Home الصحافة المغربية ابن رشد الفيلسوف في مواجهة “العـشَّاب”

ابن رشد الفيلسوف في مواجهة “العـشَّاب”

ابن رشد الفيلسوف في مواجهة “العـشَّاب”

هوية بريس – محمد أمين خولال إن تصوير كلام الفايد وعصيد وأمثالهم من الشحروريين على أنه خلاف مع السلفيين المتشدِّدين، هو نُكتَـةٌ مضحكة. ما المقصود بالسلفيين الذين عندهم مشكِـلٌ مع هذا الخطاب الشحروري المنكر لقطعيات الدين والمجترئ على أصوله؟ هل هم السلفيون بمعنى الحنبليون في الفقه مثلًا؟ أتباع الإمام أحمد الذي تأثر بأفكار ابن تيمية عندما كان معه في السِّـجن كما يقول الفايد؟ طيب دعنا من الحنابلة السلفيين، فنحن المغاربةَ مالِكيِّون، ماذا يقول المالكية في حق من ينتقص من الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أو ينكر السنة؟ أو يُحرِّف الشريعة؟ طيب ربما الإمام مالك نفسُه تأثر بابن تيمية عندما زاره في القسطنطينية قبل كورونا. ماذا يقول الشافعية؟ وماذا يقول الحنفية؟ طيب دعك من المذاهب الأربعة المتأثرين بابن عثيمين، ماذا يقول أصحاب المذاهب الدَّارِسَـة؟ ماذا يقول مذهب الأوزاعي؟ ماذا يقول مذهب ابن جرير الطبري؟ وسفيان الثوري؟ ماذا يقول المذهب الظاهري، هل ابن حزم مثلًا ينكر السنة؟ أو يرى انتقاص جناب الرسول الكريم حرية تعبير؟ معذرة لقد أسأنا الفهم، لا يقصد هؤلاء بالسلفية أتباعَ المذاهبِ الفقهية، بل يقصدون السلفيين الأثريين المتشدِّدين أتباع ابن تيمية في العقائد، طيب لنترك السلفية والتيمية، ولنأخذ الأشاعرة، فنحن المغاربة أشعريون، والأشعرية هي العقيدة الرسمية للمملكة الشريفة وهي من ثوابتنا الأربعة، أليس كذلك؟ طيب ماذا يقول الأشاعرة في شاتم الرسول؟ ماذا يقول الأشعرية فيمن ينكر السنة أو يزوِّرُ الشريعة أو يطعن في الصحابة أو يحرف كتاب الله؟؟ ها هي كتب الأشاعرة بين أيدينا، بل ماذا يقول الصوفية، ماذا يقول الإمام الجنيد؟ ماذا يقول رجال مراكش السبعة؟ ها هو كتاب الشفا للقاضي عياض الذي يُختَـم بحضرة سلاطين المملكة منذ القدم، ماذا يقول عياضٌ في منتقص الرسول أو منكر الوحي أو الطاعن في أصول الدين؟ طيب دعك من الأشاعرة، فيبدو أنه لا فرق بينهم وبين السلفية، حدثونا عن الفرق العقلانية المتنورة، ماذا يقول المعتزلة؟ انقلوا لنا كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي صاحب ”تثبيت دلائل النبوة“، أو كلام أبي الحسين البصري، أو كلام الزمخشري، أليسوا هؤلاء معتزلةً عقلانيين؟ طيب انقلوا لنا كلامَهم وحُكمَـهم في شاتم الرسول ولو تعريضًا، ولو احتمالًا؟؟ ونحن على مذهب المعتزلة في هذا، فالذي يحكم به المعتزلة العقلانيون نأخذ به ونترك قول السلفية، ما رأيكم؟ طيب، دعك من المعتزلة، فيبدو أنهم كانوا يتلقَّون الرشوة ولديهم حسابات بترودولارية في صندوق البصرة الدولي. ولنقم بالمناداة على البطل الفيلسوف المتنور، أبي الوليد ابن رشد، فهذا هو العقلاني الوحيد في الحضارة الإسلامية الذي يتحدث عنه الفايد، وعصيد، والشحروريون، وقد رأيتُ هذه الأيام عشراتِ التعليقات والمنشورات التي تقول إن ما وصلنا إليه من تطرف هو بسبب الغزالي الأشعري وابن تيمية الأثري، وإن علينا أن نطبق منهج ابن رشد الفيلسوف. طيب، ماذا يقول ابن رشد الفيلسوف المتنور التنويري الجميل الوردي الرائع في حق من ينتقص من الشرائع أو يشكك في الأصول التي تبثت بواسطة الوحي والنصوص الدينية من الكتب والسنة، والتي جاء بها الأنبياء؟ يقول الفيلسوف ابن رشد في حديثه عن صفاتِ الفيلسوف: «وإنه إن صرَّح بشك في المبادئ الشرعية التي نشأ عليها أو بتأويل أنه مناقض للأنبياء صلوات الله عليهم، وصاد عن سبيلهم، فإنه أحق الناس بأن ينطلق عليه اسم الكفر، ويوجب له في الملة التي نشأ عليها عقوبة الكفر». ثم يقول: «والذين شكوا في هذه الأشياء وتعرضوا لذلك وأفصحوا به إنما هم الذين يقصدون إبطال الشرائع وإبطال الفضائل، وهم الزنادقة الذين يرون أن لا غاية للإنسان إلا التمتع باللذات. هذا مما لا يشك فيه أحد. ومن قدر عليه من هؤلاء فلا يُشك أن أصحاب الشرائع والحكماء بأجمعهم يقتلونه». يعني يا حبيبي، ابن رشد الفيلسوف المتنور يقول إن الزنادقة يُـقتلون، وهذا عنده ليس قول الفقهاء فقط، بل قول الفقهاء، وقول الحكماء، أي الفلاسفة، نعم الفلاسفة وليس السلفية. طيب ماذا يقول ابن رشد عن السنة؟ هل يقول كما يقول الفايد -وأمثاله- إن السنة مكذوبةٌ وإنها ليست حجةً وإننا نأخذ فقط بالقرآن؟ يجيب ابن رشد: «وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه، وهو حجة بنفسه على من سمعه مشافهةً. فأما نحن فلم يبلغنا قوله ﷺ إلا على لسان المخبرين، إما بطريق التواتر، وإما بطريق الآحاد. ولذلك ينقسم القول في الأخبار إلى هذين القسمين، ويعمها مراتب ألفاظ الصحابة رضي الله عنهم في نقل الأخبار عنه ﷺ…». يعني ابن رشد لا ينكر الحديث والروايات وأخبار الآحاد؟ ألا يقول إنها مكذوبة على الرسول مثلما يقول الفايد؟ يعني ابن رشد المتنور الفيلسوف الرومنسي؟ يقول ابن رشد: «أما العمل بأخبار الآحاد فهو جائز عقلا وواقع شرعًا، أما جواز وقوعه شرعا فإنه غير ممتنع أن ينصب الله تعالى غلبة الظن علامة للحكم […] ولولا ذلك لسقطت أكثر الأحكام عن من لم يشافه رسول الله ﷺ». طيب؛ ولكن الفايد وأمثاله يقولون إنه -أي بائع الأعشاب- أفضل من الصحابة، وإن الصحابة اختلفوا فيما بينهم، فما رأي ابن رشد؟ يجيب الفيلسوف: «والذي عليه جماهير الأمة والمعتمد عليه أن عدالتهم مقطوع بها بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله، في غير ما آية من كتاب الله جل وعز وفي غير ما حديث عنه ﷺ. وقد ذهبت طوائف من الخوارج والمعتزلة والقدرية، وبالجملة أهل البدع والزيغ إلى رد شهادتهم وروايتهم بعد ما شجر بينهم…». يعني هذا الذي يقول به الفايد، هو قول أهل البدع والزيغ حسب ابن رشد. طيب، ماذا رأي ابن رشد فيمن يتحدث في علوم الشريعة وهو ليس متخصصا، يعني ليس فقيهًا، بل بائع أعشاب مثلا أو عطار، يقول: «وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين: إما أخطأ يُعذر فيه من هو أهل النظر في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ […] ولا يُعذر فيه من ليس من أهل ذلك الشأن. وإما خطأ ليس يُعذر فيه أحد من الناس، بل إن وقع في مبادئ الشريعة فهو كفر، وإن وقع فيما بعد المبادئ فهو بدعة». طيب ولكن ابن رشد العقلاني لا يقول بالتطرف والتشدد الذي يقول به السلفيون، يجيب ابن رشد المتنور الفيلسوف الوردي: «والمرتد إذا ظُفر به قبل أن يحارب: فاتفقوا على أنه يُقتل…». يعني هذا ليس كلام ابن تيمية؟ ولا الغزالي، لا هذا كلام ابن رشد الفيلسوف (وليس السلفي) الرائع. وهذه الأقوال موثَّقة من كتب ابن رشد التي خطَّها بيمينه. يعني في نظركم، لو أخذنا الدكتور الفايد عند ابن رشد الفيلسوف الذي كان قاضيًا، وكان يتردد على مدينة مراكش عندنا في المغرب، وقيل له إنه الفايد وأمثاله ينكرون السنة النبوية ويطعنون في الصحابة، بل وينتقص من جناب الرسول الكريم ﷺ، فبماذا كان سيحكم عليه ابن رشد؟ لذلك أضحكُ وتأخذني نوبة من السخرية السوداء حينما أجد هؤلاء المساكين يتمسَّحون بأبي الوليد ابن رشد، باعتباره البديلَ التنويري الناجح الذي قضت عليه أشعرية الغزالي وأثريةُ ابن تيمية. ولذلك أيضًا، فإن مشكلةَ هؤلاء ليست مع السلفية، بل مشكلتهم مع الإسلامِ نفسِـه، وقصة استدعاء السلفية أو المتشدِّدين لتعليق التهمة عليهم وتسويغ الخروج عن الدِّين والطعن في أصوله بدعوى مواجهتهم موضَـةٌ قديمةٌ فاتَ أجلُـها وانتهى تاريخ صلاحيتها. ولذلك أنا أحترم المستشرقين كثيرًا، الذين يتعاملون مع الإسلام بصفته وحدةً كلية، كما أحترم الملاحدةَ الذين لديهم موقف واضح وصريحٌ من الإيمان أو الإسلام ويناقشونه بموضوعية وصِـدق، لكنَّني لا أحترم -بل أمقُت وأحتقر- الشحروريين الذين يخترعون إسلامًا جديدًا، يمارسون فيه إلحادَهم البئيس وتحريفاتهم المضحكة باسم الدين نفسه. The post ابن رشد الفيلسوف في مواجهة “العـشَّاب” appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

fourteen + 4 =

Check Also

إيران تعرض الوساطة بين الرياض والحوثيين وسط تصاعد التوترات الإقليمية

هوية بريس- وكالات طرحت طهران مبادرة للوساطة بين السعودية وجماعة الحوثيين، في خطوة تعيد الم…