اعفاء مديحة خيير: هل نحن أمام تنزيل ديمقراطي للدستور أم “إعدام سياسي” لإمرأة اكتسحت صناديق الاقتراع؟

شهدت الساحة السياسية المغربية خلال هذا الاسبوع واقـعة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الدستوري للمملكة؛ حيث صدر قرار ملكي يقضي بإعفاء الوزيرة الاستقلالية مديحة خيير من مهامها بعد يومين فقط من تعيينها. ورغم أن التبرير الرسمي حصر نازلة الإعفاء في دائرة “التفاعل الاستعجالي والمشترك للأغلبية الحكومية لتفادي الجدل العمومي” حول معطيات شخصية وتاريخية تعود لسنة 2004، إلا أن الأبعاد الخفية لهذه الواقعة تكشف عن مأساة إنسانية وثغرة قانونية تستوجب التفكيك رصدا للأضرار الجانبية التي لحقت بالمعنية بالأمر، وتهديدا لسلامة البناء الدستوري والنيابي عموما. أولا: “أثر الدومينو القانوني” وصدمة التجريد المؤسساتي تتحكم في مسار هذه النازلة المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والتي تمنع بوضوح الجمع بين العضوية البرلمانية والحكومية. وبموجب هذا المقتضى، دخلت السيدة خيير تلقائيا في حالة التنافي بمجرد صدور التعيين الملكي لها كوزيرة. هذه الوضعية ترتب عنها دستوريا وقانونيا الآتي: خسارة المقعد النيابي: حول منصبها البرلماني بقوة القانون لفائدة وصيفها في اللائحة المحلية لمدينة بني ملال، الدائرة التي حصدت فيها بجدارة واستحقاق ديمقراطي أكثر من 21 ألف صوت. فقدان رئاسة الفريق الاستقلالي: نتيجة لسقوط الصفة البرلمانية، ضاع منها منصب رئيسة الفريق النيابي لحزب الاستقلال بمجلس النواب، والذي ذهب لزميلها في الحزب رحال مكاوي لأن هذا المنصب كان سيكون من نصيبها مجددا لو لم يتم تعيينها في حكومة بنت الصالحين التي تقدمت بطلب اعفائها للملك طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور. مغادرة الحكومة: قرار الإعفاء بطلب من رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أسقط عنها صفة وزيرة قبل أن تباشر أي مهمة رسمية. إن هذا التسارع الدراماتيكي لم يقف عند حدود التجريد المؤسساتي، بل واكبته حملات تشهير رقمية في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت كالنار في الهشيم. ومثل هذه الصدمة تتجاوز مفهوم خيبة الأمل العابرة؛ إذ من الصعب جدا من الناحية الإنسانية أن يفقد فاعل سياسي كل رصيده التمثيلي والمؤسساتي في رمشة عين ويحافظ على توازنه النفسي والذهني، إلا إذا اعتبرنا الفرد مجرد رقم يمكن التضحية به تحت مبرر “التوازنات الآنية“. من هنا تحديدا تبرز فرضية “القتل السياسي” معنويا ومؤسساتيا؛ فإن كانت خطوة الإعفاء غير مقصودة الآثار، فهي خطأ فادح في تقدير كلفة النصوص التشريعية، وإن توفر فيها عنصر القصد والترصد السياسي، فالأمر يغدو إقصاء منظما لامرأة جُرِدت من كافة أسلحتها السياسية والدستورية دفعة واحدة. ثانيا: معضلة “الأثر الرجعي” وثغرات قانون التنافي الحالي إن الإشكال الحقيقي يتمثل في عدم إمكانية استعادة المعنية بالأمر لمقعدها النيابي بعد الإعفاء. فالمنصب البرلماني يضيع بشكل فوري بمجرد إحالة حالة التنافي وتبليغ الشغور. والحل الدستوري الوحيد الذي كان من شأنه “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” وحماية الكرامة السياسية والانتخابية للسيدة خيير، هو سحب مرسوم التعيين بأثر رجعي ليعتبر كأنه لم يكن، وبالتالي الحفاظ على المقعد المكتسب ديمقراطيا من أصوات الناخبين. أما إعفاؤها المباشر استنادا إلى الفصل 47 من الدستور، فقد أحدث بياضا قانونيا جسيما كشف عن قصور واضح في الهندسة التشريعية الحالية لقانون التنافي؛ فالقانون يعاقب البرلماني الذي يتم استوزاره بـ“سحب مقعده” نهائيا، حتى وإن لم يستمر في منصبه الحكومي سوى بضع ساعات، مما يجعل مساطر التعيين سيفا ذا حدين يهدد الاستقرار النيابي. ثالثا: مقترحات لإصلاحات تشريعية تمنع تكرار الأزمة لحماية الفاعلين السياسيين وصون حرمة المقاعد الانتخابية والمؤسسات السيادية مستقبلا، بات من الضروري التفكير في الإصلاحات القانونية التالية: إقرار مهلة انتقالية لتفعيل التنافي: يجب تعديل المادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب لتنص على “تعليق” العضوية البرلمانية مؤقتا وليس إسقاطها فورا، بحيث يُمنح الوزير الجديد مهلة (مثلا 30 يوما بعد التنصيب البرلماني للحكومة) لإجراء مراجعات أو تقديم استقالته الطوعية من البرلمان، وإذا ما تم إعفاؤه خلال هذه الفترة يعود تلقائيا لصفته النيابية. مأسسة التحريات المسبقة: مراجعة المقتضيات الخاصة بالمدد الزمنية المتاحة لتشكيل الحكومات وتوسيعها، مع فرض آلية فحص مسبقة رصينة وحقيبة تدقيق تشترك فيها القيادات الحزبية لإجراء تحقيقات شاملة حول السير الذاتية، السوابق القضائية، والحالة الصحية والأهلية، تجنبا للارتباك الحكومي. تفعيل مسطرة السحب في حالات البطلان: إدخال بند تشريعي يتيح لرئيس الحكومة استخدام آلية “سحب التعيين” عوض “طلب الإعفاء” إذا تبين وجود عارض قانوني أو جدل حاد خلال الأيام الأولى من التعيين وقبل نيل التنصيب البرلماني، بما يحمي المراكز القانونية السابقة للمعينين. إن نازلة مديحة خيير، بغض النظر عن تفاصيلها وسياقاتها السياسية، يجب أن تتحول من مجرد مأساة سياسية فردية لامرأة فقدت كل شيء، إلى محطة تأمل وطنية لإعادة النظر في القوانين التنظيمية، لضمان ألا تظل مقاعد الإرادة الشعبية رهينة بتقلبات وهفوات الأمتار الأخيرة من التشكيلات الحكومية.
مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتوخى إحداث 34 ألفا و454 منصبا ماليا جديدا
الرباط 24 أكتوبر 2026 يتوخى مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي جرى تقديمه أمس الجمعة بالب…

