Home الصحافة المغربية إنتاج الخونة

إنتاج الخونة

إنتاج الخونة

إنتاج الخونة

هوية بريس – زوهير النبيه

كيف يمكن للفرد أن يخون الجماعة التي نشئ فيها؟ كيف يمكنه بيع تاريخ يمثل الركازة التي بنيت عليها ماهيته والتضحية بثقافة تشكل الإطار الذي تشكلت فيه هويته؟ ما الذي يدفع الأفراد لكي يصيروا خونة؟ أسئلة كثيرة ومعقدة تطرح علينا اليوم أكثر من أي وقت ونحن نفكر في سؤال خيانة الفرد للجماعة الاجتماعية وخيانة المجتمع وخيانة الوطن. هل الخيانة تصرف فردي تعود أسبابه لما هو نفسي أم أنها إنتاج اجتماعي يسهم المجتمع في إنتاجها؟

لإيجاد بعض عناصر إجابة عن هاته الأسئلة الشائكة، سنبدأ من قانون سوسيولوجي كلاسيكي مفاده أسبقية المجتمع على الفرد. بمعنى أن الأفراد عندما يأتون إلى العالم يجدون المجتمع قائما بكل مؤسساته ورموزه ومعاييره وقيمه. وبالتالي يتم تنشئتهم من خلال هذه المؤسسات والقيم والمعايير. ويركز هذا القانون على أن المجتمع يتمتع بضمير خاص، ضمير جمعي يقوم من خلال الوقائع الاجتماعية بإكراه الأفراد على السلوك بأشكال معينة، حيث تمثل الوقائع الاجتماعية طرائق (جمع طريقة) للتفكير والإحساس والفعل.

يقدم المجتمع أنماطا شبه جاهزة للتفكير والسلوك، يتمثلها الأفراد ويستدمجونها عبر سيرورة التنشئة الاجتماعية، لتتكون لذيهم نماذج واستعدادات للفعل. وكلما سهل المجتمع عمليات اندماج الأفراد كلما كان المجتمع مندمجا. وبالتالي فإن أي سلوك يشكل تهديدا لاندماج الأفراد في المجتمع وإنتاج مجتمع مندمج فهو نابع من المجتمع نفسه. والسؤال المطروح الآن هو: ما هو المجتمع المندمج وكيف يسهل المجتمع على الأفراد عمليات الاندماج؟

يقوم المجتمع المندمج على المشاركة حيث يتقاسم فيه الأفراد قيما مشتركة ويسهمون في عمليات إنتاج الثروة ويحصلون على نصيبهم منها، ويقوم كذلك على احترام المعايير الاجتماعية، وعلى الشعور بالانتماء إليه، كما أنه مجتمع يتميز بتماسك اجتماعي قوي. ويأتي الإحساس بالانتماء بشكل أوسع من وجود دعامتين أنثروبولوجيتين تحملان المجتمع هما الاعتراف والحماية. ويختلف منسوب اندماج المجتمع باختلاف قدرته على توفير هاتين الدعامتين.

ولندع قليلا المجتمع المندمج وننظر في الخيانة والفرد الخائن. لا تُفهم الخيانة فقط كفعل أخلاقي فردي، بل يمكن تحليلها كنتاج لبُنى اجتماعية وعلاقات قوة داخل المجتمع غالبا ما تكون غير متكافئة. والفرد الخائن هو بالضرورة نتاج لتجربة اجتماعية داخل مجتمع ينخفض فيه مستوى الاعتراف والحماية ويمجد ما هو خاص ويزدري ما هو عام. ويمكن تصنيف ظاهرة الخيانة ضمن الوقائع الاجتماعية المرضية التي تظهر في حالة الأزمات التي تؤدي إلى اختلال في اشتغال المجتمع وفي ظل غياب المعايير التي يستند إليها.

إن إحساس الفرد بالإقصاء من دوائر المجتمع والشعور بالحرمان من الخيرات التي يرى أن غيره يحصل عليها لمجرد مصادفات بيولوجية أو قرب من دوائر مخصوصة، ولا يقدر هو على الحصول عليها رغم كفائته، وانخفاض منسوب الاعتراف والحماية يسهم بشكل غير قليل في تفسخ الروابط التي تجمعه بالمجتمع وتفسح المجال لتفشي ظواهر اجتماعية مرضية. إن الأفراد يحتاجون في الواقع إلى الإحساس بالعدالة الاجتماعية، وأي اختلال في موازينها يؤدي إلى هدم الرابط بينهم وبين المجتمع.

إن القانون الذي استندنا إليه والتنظير الذي قدمناه هو تعميم نظري، لا شك في ذلك، وهو كذلك تجريد عبر مفاهيم سوسيولوجية، لكنه متجذر في التجربة الإنسانية ومنطلق منها. كما أنه، في مقالنا هذا، يعود التعميم والتجريد للإمساك بالتجربة وبالواقع. وبتعبير آخر بسيط، يخرج التنظير من التجربة ليعود إليها. ويمكن القول إذا إن أسبقية المجتمع على الأفراد تزودنا بمفاتح لفهم ما نعيشه اليوم من انتعاش ظاهرة الخيانة، وبروز الأفراد الخونة بشكل لافت في ميادين الحرب والقتل اليوم هو لا محالة وبشكل كبير إنتاج المجتمع.

عندما يقصي المجتمع الفرد، فإنه يصبح خطرا يهدده..

The post إنتاج الخونة appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

six + twenty =

Check Also

المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا

زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…