إلى الأستاذ محمد عمورة.. في شأن الصهيونية، التطبيع والتنوير

إلى الأستاذ محمد عمورة.. في شأن الصهيونية، التطبيع والتنوير هوية بريس – عبد السلام المساتي الأستاذ العزيز محمد عمورة، حتى نناقش بهدوء وبلطف كما طلبت، حتى لا تصنفنا في خانة “المغاربة لي ممربينش”، مع العلم أن عزيز أخنوش سبق له أن أعاد تربيتنا كما وعدنا. قلت حتى نناقش بهدوء، دعني بداية أفهمك ما معنى الصهيونية التي وصفتها أنت بالحركة السياسية. الصهيونية، أستاذ محمد، لا يمكن فهمها من خلال تعريف نظري محايد يعزلها عن تاريخها وممارساتها على الأرض، فهي مشروع استيطاني توسعي، ارتبط منذ تجسيده في فلسطين بانتزاع الأرض من أصحابها، وتهجير السكان، وتوسيع المستوطنات، وفرض واقع سياسي وديمغرافي بالقوة، وصولا إلى مشاهد القتل والتدمير التي نشهدها اليوم بكثير من الأسف، وهو أسف تحاسبوننا عليه. سيدي، إن اختزال الصهيونية في كونها حركة سياسية يشبه تعريف الاستعمار باعتباره سياسة لإدارة الأراضي، مع إسقاط كل ما ارتكبه في حق الشعوب التي أخضعها. فالأفكار السياسية لا تفهم من الشعارات التي ترفعها، وإنما من طبيعة المشروع الذي تسعى إلى تحقيقه، والوسائل التي تعتمدها، والنتائج التي تتركها في حياة البشر. ثم إن هناك يهود يرفضون الصهيونية انطلاقا من مواقف دينية أو أخلاقية أو سياسية، وهناك إسرائيليون يعارضون الاحتلال والاستيطان والسياسات التي تنتهجها دولتهم ضد الفلسطينيين. فكيف تريدون منا نحن كمغاربة أن نصمت؟ العزيز عمورة، أما بخصوص التطبيع الذي قلت أن مهندسوه يفهون أكثر منا نحن عامة الشعب، فمن حق المغاربة رفضه، ومن حقهم أيضا انتقاد السياسة الخارجية لدولتهم ومساءلة اختياراتها وتقييم نتائجها. فالدولة ليست معصومة من الخطأ، والقرارات الدبلوماسية ليست نصوصا مقدسة يحرم الاقتراب منها بالنقد، والمواطنة لا تعني أن يتخلى الإنسان عن ضميره السياسي كلما اتخذت السلطة قرارا يخالف قناعاته. يمكن الاختلاف حول المصالح التي يحققها التطبيع، وحول حساباته الاستراتيجية، لكن لا يحق لأحد أن يصادر حق المغاربة في التعبير عن موقفهم، أو أن يحول اعتراضهم إلى دليل على سوء التربية أو ضعف الوعي. إن العلاقة بين الدولة والمجتمع لا تقوم على الطاعة الفكرية، وإنما على حق المواطنين في مساءلة اختيارات المؤسسات التي تتحدث باسمهم وتتصرف في القضايا التي تعنيهم. والقضية الفلسطينية، بالنظر إلى مكانتها في الوعي المغربي وتاريخ التضامن الشعبي معها، ليست شأنا بعيدا عن المغاربة حتى يطلب منهم الصمت بشأنها. من حق المواطن أن يرى في التطبيع خيارا سياسيا خاطئا، ومن حقه أن يدافع عن موقفه بالحجة، ومن حقه أن يطالب بمراجعة السياسات التي يعتقد أنها تتعارض مع قيم العدالة والحرية وحقوق الشعوب. أما مطالبة الناس بالهدوء، ثم تصنيفهم أخلاقيا بسبب مواقفهم، فذلك تناقض يفرغ الحوار من مضمونه. فالهدوء أسلوب في النقاش، وليس تنازلا عن المواقف، والاحترام المتبادل لا يعني أن يمنح أحدنا الآخر سلطة تحديد ما يجوز له التفكير فيه أو