إيطاليا تواصل التأرجح بين الشراكة المغربية والتزود بالمحروقات الجزائرية

بينما تقدمت كبرى العواصم الأوروبية، أبرزها باريس ومدريد وبرلين، نحو مواقف متقدمة وداعمة بشكل علني لمغربية الصحراء، معتبرة أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها الرباط هي الحل الواقعي الوحيد لحل هذا النزاع الإقليمي، لا تزال روما تراوح في منطقة “بالتريث الدبلوماسي الحذر”، المرتبط، وفق مهتمين، بحسابات اقتصادية بالدرجة الأولى، تكمن في ارتهان روما إلى الغاز الجزائري، خصوصا بعد حرب أوكرانيا، ليتحول بذلك الملف الطاقي إلى ورقة في يد الجزائر في علاقاتها بإيطاليا، على الرغم من تسارع الديناميكيات الدولية التي ترجح المقاربة المغربية لحل قضية النزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية للمملكة. وعلى الرغم من تأكيد إيطاليا عن تأييدها للحل السياسي في إطار الشرعية الدولية، فإن عدم خروجها الواضح بموقف داعم ومؤيد لخطة الحكم الذاتي يشير، وفق متابعين، إلى عدم رغبة في تأجيج العلاقات الاقتصادية مع النظام الجزائري، خاصة في ظل النمو الاقتصادي المتعثر في إيطاليا وارتفاع الدين العام في هذا البلد الأوروبي، إلى جانب تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي وتوقعات البنك المركزي الإيطالي بدخول البلاد فترة ركود في السنوات القليلة المقبلة. حذر دبلوماسي قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “الموقف الإيطالي الحالي من قضية الصحراء يعكس قدرا واضحا من الحذر الدبلوماسي؛ لكنه في الوقت نفسه يكشف نوعا من التأخر السياسي مقارنة بالتحولات التي تعرفها مواقف عدد من القوى الغربية الكبرى تجاه هذا الملف. ففي الوقت الذي انتقلت فيه دول مؤثرة، مثل الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا، إلى دعم أكثر وضوحا لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر واقعية ومصداقية، لا تزال روما تتمسك بصيغة دبلوماسية تقليدية قائمة على دعم جهود الأمم المتحدة دون الذهاب إلى إعادة تموقع سياسي أكثر انسجاما مع التحولات الجيوسياسية الجارية”. وأوضح معتضد، في تصريح لهسبريس، أن “هذا التريث الإيطالي لا يعني بالضرورة رفضا للمقاربة المغربية؛ بل يعكس تعقيد الحسابات الإيطالية داخل الفضاء المتوسطي، خاصة في ظل ارتباط روما بملفات الطاقة والهجرة والأمن جنوب المتوسط”، لافتا إلى أن “الإشكال الحقيقي يكمن في أن إيطاليا تبدو أحيانا وكأنها تراقب التحولات بدل أن تساهم في صناعتها؛ وهو ما يجعل موقفها أقل تأثيرا داخل دينامية دولية تتحرك بسرعة نحو ترجيح الحل السياسي الواقعي تحت السيادة المغربية”. في المقابل، أضاف المتحدث ذاته أن “المغرب نجح، خلال السنوات الأخيرة، في بناء معادلة استراتيجية جديدة داخل إفريقيا والفضاء الأطلسي، جعلت عددا من الدول الغربية تعيد تقييم مقاربتها التقليدية للنزاع”، مبرزا أن “القضية لم تعد تُقرأ فقط من زاوية قانونية أو أممية ضيقة؛ بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالاستقرار الإقليمي وأمن الساحل والطاقة والممرات التجارية وربط أوروبا بعمقها الإفريقي. وهنا يبدو أن روما لم تستثمر بعد بالقدر الكافي في فهم التحول البنيوي الذي جعل المغرب يتحول من مجرد شريك إقليمي إلى منصة جيوستراتيجية متقدمة داخل غرب المتوسط وإفريقيا”. وتفاعلا مع سؤال للجريدة حول خطة “ماتي” الإيطالية، أكد معتضد أن “هذه الخطة الإيطالية تجاه إفريقيا تبرز هذا التناقض بوضوح. فمن جهة، تسعى روما إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي داخل القارة الإفريقية، ومن جهة أخرى لا تزال متحفظة في ملف يعتبر اليوم