الأمية: بين القرآني والفلسفي والعالم المعاصر (الجزء الأول)

الشائع في الناس، أن كلمة “الأمية” هي غياب القدرة على القراءة والكتابة.
لكن يبقى هذا ظاهر مفهوم الأمية فقط، أما جوهرها، فيظهر أنها حالة من الجهل بالمعرفة العميقة والقيم الأخلاقية والروحية.
في القرآن الكريم، تأخذ الأمية دلالات واسعة تتعلق بغياب الهداية الإلهية. بينما في الفلسفة تمثل الأمية غياب الوعي الفكري والمعرفي.
وإذا ما انتقلنا إلى العالم المعاصر، نجد أن الأمية تأخذ أشكالًا جديدة تتجاوز حدود القراءة والكتابة لتشمل العجز عن فهم الذات والمجتمع والعالم.
في هذا المقام، نستعرض تجليات وجهات النظر الثلاث هذه للأمية، مع الاستناد إلى شواهد من القرآن، ومن الأفكار الفلسفية وأيضا من الواقع المعاصر..
أولا؛ الأمية: الجهل بالهداية الإلهية:
في القرآن الكريم، تُطرح الأمية كمفهوم يتصل بالجهل بالكتب السماوية والهداية الربانية. قال الله تعالى:
”هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ” (الجمعة: 2).
تشير الآية الكريمة إلى أن الأمية لا تتعلق بالقدرة على القراءة والكتابة فقط، بل تشمل الجهل بالوحي وبالقيم التي تزكي النفس وتُهذّبها.
وهنا يظهر دور النبي صلى الله عليه وسلم في نقل الناس من الظلمات إلى النور، وفي إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد – تلك الكلمة التي تركها الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه باقية في عقبه ومضى-، ثم
إخراج الناس من الجهل إلى العلم بمعناه الواسع..
العلم الذي قال عنه ذات يوم، لقمان الحكيم عبارته الجليلة الجميلة: ”إن الله تعالى يحيي القلوب بالعلم، كما يحيي الأرض بوابل المطر”.
وفي سياق آخر، قال تعالى: “وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” (البقرة:78).
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن بني إسرائيل وكشف حالتهم المعرفية وأسلوب تعاملهم مع الوحي الإلهي تصف الآية فئة منهم بأنهم “أميون”، وهو وصف يحمل معاني متعددة تتجاوز الأمية التقنية المتمثلة في عدم القراءة والكتابة، لتشمل غياب الفهم الحقيقي لرسالة الكتاب.
كما تشير الآية أيضًا إلى حالة معرفية مضطربة، حيث يعتمدون على “الأماني” بدلًا من العلم، ويتبعون الظنون عوضًا عن الحقائق. ثم إنها تعكس أن الأمية ليست مجرد عدم الإلمام بالحروف، بل غياب الوعي الحقيقي بمضامين المعرفة وبالغاية الكبرى للحياة.
وفي عالم العرفان، تمثل الأمية حالة روحية من الانفصال عن الحقيقة الإلهية
فالأمية غياب للحضور الروحي؛ والأمي هو الذي لم يتذوق معاني الوحي بقلبه، واكتفى بالتعامل معه كألفاظ خالية من الروح.
قال الإمام الغزالي: “العلم بلا عمل ظلمة في القلب”. إن الأمي لم يدرك حقيقة الكتاب كوسيلة للتزكية والهداية، بل تعامل معه ككلمات تُتلى دون وعي أو فهم.
والأماني- بحسب أهل الإشارة- وهي حجاب يمنع الإنسان من الوصول إلى الحق والحقيقة، وليست مجرد فقط تمنيًا فارغًا.. يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه:
”ما قادك شيء مثل الوهم”. فالتعلق بالأماني يجعل الإنسان يعيش في عالم خيالي، بعيدًا عن الواقع الروحي والمعرفي.
