Home الصحافة المغربية الأرضُ التي لا تراها العين

الأرضُ التي لا تراها العين

الأرضُ التي لا تراها العين

للفضاء قُدرة غريبة على اختطاف نظري وخيالي معًا. كنتُ، وما زلتُ، ألاحق صُور الكواكب والمجرّات والسُّدم كما لو أنني أبحث فيها عن شيء يتجاوز الصورة نفسها؛ أقرأ المجلات العلمية، أتأمل الألوان القادمة من أعماق الكون، وأندهش في كل مرة من قدرة العلم على أن يجعل اللامرئي مرئيًّا، والبعيد قريبًا، والمجرّد صورة يمكن للعين أن تتأملها. ومن آخر ما استوقفني، وأعاد إليَّ تلك الدهشة الأولى، صورة علمية نشرتها وكالة ” NASA ناسا” للأرض؛ لكنها لم تكن الأرض التي اعتدنا أن نراها. حين ترسمُ الجاذبية وجهَ الأرض الخفيّ هناك أرض نراها كل يوم في الصّور: كرة زرقاء تسبح في سواد الفضاء، تلتف حولها السحب، وتتوزع فوقها القارات والمحيطات. وهناك أرض أخرى لا تصل إليها العين مباشرة؛ أرض ترسمها الجاذبية، وتكشفها حركة الأقمار الصناعية. لا تعرض الصورة التي نشرتها وكالة ” NASA ناسا ” شكلاً جديداً للأرض، ولا تكشف الكوكب بعد إزالة المحيطات، ولا تمثل لقطة فوتوغرافية التقطتها مركبة فضائية. إنها صورة علمية تشرح كيف تتوزع الجاذبية حول الأرض، وكيف يتغير تأثيرها قليلاً من مكان إلى آخر. لهذا تبدو الأرض فيها غريبة، ليِّنة الملامح، كثيرة الانحناءات، كأنها تتنفس أو تتحرك تحت غلافها. نحن لا نرى هنا سطح الكوكب كما تقف عليه أقدامنا، وإنما نرى الوجه الذي تصنعه كُتْلته الخفيّة: الصخور والجبال والمياه والجليد وما يتحرك في أعماقه. نشرت ” ناسا” هذا التّصور في 15 يوليو 2026 تحت عنوان The Geoid، واعتمد فريقها على بيانات علمية جمعتها أقمار صناعية خلال سنوات طويلة، ثم ضخَّم الفريق الفروق الصغيرة في الجاذبية آلاف المرات حتى تستطيع العين رؤيتها بوضوح. ما الجيويد؟ قد تبدو الكلمة صعبة، غير أن معناها أبسط مما يوحي به اسمها. لنتخيّل أن مياه البحار غطت الأرض كلها، حتى القارات، وأننا أوقفنا الأمواج والرياح والمد والتيارات. لنتخيل أيضاً أن الماء أصبح هادئاً تماماً، ثم تركناه يستقر تحت تأثير الجاذبية وحدها. لن يرسم الماء كرة هندسية كاملة. سيرتفع قليلاً في بعض الأماكن، وينخفض قليلاً في أماكن أخرى، لأن قوة جذب الأرض لا تتوزع بالتساوي في كل مكان. السطح الذي سيرسمه هذا الماء الهادئ هو ما يسميه العلماء الجيويد. إنه مستوى بحري متخيّل يحيط بالكوكب، ويتبع الجاذبية كما يتبع القماشُ شكلَ الجسم الذي يغطيه. لا يعني هذا أن المحيطات ترتفع أمامنا على شكل جبال ضخمة، أو أنها تهبط في حفر هائلة. الفروق الحقيقية صغيرة جداً إذا قارناها بحجم الأرض. نتعلم في المدرسة أن الأرض تجذب الأجسام نحو مركزها. هذه الفكرة صحيحة، غير أنها لا تروي القصة كاملة. لا تتكوَّن الأرضُ من مادة واحدة متجانسة، تحتوي منطقة ما على صخور أكثر كثافة، وتحمل منطقة أخرى جبالاً هائلة، وتخزن منطقة ثالثة كميات كبيرة من المياه تحت سطحها. تتحرك الصفائح في الأعماق، ويتغير حجم الأنهار والبُحيرات، وتذوب كتل جليدية، وتتجمع مياه في مواضع ثم تنسحب منها. كل كتلة تملك قوة جذب. لذلك يختلف تأثير الجاذبية قليلاً باختلاف كمية المادة الموجودة في قلب المكان أو تحته. يمكن تشبيه الأرض بقطعة فاكهة تبدو متماسكة من الخارج، بينما تختلف كثافة أجزائها في الداخل. قد يحتوي جانب منها على مادة أثقل، وقد يحتوي جانب آخر على فراغات أو مواد أخفّ. لن يظهر هذا الاختلاف بوضوح على القشرة الخارجية، غير أن القياسات الدقيقة تستطيع اكتشافه. لهذا لا تكشف خريطة الجيويد شكل السّطح وحده، وإنما تمنحنا أثراً من آثار ما يوجد تحت السّطح أيضاً. هل الأرض كروية أم غير منتظمة الشكل؟ الأرض شبه كروية، ولا تناقض صورة الجيويد هذه الحقيقة. تدور الأرض حول نفسها، لذلك تنتفخ قليلاً عند خط الاستواء وتتسطح قليلاً عند القطبين. يستخدم العلماء هذا الشكل المبسط في الخرائط والملاحة وحساب مواقع الأقمار الصناعية. أما الجيويد، فيضيف إلى هذا الشكل المنتظم تأثير اختلاف الجاذبية. لذلك يظهر أكثر تموجاً، وأكثر تعقيداً. تبدأ المشكلة عندما ينظر شخص إلى الصورة ويظن أن الأرض تحمل فعلاً هذه النتوءات الضخمة. لذلك، لم تعرض ناسا الكوكب بالمقياس الحقيقي، لقد ضخمت الاختلافات عشرة آلاف مرة تقريباً؛ من دون هذا التضخيم ستبدو الأرض أمام العين مَلساء إلى حد كبير، ولن يلاحظ المشاهد شيئاً. لا تمثل الألوان حرارة الأرض، ولا حالة الطقس، ولا ارتفاع الجبال، ولا عمق البحار؛ تشير الألوان الدافئة، مثل البرتقالي والأحمر، إلى مناطق يرتفع فيها سطح الجيويد عن الشكل الهندسي المرجعي الذي يستخدمه العلماء، وتشير الألوان الباردة، مثل الأزرق والبنفسجي، إلى مناطق ينخفض فيها ذلك السطح. بعبارة أبْسَط: توضِّحُ الألوان أين يرسم مجال الجاذبية سطحاً أعلى قليلاً، وأين يرسم سطحاً أخفض قليلاً. ماذا تكشف الصورة عن الأرض؟ تكشف أن ما نراه لا يمثل الحقيقة كلها. تعرض الصور الفضائية المعتادة لون اليابسة، وزرقة البحار، وحركة السحب. تعرض صورة الجيويد شيئاً آخر: توزيع الكتلة والجذب والتوازن. تقدم الكاميرا مظهر الأرض، وتقدم الجاذبية أثراً من بنيتها الخفية. لم يدخل العلماء إلى كل مكان في أعماق الكوكب، ولم يلمسوا كل صخرة تحت المحيطات. راقبوا حركة الأقمار، ثم استنتجوا منها صورة أوسع. يستخدم العلم الآثار كي يصل إلى الأسباب. يعرف الطبيب حال القلب من نبضه، ويعرف الفلكي وجود جرم بعيد من أثره في جسم آخر، ويعرف علماء الأرض توزيع الكتلة من تغير حركة الأقمار. لهذا تحمل الصورة معنى يتجاوز الجغرافيا. إنها تذكرنا بأن الحقيقة قد تترك أثراً قبل أن تمنحنا صورتها، وأن العين لا تمثل الأداة الوحيدة للمعرفة. حين ننظر إلى هذا الكوكب المتعرج، قد نشعر أننا نرى أرضاً أخرى. والحقيقة أننا نرى الأرض نفسها، من زاوية مختلفة تماماً. نراها كما تستجيب لها المياه الهادئة. نراها كما تشعر بها الأقمار في مداراتها. نراها كما تصفها الأرقام والمعادلات. للأرض وجه تلتقطه الكاميرا، ووجه ترسمه الجبال والبحار، ووجه تصنعه الجاذبية في صمت. لقد منحت” NASA ناسا “هذا الوَجه ألْواناً حتّى نراه، وضخّمت تموّجاته حتى نفهمه. لم تغير شكل الأرض، وإنما غيرت طريقة نظرنا إليها. وتكمن روعة الصورة في المسافة التي قطعتها المعلومة حتى وصلت إلينا: بدأت من صخور ومياه وجليد موزعة داخل الأرض وفوقها، وتحولت إلى جذب خفي، ثم أثرت في حركة أقمار بعيدة، وسجلتها أجهزة دقيقة، وجمعتها الحواسيب، وصاغتها في شكل كوكب مُضيء: إنها لا تقول إن الأرض فقدت شكلها المعروف؛ تقول إن للكوكب طبقات من الحقيقة، وأن كلَّ أداةٍ علمية تكشف طبقة جديدة. ننظر إلى الأرض عادة من الخارج، فنرى لونها وحدودها. أما هذه الصورة فتدعونا إلى رؤيتها من الداخل، من خلال وزنها الصّامت، وتوزيع كُتلتها، والقوّة التي تمسك البحار والجبال والإنسان والقمر في نسيجٍ واحد: هذه ليست الأرض كما تبدو لنا… هَذه هيَ الأرضُ كما تَزِنُ نفسَها في صَمْتِ الكَوْن. لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر. The post الأرضُ التي لا تراها العين appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 + six =

Check Also

الداخلية الفرنسية “تُغرّم” لارام لنقلها راكبة إلى فرنسا بجواز سفر لا يخصها

<p>قضت المحكمة الإدارية بباريس برفض الطعن المقدم من طرف شركة “الخطوط الملكية ا…