الآفات الحشرية الغازية… من يدفع الثمن؟

في السنوات الأخيرة، لم يعد ظهور الآفات الحشرية الغازية حدثاً عابراً أو استثناءً بيئياً، بل تحول إلى نمط متكرر يهدد بشكل مباشر الفلاحة، والثروة النحلية، والتوازنات البيئية في مناطق واسعة من البلاد. فبعد الخسائر الفادحة التي خلفتها الحشرة القرمزية التي اجتاحت مساحات شاسعة من زراعات الصبار — المعرفة محلياً بـ “الهندية” — وأدت إلى تراجع هذا القطاع الذي كان يشكل مصدر دخل أساسي لآلاف الأسر في مناطق مثل الرحامنة، وسيدي بنور، وتادلة؛ يجد الفلاحون ومربو النحل أنفسهم اليوم أمام تحدٍ جديد لا يقل خطورة، يتمثل في انتشار أنواع من الدبابير المفترسة للنحل، أبرزها الدبور الشرقي (Vespa orientalis)، وهو نوع موجود تقليدياً في المنطقة لكنه بدأ يتكاثر بكثافة غير معتادة، والدبور الآسيوي (Vespa velutina)، وهو نوع غازٍ دخيل تماماً على البيئة المحلية ومعروف عالمياً بقدرته التدميرية العالية على خلايا نحل العسل. لماذا يشكل هذان النوعان خطرا مضاعفا؟ يتميز الدبور الآسيوي بسلوك افتراس منظم، إذ يقف أمام مدخل الخلية فيما يشبه “التحليق الثابت” لاصطياد النحلات العائدات بالرحيق واحدة تلو الأخرى، ما يسبب إجهاداً شديداً للطائفة، وانخفاضاً حاداً في أعداد الشغالات، وقد يؤدي — في الحالات الشديدة — إلى انهيار كامل للخلية خلال أسابيع قليلة. أما الدبور الشرقي، فرغم أنه معروف منذ زمن أطول، فإن تزايد أعداده يرتبط غالباً بتغير الظروف المناخية، خصوصاً ارتفاع درجات الحرارة وتمديد فصل النشاط الحيوي لهذه الحشرات، ما يمنحها فرصة أطول للتكاثر والانتشار. أبعاد الأزمة تتجاوز قطاع العسل لا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مشكلة قطاعية محدودة تخص مربي النحل وحدهم؛ فالنحل يؤدي دوراً محورياً في تلقيح نسبة كبيرة من النباتات الزهرية، والمحاصيل الفلاحية، والأشجار المثمرة، من اللوزيات إلى الحوامض مروراً بالخضروات ومحاصيل البذور الزيتية. وبالتالي، فإن أي تراجع في أعداد مستعمرات النحل أو ضعف نشاطها بسبب الافتراس المكثف من الدبابير، ينعكس مباشرة على معدلات الإخصاب والإنتاجية الفلاحية، وقد يمس على المدى المتوسط التنوع البيولوجي النباتي في المناطق المتضررة. كيف تصل هذه الآفات وكيف تنتشر؟ يطرح انتشار هذه الحشرات من منطقة إلى أخرى، وخصوصاً تسارع توسعها في الجهات الشمالية، أسئلة جوهرية حول مصادرها ومسارات انتقالها. حركة التجارة والنقل: ترتبط بعض حالات الانتشار بالنقل التجاري، حيث يمكن لطرود الدبابير أو ملكاتها أن تنتقل خفية عبر شحنات النباتات، أو التربة، أو الحاويات والمنتجات الفلاحية القادمة من مناطق أو دول أخرى، وهو ما حدث فعلياً مع انتشار الدبور الآسيوي في عدة دول أوروبية انطلاقاً من شحنات تجارية. العوامل المناخية: تلعب التغيرات المناخية دوراً مساعداً لا يقل أهمية، إذ يوفر الدفء الشتوي النسبي وتراجع موجات البرد القارس بيئة مناسبة لبقاء الملكات على قيد الحياة خلال فصل السبات، ما يزيد من فرص تأسيس مستعمرات جديدة في الربيع الموالي. هشاشة منظومة الرصد والتدخل المبكر يبقى السؤال الأهم اليوم هو مدى جاهزية منظومة اليقظة الوبائية النباتية والحيوانية لرصد هذه الأنواع في مراحلها الأولى، قبل أن تتحول إلى ظاهرة يصعب احتواؤها. فتجربة الحشرة القرمزية أظهرت بوضوح أن التأخر في اكتشاف الإصابة الأولى، وغياب آليات تبليغ سريعة وفعالة بين الفلاحين والمصالح المختصة، كانا من أهم العوامل التي ساهمت في تفاقم الأزمة وانتشارها الواسع خلال فترة قصيرة نسبياً. نحو سياسة استباقية متكاملة المطلوب اليوم ليس مجرد التحرك بعد وقوع الضرر، بل بناء سياسة استباقية حقيقية تقوم على عدة ركائز: تعزيز الرصد العلمي الميداني: إنشاء شبكات مراقبة دائمة في المناطق الفلاحية والنحلية الحساسة. تحديد المسارات: تتبع مصادر ومسارات انتشار الآفات بدقة، سواء المرتبطة بالتجارة أو بالعوامل البيئية. التوعية والتبسيط: توعية الفلاحين ومربي النحل بكيفية التعرف على هذه الحشرات في مراحلها المبكرة، وتبسيط قنوات التبليغ عن أي مشاهدة مشبوهة. وسائل تدخّل آمنة: توفير وسائل مكافحة فعالة وآمنة بيئياً، تراعي حماية النحل والحشرات النافعة الأخرى أثناء مكافحة الدبابير الغازية، تفادياً لأي أضرار جانبية على التوازن البيئي. دعم البحث العلمي: دعم البحوث المحلية لفهم ديناميكية انتشار هذه الأنواع في السياق المناخي والبيئي الخاص بالبلاد. مسؤولية جماعية لا تتحملها فئة واحدة إن حماية الثروة النحلية لا يمكن أن تبقى مسؤولية مربي النحل وحدهم، فهي قضية مرتبطة عضوياً بالفلاحة، والتنوع البيولوجي، والأمن الغذائي الوطني. وهذا يستدعي تنسيقاً حقيقياً وفعالاً بين المصالح الحكومية المختصة، والباحثين في علوم الحشرات والبيئة، والمهنيين في قطاع تربية النحل، والجماعات الترابية، وفعاليات المجتمع المدني، بما يضمن استجابة سريعة ومنسقة عند ظهور أي بؤرة جديدة. سؤال الساعة قد يبدو ظهور آفة جديدة في بداياته حدثاً محدوداً لا يستدعي القلق، لكن التجارب السابقة — وفي مقدمتها ما عاشه قطاع الصبار مع الحشرة القرمزية — تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التأخر في الرصد والتدخل يجعل معالجة المشكلة لاحقاً أكثر صعوبة وكلفة، بل وعصية على الاحتواء الكامل. فهل سنستمر في التعامل مع هذه الظواهر بمنطق رد الفعل بعد انتشارها واستفحالها، أم آن الأوان للانتقال الحقيقي إلى منطق الوقاية والاستباق، قبل أن تتحول خسائر محدودة اليوم إلى أزمة بيئية وفلاحية شاملة يصعب غداً احتواؤها؟
انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب
تم، اليوم الثلاثاء انتخاب السيد أحمد التويزي من حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسا جديدا لمجلس ا…

