلة كانت لديها طرائقها الخاصة لأداء أمور حياتها اليومية من إدارة الأسرة إلى تنسيق الحياة الإقتصادية والسياسية بل لا تزال بعض هذه المجتمعات الإفريقية تعمل كمجموعات عرقية يبني أعضاؤها هوياتهم على دلالات لغوية وثقافية مشتركة.. لكن بعد تفكيك نظام الحكم المحلي في أفريقيا من قبل الإستعمار أعيد تشكيل هذه المجتمعات التقليدية في أغلب الحالات على هيئة وحدات سياسية جديدة بتلوين غربي يفتقر الى أي مصدر للهوية. كان للمستعمر في إفريقيا مخططات معلنة وأخرى سرية لتحديد مناطق نفوذها وهكذا امتد النفوذ الفرنسي من تونس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا وصولا إلى مستعمراتها في بلدان أفريقيا الغربية وكان للمستعمر الإسباني نفس المطامع ومنها احتلاله للأقاليم والمدن والجزر في شمال المغرب وجنوبه وفي مناطق مختلفة من افريقيا كما وصل احتدام المنافسة بين القوى الإستعمارية إلى مواجهات عسكرية انتهى بعضها الى عقد معاهدات واتفاقيات لتقسم وتوزيع النفوذ بينها فأصبحت الحدود الجغرافية التي فرضها المستعمر لأسباب اقتصادية وسياسية اليوم حقيقة راسخة ومع مرور الوقت تحولت هذه الحدود الجغرافية المصطنعة الى حدود نفسية أيضا ومن ذلك الحين بدأ الناس الذين جرى تقسيمهم بموجب هذه الحدود المصطنعة الى دول مختلفة متصارعة ومتنافرة بعد أن كانوا من قبل يتشاركون في هوية عرقية واحدة.. واليوم يرون أنفسهم كأناس مختلفين: مثلا رغم اشتراك جنوب افريقيا في بعض المجموعات العرقية مع زيمبابوي وموزمبيق وناميبا المجاورة فإنها الآن تعتبر مواطني هذه الدول أجانب وغرباء ومجموعة (الهاوسا فولانيس) العرقية التي واصلت عبر دول إفريقيا في منطقة الساحل التاكيد على هويتها المشتركة بصرف النظر عن الحدود الوطنية أصبح هذا التماسك ذاته اليوم مصدرا للتوترات والصراعات والمواجهات المسلحة بفعل البنية السياسية والإقتصادية والثقافية التي وضعها الاستعمار. ولا يزال هذا التاكيد الذي دام طويلا على الحدود الإستعمارية على حساب الهويات القومية والعرقية الأصيلة قاعدة توجه السياسات والعلاقات الدولية حتى يومنا هذا وكثيرا ما تفكر وتعمل المؤسسات المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي والأمم المتحدة في إطار الحدود الإستعمارية الضيقة ويصدق نفس القول على المؤسسات والإدارات الإقتصادية والثقافية والتعليمية والجمركية: فكل القرارات والقوانين التي تستند على قاعدة “المصلحة الوطنية” تقوم ذاتها على الموروثات والأنظمة الإستعمارية (قوانين التحفيظ العقاري- قوانين التجارة- قوانين الشركات والمقاولات-..) كما أنه وعلى الرغم من الهوية العرقية المشتركة بين العديد من شعوب وقبائل الدول الإفريقية المجاورة فان الناطقين فيها باللغة الإنجليزية والناطقين باللغة الفرنسة أو الإسبانية أو البرتغالية في وسط وغرب إفريقيا يتصادمون ويتصارعون في كثير من الأحيان حول القضايا الإقتصادية والسياسية… وكل من يستكشف الأدبيات الأكاديمية اليوم سيجد مدى انتشار ما يسمى ب(الثقافة الوطنية) داخل هذه الدول الإفريقية وهي بالتالي تسلم بالحدود الإستعمارية كحقيقة مسلم بها وتميل هذه الدراسات الأكاديمية الى تناول إفريقيا من خلال مقاربات سياسية وانتروبولوجية يسميها عالما الإجتماع (اندرياس فيمر- ونينا جليك شيلر) ب”القومية المنهجية” ومفادها أن هذه الدول التي صنعتها القوة الإستعمارية هي عبارة عن وحدات طبيعية للدراسات المقارنة لا مجتمعات متماسكة وغالبا ما يتم تقييمها استنادا إلى معايير ثقافية أوربية وهو تصور مضلل وغير دقيق وحتى بعد مرور عقود من “الإستقلال” وبناء الدول القطرية الوطنية فشلت كل المشاريع الوطنية في افريقيا في التحرر والتخلص من الهياكل والقوانين الإستعمارية بسبب سيادة نظام الدولة المرتبط بالأمم المتحدة بعد عام 1945 وهيمنة اللغات والثقافات الأوربية والنظام الأخلاقي المرتكز حول أوربا الذي يغلب عليه الفكر العلماني والمسيحي والإعتماد على النظام القانوني الأوربي وهو ما يرسخ ويعزز نموذج الدولة التي فرضها المستعمر على المجتمعات الإفريقية وبالتالي تم وصف الدولة في إفريقيا المعاصرة بمصطلحات متعددة مثل(دول في مرحلة الولادة الدائمة) أو (دول فاشلة) ولكن إذا كانت هذه الدول الإفريقية لا تزال في مرحلىة الولادة الدائمة فمن الذي يعطل نموها؟ وإذا كانت تلك الدول توصف بالفشل فمن الذي خذلها ومن المستفيذ؟ افريقيا المعاصرة بحدودها الحالية وبدولها وأنظمتها هي نتاج لقرارات ومصالح القوى الإستعمارية الأوربية: – رسمت حدودها المصطنعة منذ مؤتمر برلين (1884-1914). – زرعت فيها نظمها الإقتصادية والثقافية والتربوية لاستدامة واستغلال ثرواتها ومواردها الطبيعية وليس لخدمة التنمية المحلية. – فرضت نظمها القانونية والإدارية كامتداد لنموذج الدول الإستعمارية الجديدة وليس تطوير المجتمعات الإفريقية. – فرضت اللغات الأوربية في الإدارة والتعليم والإعلام وصنعت نخبا إفريقية محلية متاُثرة بالثقافة الأوربية لتسهيل إدارة الحكم بطريقة غير مباشرة. فإذا كان الوجود الإستعماري المباشر في افريقيا المعاصرة قد انتهى في شكله العسكري المباشر لكن النفوذ والوجود الأوربي لا يزال مستمرا بأشكال غير مباشرة ويعرف باسم “الاستعمار الجديد” حيث النظم والقوانين هي آليات جديدة للتحكم والتوجيه والهيمنة …… فهل ستنجح القارة الافريقية من التحرر من إرث ونموذج الدولة الإستعمارية الجديدة؟ نتمنى … و(ما على العاجز إلا التمني) !!! The post إفريقيا المعاصرة صناعة إستعمارية: حدود مصطنعة، قوانين مستوردة ودول “فاشلة” appeared first on هوية بريس.
ماذا يجري مع منير الليموري داخل سجن أصيلة؟!
هوية بريس – متابعات أفادت صحيفة «The Objective» الإسبانية، في مقال نشرته اليوم الخميس 15 أ…










