الاتجَاه المَمنوع

لست مُتخصّصًا في العلوم السياسية، ولا فقيهًا في القانون الدولي، ولكنني مواطن مغربي محبٌّ لبلده، ومتتبّع للتحوّلات الجيوستراتيجية في العالم، وأعرف ما يترتب عنها من أبعاد اقتصادية وأمنية. أعرف توجهات صراع النفوذ الدولي في أكثر المناطق حساسية في العالم، والموقع الجغرافي لبلدي المملكة المغربية واحدٌ من هذه المناطق. كما أنني أعرف كذلك ما تيسّر من سراديب ملف وحدتنا المغربية في الصحراء المغربية. والأهم من كل ذلك، أنني عشت الصراع الدائر فيها لحظة بلحظة منذ بداياته وإلى اليوم. هي قضيتنا الأولى، وقضية كل المغاربة. لن أدّعي طبعًا فهم تعقيدات هذا الملف، كما تفهمه الديبلوماسية المغربية، وفق رؤية جلالة الملك محمد السادس، وليس لديّ ما يتوفر عليه الجيش المغربي من معطيات ميدانية على الأرض. ولكنني كبرت معها منذ مراهقتي الأولى، وأنا تلميذ في الإعدادية، وعشت أحداثها أوّلا بأول، وتعايشت مع كل تحوّلات أطوارها. زُرت مدن الصحراء المغربية وقراها في أكثر من مرّة، وعلى مدى أكثر من أربعين سنة، وناقشت الناس هناك وأنا مقيم بفنادقها وجالس في مقاهيها، أتبضع في أسواقها أو مسافرٌ عابر لطرقاتها، والتقيت الناس من مختلف المراتب في كثير من المدن الصحراوية في الجنوب المغربي: مثقفون، إعلاميون، سياسيون ورجال أعمال. عرفت منهم هناك كثيرًا من ظاهرها، وخبرت قليلا من بواطنها. مرّة عن قرب، ومرّات عن بُعد من خلال وسائل الإعلام والتقارير الدولية. كما عشت تحولاتها الكبرى بجوارحي وأحاسيسي، إن في حربها أو سلمها. وكنت في يوم من الأيام شاهدًا حيًّا على بعض أحداثها، وأنا على بُعد مئات الكيلومترات من مركز الأحداث والمعارك، وفي أخرى كنت أقرب من ذلك بكثير. عشت وتتبّعت كل ما صدر من قرارات عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى حدود وقف إطلاق النار في 6 دجنبر 1991 برعاية الأمم المتحدة، ثم إصدار مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025م. اعتمد هذا القرار مبادرة أساسها “الحُكم الذاتي” تحت السيادة المغربية، وتم اعتماده إطارًا مرجعيًّا للعملية السياسية، وفي المفاوضات التي تمّت في نيويورك ومدريد حول الصحراء المغربية، معتبرًا أن “حُكمًا ذاتيًّا” حقيقيا تحت “السيادة المغربية” هو الحل البراغماتي والواقعي، وهو الأكثر قابلية للتطبيق فوق الأرض، وفق ما هو متوفر للجهات المختصّة من معطيات ميدانية. ولكن، بعد فاتح أكتوبر 2026، لم نعد نسمع جملة “مبادرة الحكم الذاتي” في الأقاليم الصحراوية المغربية. بدأ اللعب على المكشوف، والحديث عن “إعادة هندسة الملف”، يرافق العملية طنين إعلامي نشاز لكلمات ومصطلحات ديبلوماسية غريبة، وجديدة على مسامعنا، نسمع بها أول مرة، منذ أن بدأ النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية قبل أكثر من خمسين سنة. دخلت إلى القاموس الديبلوماسي مجموعة من الجُمل والكلمات والمصطلحات إلى الاتجاه الممنوع، وكثير من التعبيرات التي لم نكن نسمع بها سوى في مناطق النزاعات المسلحة بين الفصائل والأطراف المسلحة على اقتسام السلطة والتفاوض حول” السيادة الوطنية”، وكأننا أمام “فصائل متناحرة” في حيز جغرافي مشترك، وليس شعبًا مغربيًّا واحدًا فرّقته أطماع الاستعمار، وباعدت بين شماله وجنوبه ظروف جيوسياسية معقدة في زمن الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والغرب الامبريالي، وقبله المَدُّ الاستعماري الغربي، وأضيفت إليها لاحقا طموحات زعماء “هُبّل”، ورؤساء دول صنعتهم الصدفة، وحرّكتهم دسائس السياسية وخبثها، وكره شخصي مجّاني محض في كثير من الأحيان. ولكن دهاء الحسن الثاني رحمه الله، والشرعية التاريخية عطلت كل ألاعيبهم، فذهبوا كلهم وبقيت الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه. أول مرة بدأت أسمع فيها عن “المجلس الانتقالي” في قضية الصحراء المغربية بصيغتها الجديدة، كما لو أننا في اليمن أو ليبيا والصومال، وكما حدث في الجزائر نفسها بشكل مختلف في فترة عصيبة من تاريخ الجزائر. وهكذا، بدأنا نسمع أحاديث عن “ضمانات دولية”، و”مرحلة بلا أجل”، وغيرها من التعابير المطاطة