من أهم مفاتيح الاستقرار والاندماج داخل الفضاء الأطلسي الإفريقي. لذلك، يمكن القول إن دعم مغربية الصحراء لم يعد فقط موقفا سياديا أو رمزيا؛ بل أصبح بالنسبة لعدد متزايد من الدول جزءا من رؤية أوسع تتعلق بتأمين الاستثمارات، وضمان استقرار الممرات اللوجستية، وبناء شراكات طويلة المدى مع فاعلين إقليميين موثوقين”. وخلص إلى أن “استمرار روما في الاكتفاء بدعم جهود الأمم المتحدة يعكس في جانب منه رغبة في الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي مع مختلف الأطراف، خصوصا في ظل حساسية العلاقة مع الجزائر”، مبرزا أن “إيطاليا ستجد نفسها عاجلا أم آجلا أمام ضرورة مراجعة هذا التموضع الحذر؛ لأن الرهان الاستراتيجي المستقبلي في المنطقة لن يُبنى فقط على الغاز أو التوازنات الظرفية، بل على الشراكات القادرة على تأمين الاستقرار طويل المدى داخل المجال المتوسطي والأطلسي الإفريقي، ثم إن المغرب اليوم يملك عناصر هذا التحول”. تريث استراتيجي قال جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، إن “الموقف الإيطالي من قضية الصحراء المغربية محكوم باعتبارات جيواقتصادية؛ فروما ترغب في بناء شراكات استراتيجية مع المغرب وقد أشادت بالمبادرات المغربية، ولكن أيضا هي في حاجة ملحة للغاز الجزائري خصوصا بعد حرب أوكرانيا.. وبالتالي يمكن القول بأن موقف إيطاليا عبارة عن تريث استراتيجي مدروس ينتظر نضج ظروف معينة؛ لأن الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء أو اعتبار المبادرة المغربية هي الحل الوحيد، تراه إيطاليا كفيلا بخلق أزمة دبلوماسية بينها وبين الجزائر ليست في صالحها في هذه المرحلة”. وسجل القسمي، في حديث مع هسبريس، أن “إيطاليا قد تبدو استثناء في المسار الأوروبي الداعم لمغربية الصحراء؛ لكن المتمعن والمتخصص سيفهم أن هناك سياقات ودوافع تجعل إيطاليا لا تشبه إسبانيا ولا فرنسا ولا ألمانيا؛ ففي الحالة الإسبانية كان للواقع الجيوسياسي أثر في موقفها في القضايا الأمنية والاقتصادية وقضايا الهجرة، الشيء الذي جعل مدريد تدرك أن كلفة معاندة المغرب أكبر من كلفة إغضاب الجزائر”. وتابع الباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي قائلا: “أما بالنسبة لفرنسا وألمانيا، الدولتين القويتين في الاتحاد الأوروبي، فتنظران إلى المغرب كبوابة لإفريقيا وشريك موثوق في الأمن والاستثمارات والهجرة، بالإضافة إلى ذلك فالدولتان لا تعتمدان بشكل وجودي أو حصري على الغاز الجزائري، وهذا ما منحهما هامش مناورة أكبر مما لإيطاليا”. وشدد المتحدث عينه على أن “العوامل الاقتصادية تلعب دورا كبيرا في تحديد قرارات الدول الخارجية. وهذا أمر معروف، وإيطاليا اليوم مثال واضح على ذلك؛ ففي بحثها عن التحرر من الغاز الروسي برزت الجزائر كبديل جاهز، وأبرمت العديد من العقود الضخمة لإمدادات الغاز، مما جعلها تتريث في اتخاذ أي قرار قد تكون له تبعات عكسية على هذه المسألة”. وختم جواد القسمي بالتأكيد على أنه “بالنظر إلى الدينامية الحالية التي يعرفها ملف الصحراء وأدوار الولايات المتحدة الأمريكية الحالية، وتنويع إيطاليا لمصادر الطاقة وخفض اعتمادها تدريجيا على الغاز الجزائري، فمن المرتقب أن يتغير الموقف الإيطالي ليلتحق بركب باريس ومدريد وبرلين في دعم مغربية الصحراء”. The post إيطاليا تواصل التأرجح بين الشراكة المغربية والتزود بالمحروقات الجزائرية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
بنسعيد: مناظرة بوزنيقة تروم صياغة خارطة طريق جديدة لمؤسسات الشباب
انطلقت بمجمع مولاي رشيد للشباب والطفولة ببوزنيقة، اليوم الجمعة، أشغال المناظرة الوطنية الأ…