ثم إن الظن، يعتبر معوقا للوصول الى اليقين، فالإنسان الذي يتبع الظن يعيش في حالة من التردد والضياع، بعيدًا عن نور الهداية الإلهية، بعيدا عن اليقين. قال الله عز وجل: “وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا”(يونس: 36)، مما يعكس أن الاعتماد على الظن يحجب الإنسان عن الحقيقة، فكيف إذا كانت هذه الحقيقة مطلقة.
ثانيا؛ الأمية: العائق الحقيقي أمام الحرية والعقل
وهذا الغياب للوعي العميق بحقائق الأمور هو ما تؤكده الرؤية الفلسفية لمفهوم الأمية، ففي ضوء ما كان سقراط ينادي به “اعرف نفسك”. تكون الأمية هي الجهل بالذات والغاية من الحياة، وهو ما انعكس على هؤلاء الفئة من بني إسرائيل وعلى الذين حذوا حذوهم من بني عالمنا المعاصر، حيث لا هؤلاء ولا هؤلاء أدركوا جوهر الكتاب الذي يوجه للمعرفة الإلهية والحياة المستقيمة.
وإن الاعتماد على الأماني بدلًا من الحقائق يمثل نوعًا من الوهم الفلسفي، ولقد أشار ديكارت في منهجه الشكي إلى أن بناء المعرفة على الظنون يؤدي إلى ضياع اليقين. وهذا ما وقع فيه هؤلاء، حيث استبدلوا الفهم العميق للكتاب بأوهام وأماني لا تقوم على أسس علمية أو روحية.
ومع إيمانويل كانط، تتعلق الأمية بغياب الوعي والفكر النقدي، ففي مقالته الشهيرة “ما هي الأنوار؟”، يشير إلى أن الجهل هو حالة من “القصور الذاتي”، حيث يعتمد الإنسان على الآخرين بدلاً من استخدام عقله الخاص.
هذا القصور الفكري يمكن اعتباره نوعًا من الأمية، حيث لا يُمارس الإنسان قدرته على التفكير المستقل، يقول كانط:” إن بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه. والذي يعني عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير.
وإن المرء نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصا في العقل بل نقصا في الحزم والشجاعة….. تجرأ على أن تعرف، كن جريئا في استعمال عقلك أنت” انتهى كلام كانط.
ويعضد ما نادى به كانط، ما جاء في كتابات الفرنسي غاستون باشلار الذي يعتبر الأمية عائقا في وجه النمو العلمي والمعرفي. وبحسبه، يمكن النظر إليها، أنها كواحدة من العقبات الكبرى التي تُبقي الفرد في حالة من الجمود الفكري وعدم القدرة على التفكير في بدائل معرفية أو نقد الافتراضات القائمة..
يقول باشلار: “إن المعرفة العلمية تُبنى دائماً ضد المعرفة الأولى”، وهذا يمكن تفسيره بأن الأمية تُبقي الإنسان في “المعرفة الأولى”، أي المعرفة البدائية غير النقدية، التي تُعيق التقدم الفكري.
وأيضا، نراه يؤكد على أنها تحرم الإنسان من الوصول إلى أدوات المعرفة التي تغذي الخيال مثل النصوص الأدبية والعلمية، مما يجعل القدرة على التصور والإبداع أقل قوة.
إن ربط هذه الرؤية الفلسفية بالمفهوم القرآني للأمية يُظهر كيف أن الأمية تتعلق بالابتعاد عن مصدر الهداية، سواء كانت هداية إلهية أو فكرية. فكما أن القرآن يربط الأمية بغياب الهداية الروحية، فإن الفلسفة ترى أن الأمية هي غياب الوعي الفكري والقدرة على إدراك الحقيقة.
يتبع..
مؤلف المقال : بلا قيود
الجيش الملكي يرفع درجة التركيز قبل موقعة صانداونز في نهائي دوري أبطال إفريقيا
دخل فريق الجيش الملكي، مساء اليوم الجمعة بمدينة بريتوريا الجنوب إفريقية، مرحلة التركيز الن…