والألفاظ المبهمة، كما لو أنهم يلمحون إلى “تقرير المصير” وفق رؤيتهم أو تعويم الملف مرّة أخرى. هذه العناصر مُجتمعة توحي أن هناك هروب من التزام أخلاقي دولي، وكلمات ابن عرس الواردة في التقرير، تبتغي أن تنقل النزاع من خلاف على “الصلاحيات” إلى النزاع على من هو “صاحب القرار” في الصحراء المغربية، كما لو أننا أمام “تصفير” آخر لقضية الصحراء المغربية، وتتجنب وعود وحلول محدّدة، وكأنها ليست منطقة مغربية تمّ تحريرها بالمسيرة الخضراء، وتوحيدها بالحديد والنار ودم أبطالنا الشهداء. ربما تناسى دمستورا ومعه غوتيريش، ومن يدور في فلكهما بين جزائريين وفرنسيس وإسبان أن السيادة أولا وأخيرا، في الشمال كما في الجنوب، هي للأمة المغربية وملك البلاد محمد السادس، سواء في جهة الساقية الحمراء أو وادي الذهب أو أيّ جهة أخرى في المغرب. جلت الصحراء الغربية المغربية على مدى أكثر من أربعين سنة، من أقصاها إلى أدناها، وجدتها على عكس ما تراه تقارير مجلس الأمن والأمم المتحدة، ورُؤى غوتيريش ودمستورا. صحيح أنها منطقة صحراوية، ولكنها لا تختلف في مغربيّتها ووطنيّتها عن أيّ جهة أخرى في المغرب. يتحدث هؤلاء وكأن “الوحدة الترابية للمملكة المغربية” أصبحت وضعا مُعلقا على رؤى أشخاص وأهوائهم، لا تاريخ وجغرافيا دولة وشعب عريق، ومكتسبًا نهائيًّا للدولة المغربية. الدستور المغربي نفسه لا يعترف بالسيادة المُجزّأة، ولا بالاستفتاء حول الانتماء للوطن، إنما أن تكون مواطنا مغربيًّا، كما يراه دستور المملكة المغربية وقوانينها أو لا تكون أصلا. هناك من ذهب في الاتجاه الممنوع أبعد من ذلك، وبدأ يقلب المعادلة من حكم ذاتي تحت السيادة المغربي إلى إدارة مشتركة، وهنا أتساءل: بين من ومن هذه الإدارة المشتركة؟ وعلى هذا الأساس، أصبح ما كان منتهيًا وعلى وشك الانتهاء في هذا الملف الذي عمّر أكثر من خمسين سنة، بدأت تراه بعض الأطراف التي أصابها عمى الألوان مُؤقتًا وغير مُنتهي. مع العلم أن القرار 2797 صدر عن الأمم المتحدة في صيغته النهائية بصفة يحمل معه صيغة حكم ذاتي تحت السيادة المغربية. ربما تناسى هؤلاء أنه في الواقع على الأرض، هناك واقعية ميدانية تقول إن الجيش المغربي يراقب كل نملة تدبّ فوق الأرض، وكل طير يطير في السماء، وأن هناك شعب مغربي يعيش ويحيى فوق أرض ترابها مغربي بلون زعفران تالوين في جهتي الساقية الحمراء ووادي الذهب. وأن هناك إدارة مغربية تمارس سيادة الدولة كاملة، وتطبق دستورها بحذافيره، وتحكم وتدبّر الأمور اليومية للمواطنين في المدن والقرى الصحراوية، والدولة المغربية تطبق القانون في الجهتين وفق ما يراه المُشرّع المغربي. وأخيرًا، ماذا يمكن لكل هذه الأصوات مجتمعة أن تفعله؟ أليس التأثير القوي وصاحبة اليد الطولى في السماء والأرض، هي التي تقول إن الصحراء مغربية، وهي التي تجدد هذه المغربية في كل حين ومناسبة؟ وهل تملك هذه الجهات المناوئة لوحدتنا الترابية مُجتمعة حبرًا سريًّا، ومدادًا وقلمًا ويدًا لا ترتعش، وهي التي تصوغ كل كلمة في القرار الذي سيصدر نهاية شهر أكتوبر الحالي؟ أليست الولايات المتحدة هي التي كتبته؟ وهي حاملة القلم الذي صاغه؟ هناك عدة عوامل جديدة ومتغيرات كثيرة، سواء فوق الطاولة أو تحتها، كلها في صالح وحدة أراضي المملكة المغربية. وفي كل الأحوال “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”، وهناك عدة بدائل ممكنة عند المغرب في المحيط الدولي، كما أن هناك قوى اقتصادية وعسكرية تطلب ودّ المغرب، وتنتظر الفرصة لأخذ مكانتها في المغرب. وأخيرًا، المغرب قويّ بحلفائه، كما كان دائمًا، وعبر التاريخ، قويًّا بذاته ونفسه ورجالاته وشعبه، ولم يعتمد في المحطات الكبرى، كما تقول كتب التاريخ، سوى على نفسه. ومن أراد أن يسير في الاتجاه الممنوع لوحدتنا الترابية في الصحراء المغربية، سيكون درون IRIFI المتعطش للدماء سيكون في انتظاره…!! The post الاتجَاه المَمنوع appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
نحن وإسبانيا..لامجال للإبتزاز.. !
مدريد : عبد العلي جدوبي : اهتمت مختلف وسائل الاعلام الاسبانيه بخطاب جلاله الملك محمد الساد…