التعبير عنه. الأستاذ محمد، دعنا ننتقل للتنوير الذي جعلت الفايد رمزا له.. أعتقد أن المفهوم يحتاج إلى قدر من الدقة قبل أن يتحول إلى لافتة ترفع في مواجهة المجتمع. التنوير لم يكن في يعني الهجوم والتهجم على المختلف معنا. التنوير هو تحرير العقل من الوصاية، وإخضاع الأفكار والموروثات والمؤسسات للنقد. أما اتخاذ ضرب النصوص الدينية والسنة النبوية غاية في حد ذاته، أو التعامل مع الموروث بمنطق الهدم والتشهير، فلا يمنح صاحبه صفة المستنير. إن نقد الموروث حق فكري مشروع، لكن النقد يحتاج إلى معرفة بأدواته ومناهجه، وإلى استعداد لمناقشة الأدلة، لا إلى الاكتفاء بالاستفزاز أو تقديم الأحكام القطعية في مسائل شديدة التعقيد. ومن هذه الزاوية، لا أرى أن أحمد عصيد أو محمد الفايد يمثلان التنوير بالضرورة لمجرد اتخاذهما مواقف تصادمية مع التصورات الدينية السائدة. فالأسماء لا تمنح الأفكار شرعيتها، والاختلاف مع المعتقدات الشائعة لا يكفي وحده لإثبات امتلاك منهج عقلاني. حين يصبح الخطاب أسير الأحكام الجاهزة، ويستبدل المعرفة بالتبسيط، والحجة بالتشهير، والنقاش بإصدار الأحكام على عقول الناس، فإنه يساهم في نشر الجهل حتى وهو يرفع شعار العقل. فالتنوير لا يقاس بمدى قدرة صاحبه على استفزاز المجتمع، وإنما بقدرته على إنتاج معرفة دقيقة، وبناء حجة متماسكة، واحترام حق الآخرين في الاعتقاد والاختلاف، ومراجعة مواقفه حين تقتضي الأدلة ذلك. ولا معنى للحديث عن تحرير العقل إذا انتهينا إلى استبدال وصاية دينية بوصاية أيديولوجية، أو إلى تقسيم المجتمع بين فئة تدعي احتكار العقل وفئة يجري التعامل معها باعتبارها عاجزة عن التفكير. أستاذ محمد، إن جوهر الخلاف هنا لا يتعلق بمن يملك الحق في الكلام، وإنما بمدى استعدادنا للاعتراف بأن المجتمع المغربي يمتلك تعددا حقيقيا في مواقفه السياسية والفكرية، وأن هذا التعدد لا يمكن تدبيره بمنطق التصنيف الأخلاقي أو احتكار صفة التنوير. من حقك أن تدافع عن تصوراتك، وأن تنتقد مواقف مخالفيك، وأن تقدم تعريفك للصهيونية أو للتنوير، لكن من حق الآخرين أيضا أن يناقشوا تعريفاتك، وأن يرفضوا استنتاجاتك، وأن يضعوا مواقفك تحت مجهر النقد نفسه الذي تطالب بتوجيهه إلى غيرك. فالحوار الذي نريده لا يقوم على توزيع شهادات حسن السلوك على المتفقين معنا، ولا على نزعها من المختلفين عنا. إنه يقوم على الاعتراف بأن الحجة لا تكتسب قوتها من مكانة صاحبها، وأن الفكرة لا تصبح صحيحة لأن قائلها يقدم نفسه باعتباره ممثلا للعقل أو الحداثة. أما إعادة تربية المغاربة، فقد جربوا ما يكفي من الوصاية السياسية والأخلاقية حتى يدركوا أن أحدا لا يملك حق احتكار عقولهم أو تحديد المواقف التي ينبغي لهم تبنيها. The post إلى الأستاذ محمد عمورة.. في شأن الصهيونية، التطبيع والتنوير appeared first on هوية بريس.
مرصد يبرز التناقض في البرنامج الحكومي..وعود كبرى بدون أرقام تمويل
أثار تقديم البرنامج الحكومي للولاية التشريعية 2026-2031 أمام البرلمان يوم الإثنين 19 أكتوب…










